لقطة من الفيلم. الصورة: الصفحة الرسمية ﻷحمد حلمي- فيسبوك

خيال مآتة: أن تصل متأخرًا فتخسر كل شيء

قرر أن يكون أمامنا طوال الفيلم، فلا يغيب أبدًا عن الشاشة، فنشاهده في 95% من مدة الفيلم.

* تنويه: هذا الريفيو يحتوي على حرق لبعض أحداث الفيلم

انتظر عشاق نجم الكوميديا أحمد حلمي فيلمه الجديد "خيال مآتة" طويلا، حتى عُرض أخيرًا مساء الأحد 11 أغسطس، أول أيام عيد الأضحى. ليكون بذلك آخر فيلم يصدر ضمن مجموعة أفلام العيد، التي بدأت بالجزء الثاني من فيلم الفيل الأزرق ثم الجزء الثاني من ولاد رزق، ثم فيلم انت حبيبي وبس، ثم الجزء الثاني من فيلم الكنز.

وصول متأخر

ورغم أن شركة اﻹنتاج أعلنت أن الفيلم سيكون بدور العرض قبل بداية العيد، إلا أن الفيلم تأخر عرضه يومًا بعد يوم، رغم أن أفيشاته وإعلاناته كانت معلقة في كل شوارع مصر وفي دور العرض التي ستشهد عرضه. ناهيك عن بيع بعض دور العرض لتذاكر لعروض الفيلم عبر شبابيك التذاكر في دور العرض نفسها، أو عبر الحجز المسبق على الإنترنت، مما أدى إلى مشكلات كثيرة مع الجمهور، الذي اضطرت السينمات أن تعيد له المبالغ التي دفعها أو تبديل التذاكر بتذاكر لأفلام أخرى.

ومع هذا التأخر، استطاعت الأفلام الأخرى أن تحقق إيرادات كبيرة، حتى أن الجزء الثاني من فيلم "ولاد رزق" استطاع أن يكسر رقمًا جديدا لإيرادات السينما المصرية، محققًا أعلى إيراد يومي في تاريخ السينما المصرية، بنحو 8.4 مليون جنيه، ومن المنتظر أن يحقق خلال أيام معدودة أعلى إيرادات في تاريخ السينما، بعدما تخطت إيراداته 54 مليون جنيه.

من الفم إلى اﻷذن

وبالتأكيد فالخاسر الأكبر في سباق الإيرادات هو الفيلم الذي يتأخر في الصدور في مواسم الأعياد، خاصة أن أفضل طريقة للدعاية بشكل عام هي الطريقة التي تسمى بـ"من الفم إلى الأذن". وهي الطريقة التي تعني أن من يشاهد الفيلم يخبر معارفه عنه، الذين يكررون بدورهم لأشخاص آخرين نفس الحكم، وهو ما يجعل أكبر كمية من الناس تتشجع من أجل الذهاب إلى دار العرض ومشاهدة هذا الفيلم وهجر بقية الأفلام، خاصة أنه نادرا ما يشاهد المشاهدين أكثر من فيلم في هذا الموسم، حيث يعتبر الذهاب للسينما نزهة للعائلات أو الأصدقاء، الذين يريدون أن يقضوا وقتًا ممتعًا بصحبة بعض، لذا يختاروا الفيلم الذي سمعوا أنه الأفضل.

وبما أن الأيام الأولى في العيد هي الأيام التي تمتلئ فيها دور العرض عن آخرها، حتى أن السينمات تقرر عدم عرض إعلانات وجعل الاستراحة قصيرة من أجل عرض أكبر كمية حفلات في اليوم، ومن أجل بيع أكبر كمية تذاكر في هذا الموسم القصير، كل هذا يتسبب في خسارة الفيلم الذي لم يُعرض في السينما بداية من وقفة العيد على الأقل، ففي أيام العيد نفسه تكون دورة الدعاية الطبيعية التي أشرنا إليها من قبل قد انتهت بالفعل.

ضجيج بلا طحين


حتى وبعد صدور الفيلم وانتظام عرضه في كل دور العرض المصرية، شاهدنا فيلما لا يليق أبدًا باسم نجم وكوميديان كبير مثل أحمد حلمي، الذي شارك أو لعب دور البطولة في عدة أفلام هامة مثل عبود على الحدود، 1999 والناظر، 2000 والسلم والثعبان 2001، وسهر الليالي، 2003 وكده رضا، 2007 وآسف على الإزعاج، 2008 وعسل أسود، 2010 وإكس لارج، 2011. وخرج فيلمهالجديد "خيال مآتة" دون توقعات المشاهد الذي كان ينتظر كوميديا وإثارة، فلم يجد كليهما.

خيال مآتة من بطولة أحمد حلمي في دور الجد يكن والحفيد عزيز (زيزو)، ومنة شلبي في دور آسيا وباكينام، وخالد الصاوي في دور القيصر، بالإضافة إلى بيومي فؤاد وحسن حسني وانتصار وحمدي الميرغني ومحمود الليثي، وتأليف عبد الرحيم كمال وتصوير أحمد يوسف ومونتاج خالد سليم، وإنتاج وليد صبري وإخراج خالد مرعي.

يحكي الفيلم عن النصاب العجوز (يكن) الذي يريد "القيصر" أن يشتري منه بروش المطربة أم كلثوم الذي سرقه يكن حينما كان شابًا في الستينيات، ولكن يكن يطمع في أن يبيع البروش لأكثر من شخص حتى يكسب أموالًا أكثر. ولذا ينفذ خطة مستعينًا بحفيده عزيز للنصب على "القيصر" مستخدمًا نسختين مزورتين من البروش.

النجم الذي أقصى بقية الممثلين

أحمد حلمي. الصورة: الصفحة الرسمية للممثل- فيسبوك

لأن أحمد حلمي يعرف جيدًا أنه نجم كبير، وأن المشاهدين يدخلون إلى دور العرض لمشاهدة أفلامه من أجله هو فقط، فقد قرر أن يكون أمامنا طوال الفيلم، فلا يغيب أبدًا عن الشاشة، فنشاهده في 95% من مدة الفيلم، إما في صورته كشاب أو في صورته كجد لهذا الشاب أو في صورته كشاب يمثل أنه جد عبر استخدام المكياج، الذي لم يكن أبدا بالإتقان المناسب لإقناعنا.

وهو في هذا يسلك درب الممثل محمد سعد حينما قرر أن يؤدي في أفلامه عدة أدوار من ابن وأب وأم وجدة وغيرهم.

مشكلة المكياج دائمًا ما نجدها في أفلامنا المصرية، بسبب عدم وجود متخصصين في المكياج قادرين على تغيير شكل الممثلين كليًا وإقناعنا بذلك، وهو ما تحتاجه أي صناعة سينما في العالم.

بذلك يحاول النجم أحمد حلمي أن يتواجد طوال الفيلم وبكل الطرق، فهو لا يحتاج إلى أي ممثلين آخرين، وهو في هذا يسلك درب الممثل محمد سعد حينما قرر أن يؤدي في أفلامه عدة أدوار من ابن وأب وأم وجدة وغيرهم. ولكننا نعرف جميعا ما آل إليه حال محمد سعد، حيث فقد جمهوره الذي لم يعد يهتم بمشاهدة أفلامه، وبالتالي لم يعد المنتجون يتحمسون له.

وما فعله أحمد حلمي في فيلمه الجديد وما يفعله محمد سعد دائمًا يجعلنا نتسأل؛ ألا يوجد ممثلين قادرين على أن يعوّضوا وجود مثل هؤلاء النجوم، حينما يغيب النجم من أمامنا في الفيلم لمشهد أو مشهدين على الأقل؟

والغريب أيضًا أن الممثلين المشاركين لأحمد حلمي في الفيلم (منة شلبي وبيومي فؤاد وخالد الصاوي وحسن حسني) لا نجد لشخصياتهم أي أهمية في المقام الأول، ولا نجد لأدائهم نفسه أي بريق في المقام الثاني، فكأن الأمر مخطط له تمامًا من مرحلة الكتابة، ثم التمثيل، وأخيرًا اختيار المشاهد التي ظهرت فيها هذه الشخصيات في مرحل المونتاج. وهذا ما أدى إلى خفوت بريق النجم نفسه وبريق الفيلم بشكل عام.

أفيش فيلم خيال مآتة

حتى النجم والبطل يحتاج إلى شخصيات وممثلين ذوي حضور قوي وأداء جيد، ليعكسوا حضوره. فالممثلين في الأفلام، خاصة الكوميدية، كالمرآة تعكس لنا وتجعلنا نشعر بمدى قوة الموقف أو الإفيه الكوميدي الذي أداه النجم. ولنا في النجم الكبير عادل إمام أسوة في اختياره وعنايته الشديدة بالممثلين الذي يعملون معه، حيث كان يعتمد دائمًا على ممثلين كبار، مثل عمر الحريري وكمال الشناوي وعمر الشريف.

هؤلاء الممثلون قادرون على جعلنا نصدق ونتفاعل أكثر مع الموقف أو الإفيه الذي يؤديه الممثل الرئيسي. فالممثلين المساعدين في الأفلام الكوميدية ليسوا أبدًا ديكور يمكن تهميشه أو الاستغناء عنه في حضور النجم. بالعكس، يجب أن يكونوا ذوي قدرات تمثيلية وتعبيرية جيدة جدًا، من أجل إظهار قدرات البطل نفسه.

فيلم كوميدي بلا كوميديا

الحقيقة هي أن الفيلم يخلو حتى من الكوميديا، فالمواقف الكوميدية التي نجدها مثل موقف سرقة متجر عزيز ببداية الفيلم كانت قليلة للغاية، وليست بالقوة الكافية لإضحاك الجمهور. وحتى الأفيهات مثل أن يقول أحد الشخصيات أن اسمه سرحان فيطالبه البطل بالتركيز وأنه كان يسأله عن اسمه، هي مجرد إفيهات مستهلكة غير قادرة على إضحاك المشاهدين بسبب تكرارها في العديد من الأعمال الفنية الكوميدية المختلفة.

أخيرًا، كان أحمد حلمي، القادم من عالم برامج الأطفال الكوميدية، يركز دائمًا على جمهوره من الأطفال، وهو ما حاول في هذا الفيلم أيضًا أن يحققه، إلا أنه وللآسف فشل في ذلك. وذلك لأن حبكة الجريمة، على الرغم من أنها ليست محبوكة ومعقدة بما فيه الكفاية بالنسبة للكبار، كانت معقدة إلى حد كبير بالنسبة للأطفال، وهو ما يجعلهم لا يفهمون ما هي المشكلة بالضبط، خاصة أن الأطفال في عصرنا هذا لا يعرفون الكثير عن كوكب الشرق أم كلثوم، فكان من الأفضل اختيار نجم آخر أكثر قربًا من الأطفال من أم كلثوم.

كوكب الشرق أم كلثوم وهي ترتدي الحلي قبل إحدى حفلاتها الغنائية

هذه هي الأسباب التي نراها وراء عدم نجاح فيلم أحمد حلمي، فبالتأكيد لا توجد مؤامرة كونية مثلما يدعي البعض على النجم الكبير أحمد حلمي ولا على المنتج وليد صبري مقابل الإشادة بأفلام منتج الأفلام الأخرى المتسابقة في هذا موسم عيد الأضحى.

وعلى الرغم من أن منتج فيلمي ولاد رزق 2 والفيل الأزرق 2 هو تامر مرسي، الذي كان له تأثير كبير على نجاح هذين الفيلمين، فتامر مرسي يترأس أقوى شركة إنتاج سينمائي وتليفزيوني ودعاية وإعلان في مصر حاليًا، حيث احتكرت السينما والتليفزيون والدعاية والإعلان بعدما نحت جانبًا كل الشركات الكبرى، إلا أنه وعلى الرغم من أهمية وقوة المنتج المنافس فإن ما آل إليه فيلم خيال مآتة يرجع إلى الفيلم نفسه، لا إلى منافسيه.

وبالتأكيد لم يفشل الفيلم بسبب أنه مسروق مثلما قالت كاتبة السيناريو، نهال سماحة، التي نشرت منشورًا على صفحتها على فيسبوك تقول فيه إنها صاحبة فكرة هذا الفيلم، فمشكلة الفيلم تكمن أساسًا في أنه ضعيف فنيًا إلى حد كبير، فالمشكلة هنا ليست أخلاقية بقدر ما هي إبداعية، حيث فشل صناع الفيلم في إبداع فيلم جيد قادر على امتاع رواد السينما.

فيلم أحمد حلمي الجديد هو بالفعل مجرد خيال مآتة في هذا الموسم السينمائي، ولا يحتاج إلى بذل الجهود ﻹضعافه أو تشويهه أمام الجمهور، خاصة أن الموسم بالفعل قد فازت به شركة سينرجي بسهولة، عبر عرض فيلمين قويين وهما ولاد رزق 2 والفيل الأزرق 2، اللذين حققا إيرادات كبيرة في أيام قليلة بسبب مستواهم الفني العالي بالإضافة بالتأكيد إلى الدعاية التي قامت بها شركة الانتاج في كل مكان في التليفزيون والانترنت وحتى بالشوارع الرئيسية في مصر.

النجومية وحدها لا تصنع النجاح

هنا نؤكد أن مشكلة الفيلم الأساسية هي التسرع الشديد في التخطيط والتنفيذ للفيلم، والاعتماد الكلي على اسم أحمد حلمي الذي استطاع فيلمه السابق لف ودوران أن يحقق وقت عرضه أعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية.

فيلم حلمي الجديد لم يكتب جيدًا، ولم يُخطط لتنفيذه جيدًا، ولم يُنفذ جيدًا. هذا الفيلم كُتب له الإخفاق حينما وافق بطل الفيلم ومنتجه على هذا السيناريو وهذا التنفيذ وهذا الناتج النهائي.