تصميم: يوسف أيمن- المنصة

رؤساء يسخرون من شعوبهم: النكتة السياسية من أداة ضد السلطة إلى سلاح بيدها

قاعدين إنتوا تركبوا العربيات كيكي وكيكي.. يا مهندس طارق، زود البنزين متقلقش.

طالما عُرف المصريون بطبيعتهم الساخرة وقدرتهم على تحويل همومهم اليومية والحياتية وواقعهم السيئ إلى مادة للضحك، وبطبيعة الحال كان حكام هذا البلد مادة أساسية للنكات التي تتناول الأزمات السياسية والاقتصادية، كسلاح نقد أخير للسلطة عندما تنغلق كل طرق الاحتجاج الأخرى في وجوه الناس.

سلاح النكتة هذا بقي سلاحًا آمنًا، والأهم أنه كان حصريًا بيد الشعب، فالكتابة أو النشاط السياسي المعارض قد يرسلان صاحبهما إلى السجن في معظم الأحيان، على عكس النكتة التي يصعب تقصّي أصلها.

ولكن خلال السنوات الأخيرة التي سبقت ثورة 25 يناير 2011، وتلك التي تلت ما حدث في 30 يونيو 2013، لم تعد النكتة سلاحًا حصريًا بيد الشعب ضد السلطة، حيث بدأت هذه الأخيرة في الرد بالمثل، ليبدو الأمر وكأن الدولة قررت ألا تخسر أبدًا في مواجهة شعبها، حتى تلك المعارك التي لا يليق بالدول أن تخوضها وباستخدام أسلحة لا يصح أن يوجهها الحُكام ضد شعوبهم، مصدر شرعيتهم الوحيد.

انتزاع سلاح النكتة: قهر القهر

يرى هنري برجسون حسبما ورد في مؤلفه سيكولوجية الفكاهة والضحك أن "النكتة هي محاولة قهر القهر"، ففي الفترات السابقة بمختلف أزمنة تولي الحكام المصريين السلطة، حاول حكام استمالة الشعب بإطلاق النكات ضد الخصوم والأعداء والسخرية منهم.

يقول الصحفي عادل حمودة إن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فهم المزاج المصري الذي يجيد النكتة، فلم يخل أسلوبه في الخطابة من المزاج والسخرية والتنكيت ضد خصومه.حسبما نُشر في مقال بجريدة الوفد عام 1990.

وحسبما يحكي الصحفي عادل حمودة في كتابه كيف يسخر المصريون من حكامهم: النكتة السياسية، فإن عبد الناصر تابع النكات التي يطلقها المصريون عليه وتتعلق بالأوضاع العامة للبلاد، من خلال التقارير التي كان يجمعها جهاز في المخابرات، وكذلك أحد أجهزة مصلحة الاستعلامات، فالأول كان مختصًا بجمع النكت التي كانت تقال ضد عبد الناصر شخصيًا، والثاني مهمته النكات العامة.

عبد الناصر لجأ إلى السخرية، لكن ليس ضد المصريين عمومًا بل ضد خصومه السياسيين، ففي أحد خطاباته يذكر موقفًا جمعه بمرشد جماعة الإخوان المسلمين سنة 1953، حيث طلب هذا الأخير فرض الحجاب على النساء، ليرد عبد الناصر ساخرًا "إذا كنت إنت مش قادر تلبس بنت واحدة اللي هي بنتك طرحة، عايزني أنا ألبس عشرة مليون طُرَح في البلد؟"، فقابل الحضور سخرية عبد الناصر بالضحك والتصفيق.


واحد من الرؤساء الذين اهتموا بتتبع ما يطلقه الناس عليه من نكات كان أنور السادات، حيث تحكي زوجته جيهان السادات في لقاء مع الإعلامي عمر الليثي كيف أنه كان يحب بعض النكات التي يطلقها الناس عليه. وكانت نكتته المفضّلة تلك التي تقول إنه نزل من بيته ثم عاد بعد ثوانٍ مسرعًا ينادي زوجته "يا جيهان، يا جيهان، احدفيلي زبيبة الصلاة"، في إشارة إلى أنه يرتديها ادعاءً وأنها لم تكن نتيجة مواظبته على الصلاة.


ولكن تحولًا كبيرًا حدث في عهد حسني مبارك، عندما سخر من حادث غرق العبارة السلام 98 الذي أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص، في واقعة لافتة تبعتها وقائع أخرى للرئيس الذي كان على مشارف الثمانين، أما الرئيس عبد الفتاح السيسي، فقد فهم مزاج المصريين هو الآخر، ويعاود في مواقف كثيرة بالنكت والسخرية والمزاج مما يُطلق ضده من انتقادات لسياساته.

تنكيت الرؤساء (1): عبارة مِ اللي بيغرقوا

بدأ مبارك السخرية التي أشعرت المصريين كلهم بالإهانة في سنوات حكمه الأخيرة، بعد أن تجاوز الثمانين من عمره بقليل، عندما تناول في إحدى عباراته الساخرة حادث غرق عبارة السلام 98، عندما كان في لقاء مع أحد المواطنين الذي كان يشرح له أنه يستخدم العبارة في التنقل، ليرد عليه الرئيس الأسبق بسخرية "اوعى تكون عبارة مِ اللي بيغرقوا دول؟".


وأثناء إلقاء كلمته في مؤتمر الحزب الوطني السادس، وبينما كان يقول "إنني أتابع آراء المواطنين حول قضايا الساعة، وتحرك حكومة الحزب في التعامل معها، أتابع تحركاتها في تحسين جودة الخبز والتصدي لمشكلات النظافة، ومعالجة المخلفات الصلبة"، قاطعه آخر الحضور، ليرد مبارك عليه ساخرًا "إنت فاكر إني هقعد أفر كل حاجه في البلد، يا راجل كبر مخك"


وأثناء خطابه فى الجلسة الافتتاحية لبرلمان 2010، رد على تشكيل برلمان موازٍ من القوى المعارضة التي تعارض سياسات الحزب الوطني، معلقًا عليها بسخرية "خليهم يتسلوا".


هذا البرلمان الموازي لم يواجه سخرية مبارك الأب فقط، إذ مشى ابنه جمال على خطاه عام 2011 حيث رد المسؤول السابق عن لجنة السياسات في الحزب الوطني المنحل على سؤال أحد الصحفيين الذي طرح سؤالًا عن إمكانية أن يجري نجل الرئيس مناظرة مع أحد المعارضين من الإخوان أو من الأحزاب أو الجماعات المعارضة، بضحكة ساخرة قبل أن يقول "طب ردوا إنتوا بقى عليه دا"، قبل أن ينظر إلى مراسل قناة الجزيرة حينها حسين عبد الغني ويضيف "رد إنت يا حسين".

اللافت أنه بعد هذا المؤتمر الصحفي بنحو شهر كان نظام مبارك يتداعى على هدير الاعتصام الكبير في ميدان التحرير.


تنكيت الرؤساء (2): زود البنزين متقلقش

قدم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نفسه للمصريين بصفته "المخلص"، الذي ساعدهم على التخلص من الرئيس الراحل محمد مرسي و"جماعته الإرهابية".

ولهذا يخاطب السيسي المصريين دائمًا باعتباره المسؤول عنهم أمام الله، فهم أمانة في عنقه. السيسي لا يتحدث عن الديمقراطية، أو المواطنة، أو المساواة والحرية أو شرعية الانتخاب التي تجعله مسؤولًا أمام الشعب، بل إنه يكاد يرى الشعب مسؤولًا أمامه إذ قال خلال احتفالية الجيش بيوم الشهيد "سنقف أنا وأنتم أمام الله وأحاسبكم كما تحاسبونني".

وهذا التصريح لم يكن خارجًا عن السياق العام لتصريحات السيسي، فعندما سئل في أبريل/ نيسان 2018 عن موقفه لو خسر الانتخابات الرئاسية قال "يا رب يولي مصر من يصلح، ويبارك في عمله. قل اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء. الملك دا عطاء إلهي، لا حد بياخده من حد ولا حد بيديه لحد، ربنا بيسبب الأسباب عن طريق البشر. ليه لما يهب ليا أقبل عطيته أو عطاءه، وليه لما ينزل لا أقبل عطاءه بالمنع؟ أنا طيّع مع نزعه للملك"، الشعب هنا ليس طرفًا في المعادلة، وليس هو من يمنح السلطة ولا الشرعية، فهو مُلك لا رئاسة، وهو عطاء إلهي لا شرعية شعبية تحققت بالانتخابات.


يراقب السيسي النكات التي يطلقها الشعب المصري تعليقًا على خطاباته، فبعدما تحدث عن الأوزان الزائدة لطلبة الجامعات الذين ظهروا في أحد التقارير المصورة التي عُرضت أثناء مشاركته بمؤتمر شباب العالم في ندوة كيف نبني المستقبل؟ نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، ظهرت الكثير من النكات والكوميكس على مواقع التواصل الإجتماعي التي تناولت قول الرئيس بالنقد الساخر.

وأثناء الجلسة الأولى لمحاكاة الدولة المصرية ضمن فعاليات المؤتمر السابع للشباب الذي أقيم في العاصمة الإدارية الجديدة، علق السيسي بالضحك على مجموع من الكوميكس الساخر حول الظروف الاقتصادية التي يعاني منها أفراد الشعب المصري بمختلف تنويعاتها كارتفاع أسعار السلع والبنزين، والتي عرضت عليه في الجلسة.

تعليق السيسي بالضحك الطويل أثار موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره استهانة بأحوال الشعب المصري واحتياجاته.


وفي وقت سابق، خلال وجوده بمحافظة الإسكندرية لافتتاح المرحلة الثانية من مشروع تطوير العشوائيات بشاير الخير أثناء حديثه عن النمط الغذائي لأطفال الشعب المصري، رد بنفس السلاح المعنوي الذي يستخدمه أفراد الشعب، و قال "أنا لما تكلمت عن الموضوع ده، حجم النكت اللي طلع فوق الخيال على موضوع الوزن الزيادة، معرفش هيطلعوا نكت إيه النهاردا".


لم تكن هذه المرة هي الأولى التي يعلّق فيها السيسي على بعض الأمور بالضحك والفكاهة والنكيت، فقد تناول أيضًا رقصة كيكي أثناء حضوره لجلسة بعنوان اسأل الرئيس بمؤتمر الشباب بجامعة القاهرة يوليو/ تموز 2018 عندما قال " قاعدين إنتوا تركبوا العربيات كيكي وكيكي"، ثم وجه حديثه بتعليمات لطارق الملا، وزير البترول والثروة المعدنية "يا مهندس طارق، زود البنزين متقلقش".


وأثناء تواجده في محافظة 6 أكتوبر في فبراير/ شباط 2016 لافتتاح مشروع الإسكان الاجتماعي، وبعد أن أثارت السجادة الحمراء التي مرت عليها سيارة الرئيس غضب بعض الإعلاميين والنشطاء والجمهور رواد مواقع التواصل الاجتماعي، قال الرئيس ساخرًا، أثناء افتتاحه عددًا من مشروعات الهيئة الهندسية للقوات المسلحة "فيه حاجة يا كامل (الوزير) عاوز أسألك عليها، ليه خليك الموكيت ده أزرق، مخلتهوش أحمر ليه؟".