محطة قطار بنها عام 1932. الصورة من الصفحة الرسمية للملك فاروق/ فيسبوك

الذين عملوا من بنها

كانت كل سيدات القرية وبناتها وفتياتها يرتدين جلابيب متشابهة، الجلباب فلاحي بسيط ينسدل من الرقبة حتى القدمين، لكنه يضيق حول الصدر ثم يتجسم حول البطن والخصر ليعود مرفرفا بعدها مثل فستان.

(1)

"طب أول قطر طالع بنها الساعة كام؟".

ألقيت السؤال بلهوجة، لكن المحصل أخبرني أن أمامه ساعة على الآقل، فاضطر للانتظار على رصيف المحطة.

كنت ذاهبا إلى بنها للمرة الثالثة في حياتي، في رحلة عمل قصيرة لأقوم بحملة توعية طبية لسلسة حضانات أطفال. سأفحص أسنان أكثر من مئتي طفل وأشرح لهم كيفية الحفاظ على أسنانهم وغسلها صبحًا ومساء.

راودتني شكوك في مقدرتي على أداء تلك المهمة وحدي فانتابني قلق وتوتر. على أي حال ركبت القطار المتأخر عن موعده نصف ساعة، رفعت حقيبة بنت كانت متعثرة بها في الطرقة، فدعتني للجلوس في المربع الذي تتشاركه مع أختها، فقد كان إلى جوارهما مقعد شاغر. جلست وأخرجت مفكرتي ورواية معي، لم أقرأ بل انهمكت في تخطيط وجدولة المهمة كما أتوقعها وأراها.

سألتني البنت أين سأنزل، فأجبت بنها، سألتني عن السبب، ردّيت باقتضاب عن عملي، فتوالت أسئلتها لكنني أنهيت الحديث بسرعة، ليس وقارًا ولكني انشغلت بما هو أهم. أنهيت المخطط، ورميت بعيني من الشباك كيلا يفتح أحدهم حديثًا معي، بمعنىً آخر "عملت فيها من بنها".

"عمل فيها من بنها" هي جملة شهيرة لدى المصريين، تخرج بنبرة ساخرة عندما يصطنع شخص ما لا مبالاة أو نطاعة في مواقف حساسة تسترعي انتباهه واهتمامه.

لا نعرف يقينًا أصل تلك الجملة، إلا أن أشهر الحكايات التي يتداولها المصريون تقول إنها انبثقت أولا في ذهن راكبي قطار الدلتا، لأن بنها هي أول محطة بعد خروج القطار من القاهرة، فكان الركاب عندما يبحثون عن مقد شاغر، أو يستأذنون أحد الجالسين ليريحوا أقدامهم، يتحججون بحجة لطيفة، يقول الواحد منهم "أنا نازل بنها"، حتى يعتقد الجالس أن من يطلب الجلوس لن يكمل لآخر الرحلة، بل سيجلس مسافة محطة أو محطتين، وسيترك المقعد لصاحبه الذي سينزل طنطا أو دمنهور أو الأسكندرية في آخر الرحلة.

لكن وبعد أن يعبر القطار بنها لا يقوم المستأذن، بل يصطنع اللامبالاة، يدير وجهه إلى الشباك، ولا يعبأ بالواقفين أبدا، في نطاعة ظاهرة، فيغلون هم من نطاعته تلك، يمصمصون شفاههم، ويضربون كفا بكف، ويتلمظون بغيظهم هامسين "عامل من بنها".

بنها هي عاصمة القليوبية، وهي إحدى المحافظات شبه المنسية في مصر، بنها نفسها مدينة شبه منسية تقريبا، بسب قربها الشديد إلى القاهرة، بل إن بعض مدنها وقراها تدخل أساسا في حيز القاهرة الكبرى كما تصل إليها خطوط مترو الأنفاق، مما خلق تواطئا بين القاهريين والبنهاويين لاعتبار أولئك الأخيرين من القاهرة أصلا، فصارت تلك إجابتهم الرسمية عن سؤال "إنت منين؟"، حتى لتحس أحيانا أنهم لن يعملوا من بنها ثانية.


(2)

القناطر الخيرية - صورة مفتوحة المصدر من ويكيميديا

في أول مرة ذهبت إلى بنها – بالتحديد إلى قرية قريبة منها- كنت في سنتي الجامعية الثانية، في إجازة الصيف، لحضور خطبة أحد زملائنا في مسقط رأسه. امتلأ بنا الميكروباص، واندفع في رحلة امتدت ثلاث ساعات حتى وصلنا إلى قرية صديقنا، دخلنا إلى البيت عابرين عدة أزقة.

كانت الأزقة التي عبرناها ضيقة ومتقاربة وترابية، وكلها تنفتح من أولها على شارع القرية الرئيسي، وتفضي في نهايتها إلى الزراعات حتى تصل النيل. جلسنا في الفراندا ودارت حولنا صواني الطعام، أكل ومزاح، مزاح وأكل، حتى فرغنا، فنزلنا إلى الجامع القريب.

كان أنفي مشغولًا برائحة لم أميزها كلية سوى بعد غروب الشمس تماما، هي رائحة طمي نفاذة، استنتجت أننا قريبين من النيل والقناطر، لكن الرائحة كانت تضفي سمتا رقيقا على كل شيء حولي، كأنها تفك تعقيدات الأشياء لتعود بها إلى بساطتها الأصلية. تمشينا من الجامع حتى المسرح عند بيت العروس، أقعدنا أهلها في مضيفة كبيرة ريثما تعود من الكوافير، وقدموا لكل زوج منا طبقين من الفول السوداني والترمس، ودارت حولنا كؤوس شاي صغيرة الحجم.

سمعنا صوت الزفة فخرجنا، لنجد البلد كلها تنتظر العروس أمام المسرح، صعد زميلنا بخطيبته، وبدأت الموسيقى تفعل فعلها في الأجساد بسرعة، تراقص الشباب، بينما التف حولهم الرجال وانتبهت لهم نساء البلد وبناتها غير آبهين بالعروس.

توقفتُ للحظة، فباستثناء العروس وإحدى صاحباتها، كانت كل سيدات القرية وبناتها وفتياتها يرتدين جلابيب متشابهة، الجلباب فلاحي بسيط ينسدل من الرقبة حتى القدمين، لكنه يضيق حول الصدر ثم يتجسم حول البطن والخصر ليعود مرفرفا بعدها مثل فستان، وينعقد بأسورة حول الأكمام، وتدويرة منفوخة حول الأكتاف، ولا بد أن يكون مزركشا ومنقوشا بورد أو بنقط وشموس، الغوامق مزركشة بفواتح، والعكس تماما، المهم أن لا يكون سادة.

وقفت الإناث أمام المسرح كأنهن لوحة تشكيلية من ألوان شديدة التنوع، يخطفن العين بسرعة، ليس لأنهن إناث، وإنما لذلك التمسك الغريب بزي فلكلوري بسيط جدا، ويصر على وحدة مضمونه مهما تنوعت أشكاله البسيطة والمبهرة. كانت ليلة مليئة بالاكتشافات، تذكرتها جيدًا في رحلتي الثالثة إلى هذه المدينة.


(3)

وصل القطار إلى بنها متأخرًا جدًا.

نزلت وتمشيت في شارع طويل لم يقابلني فيه سوى أربعة رجال، حتى وصلت إلى سيارات البلد التي بها سلاسل الحضانات والأطفال الذين سأفحص أسنانهم. تبعد البلد عن بنها حوالي ثلث ساعة، عندما نزلت وقابلت الرجل المكلف باستقبالي، أول ما سألته كان "ايه ريحة الطمي دي؟"، ضحك وقال "أصل بلدنا شبه الجزيرة.. بيحدها الريّاح من الشرق، والنيل من الغرب".

في الصباح بدأت المهمة في فحص الأطفال، ساعدتني المدرسات فسار اليوم بليونة شديدة، رغم بعض العراقيل. انتهى فحص ثلث الأطفال أو أكثر في ساعتين ونصف، ثم جمعتهم لي المديرة في قاعة كبيرة لأكلمهم عن صحة أسنانهم. بعدما انتهيت، تعلقت بي فتاة في الخامسة، كان اسمها سما تقريبا، قالت بخمس ضعيف جدا، على فكرة أنا بحبك، ضحكت وانفجرت مديرة العمل معي بالضحك وأصرت أن ألتقط صورة لي مع سما.


(4)

مثل رحلتي الأولى إلى بنها كانت الثانية، خطبة أخرى لزميلٍ ثانٍ بعد الرحلة الأولى بأربع سنين. للأسف نقص عددنا إلى النصف بسبب ظروف تخرجنا، فأخذنا سيارة سوزوكي ثمانية راكب. الرحلة هذه المرة أخذت وقتا أقل من المرة الأولى، ودخلنا إلى القناطر من محافظة المنوفية، من طريق طويل يشق نفسه وسط القرى التي يحدها النيل من برها الغربي.

صعدت بنا السيارة على القناطر، وتوقفنا لدقائق، بسبب الاختناق المروري، فاحت رائحة الطمي بنفاذيتها العالية، تلف أشجار حدائق القناطر والكباري العتيقة. كانت الرائحة هي أكثر شيء مميز، تصدم أنفك قبل أن تلامس أضواء الكباري عينيك. دخلت السيارة إلى قاعة الأفراح الطافية على النيل، وماهي إلا دقائق واشتغل الحفل بمدعوويه القليلين.

إحدى بوابات القناطر الخيرية - صورة مفتوحة المصدر من ويكيميديا

لامست الموسيقى يافوخ الحاضرين فدبت أقدامهم بالتراقص، دخل إلى الوسط رجل بسمرة دلتاوية وشامة جوار أنفه وتراقص مع الموسيقى، اندمج تماما، أغمض عينيه نصف إغماضة، وأمال رأسه للخلف وطوحها معلقا يديه في عروة جاكتته، ثم انهال على صديقنا العريس ليرغمه على الرقص، قبل أن يستدير نحونا واحدا تلو آخر وكأن همه الوحيد هو أن نرقص جميعنا، أن نترجم فرح قلوبنا إلى حركات، ولا يستريح سوى ليلتقط سيجارة ثم يعود مجددا.

كنت أهرب منه كل فينة، وأتأمل الحاضرين، ثم أنظر إلى الماء، كانت الألوان الزاهية للمراكب تطفو بخفة فوق السطح الغطيس، بينما أضواء أعمدة بوابات هويس القناطر تقف بثبات، تلتحم بالحجارة العتيقة، وتبرز عمق البوابات. على الضفة الأخرى كانت الحدائق ممتلئة بالناس، الأشجار على جذوعها أفرع نور متلألة، تضفي شفافية على كل شيء تحتها، حتى يبدو للرائي من بعيد أن هناك أجسادا هلامية رقيقة تجري وتلعب بفرح، دون أن يعكر روتين فرحها شيء. فكرت أن على ضفتنا فرح، وعلى الضفة الأخرى أيضًا فرح، وكل الأفراح محمولة على غلالة من رائحة الطمي الرقيقة، قلت لنفسي لو أن مصر هبة النيل، فقناطر بنها هي درتها بلا شك.


(5)

فكرت أن هذا حنان من لا يخشى الجفاء أبدًا.

بعد أن التقطت صورتي مع سما، خرجت في المساء لأستكشف البلد التي تشبه الجزيرة. تآلفت بسرعة مع مبانيها البسيطة، أوعزت ذلك إلى رائحة الطمي التي باتت جزءًا رئيسيًا من زياراتي إلى بنها، لكن البلد كانت تكتسي ببساطة لم أفهمها، هي مدينة لكنها لا تشبه المدن، كأن الضغط العصبي والازدحام لم يجثما على رئتيها بعد، حتى الناس وجوههم فيها بشاشة تخرج بهم عن مألوف المدن المصرية التي تخنق أهلها، وكل الشوارع واسعة وهادئة ما عدا الشارع الرئيسي، شارع "جمال عبد الناصر"، الذي يشق البلد بالطول، ويتقاطع مع الرياح الذي يقسمها إلى برين شرقي وغربي.

في الصباح عندما أخبرت السيدة مديرة العمل عن ملاحظاتي تلك، قالت أن تلك البلد لم تصبح مدينة سوى في السبعينات تقريبا وهو ما يجعل فيها كثيرا من طباع القرى. للحقيقة أكثر طبع لاحظته في أهل تلك البلدة أنهم "ولّافين"، يتباسطون ويصاحبونك بسرعة، بل ولا يمنعونك من حنانهم كلما أتيحت الفرصة. السيدة مديرة العمل نفسها كانت أكبر مثال لذلك، ليس مع ضيفها فقط، وإنما مع كل المحيطين بها، حتى عندما أخبرتها بملاحظتي تلك، قالت "أنا أعطي عطاء البحر"، لكني فكرت في غير ذلك، فكرت أن هذا حنان من لا يخشى الجفاء أبدًا.

بعد ثلاثة أيام سار الميكروباص محاذيًا للماء عائدا بي إلى بيتي، لم تفارق رائحة الطمي أنفي، بينما كنت أفكر في أولئك الذين عملوا من بنها.. ما هي الحقيقة فعلا وراء أنهم عملوا ذلك؟