تصميم: يوسف أيمن- المنصة

دع النيجاتيف يتآكل وحده.. تاريخ الفشل في صناعة أرشيف السينما المصرية

كيف يؤسس نظام حاكم أرشيفًا ومتحفًا للسينما وهو يعادي الفن لأسبابه السياسية

تعد السينما المصرية واحدة من أقدم السينمات في العالم، إذ نظم أول عرض سينمائي في الإسكندرية وبالتحديد في مقهى زواني، مساء 6 يناير/ كانون الثاني عام 1896، بعد أيام من أول عرض سينمائي في التاريخ شهدته مدينة باريس يوم 28 ديسمبر/ كانون الأول عام 1895. بحسب بحث بعنوان أرشيف الفيلم في مصر نشر في مجلة السينما والتاريخ، في عددها الأول عام 1992.

بعد أربع سنوات من ذلك التاريخ، في 20 يونيو/ حزيران عام 1907، أنتج أول فيلم سينمائي في مصر وثّق زيارة الخديوي عباس حلمي الثاني لمعهد المرسي أبو العباس بالإسكندرية، وكان عنوان الفيلم القصير "زيارة جناب الباب العالي للمعهد العلمي في مسجد سيدي أبو العباس"، بحسب كتاب وقائع السينما المصرية، علي أبو شادي، 2004. وبعدها بعشرين عامًا أنتج أول فيلم روائي طويل صامت بعنوان "قبلة في الصحراء" عام 1927، ثم أول فيلم روائي طويل ناطق كان عام 1932 بعنوان "أولاد الذوات".

رغم ذلك، تخلو مصر من متحف للسينما، في حين أن أول سينماتيك في العالم أنشئ عام 1936 في فرنسا، ووصلت عدد متاحف السينما حول العالم إلى 150 متحفًا.

حروب القصور التقني وتآكل النيجاتيف

قد يرجع عدم إنشاء سينماتيك مصري إلى عدم اهتمام النظم الحاكمة بالحفاظ على تراث الفن أو نقله للأجيال الجديدة التي لم تشهد أو تعرف هذا التراث، وكأن السينما المصرية لم تقدم شيئًا طوال 112 عامًا من الإنتاج و123 عامًا من السينما. إذ "كيف يمكن للنظام الحاكم أن يؤسس أرشيفًا ومتحفًا للسينما بينما هو يعادي الفن لأسباب سياسية".

هذا المنطق الذي أشار له المخرج المصري، يوسف شاهين، في كلمة ألقاها أمام لجنة اليونيسكو أثناء الاحتفال بالعيد المئوي للسينما، حيث قال شاهين في كلمته أن "الحكومات الديكتاتورية التي يدعمها الغرب لن تجد غضاضة في شراء نيجاتيف يضايقها كي تخفيه إلى الأبد، فما بالك إذن بفرحتها بالقصور التقني الذي يجعل نيجاتيف الفيلم يتآكل من نفسه... يموت دون تدخل خارجي موفرًا عليها عناء التآمر من أجل تدمير الفنان. ألا يكفي تدمير عمله كي يختفي من التاريخ؟ كي لا يدري أحدًا أنه كان موجودًا؟....".

هذه الكلمات المحملة بالغضب نجمت عن اصطدام شاهين بالنظام المصري. هذا النظام - المتمثل في وزير الثقافة حينها، يوسف السباعي، أراد التخلص من فيلم العصفور بأي طريقة بحجة معاداة النظام، حسبما أدعى شاهين نفسه، وهي الواقعة التي خلدها شاهين في فيلمه المصير حينما حرق النظام الحاكم بالأندلس كتب ابن رشد.

شاهين قرر الانتصار في الفيلم، حيث جعل تلاميذ ابن رشد ينسخوا كتبه قبل حرقها ووضعوها في مكان آمن لينتهي الفيلم بمعرفة ابن رشد بأن كتبه بأمان وحينها فقط يتنفس الصعداء ويعرف أن إنتاجه لم يضع.

لكن واقعيًا هذا ما نتمناه أن يحدث مع كل أرشيف السينما المصرية الذي يضيع بيد الحكومة إما عن طريق الإهمال أو الفساد أو بيد استحواذ جهات وأفراد أجانب؛ حيث يشير الباحث والمخرج محمد كامل القليوبي إن ممثلًا أوصى عائلته بحرق أفلامه قبل وفاته لإيمانه بأن السينما حرام بينما اشترى منتج آخر أفلام زوجته الممثلة وحرقها لكى لا يشاهدها أحدًا، وكان مبرره أنها ظهرت فيها بشكل غير لائق.


القرار رقم مليون

أخيرًا، في 20 يونيو 2018، أصدرت وزيرة الثقافة، إيناس عبد الدايم، قرارًا بإنشاء سجل تراث السينما المصرية القومي بالمركز القومي للسينما سعيًا للحفاظ على التراث السينمائي المصري والحفاظ عليه من الضياع أو الفقد أو السيطرة من بعض الجهات، وذلك عن طريق إيداع نسخة غير قابلة للتداول التجاري لحفظها للأجيال المقبلة.

بموجب ذلك القرار يفترض أن تسجل الدولة الأفلام السينمائية التي تمثل تاريخ السينما المصرية، وكذا المقتنيات السينمائية مع المسؤولية بصون هذا التراث وترميمه ورقمنته والحفاظ عليه، مع احتفاظ أصحاب التراث بكل الحقوق المادية والأدبية التي يضمنها قانون الملكية الفكرية.

قبلها بأشهر أعلن رئيس المركز القومي للسينما، خالد عبد الجليل، وتحديدًا في يناير 2017، أن الدولة تملك 365 فيلمًا روائيا و1000 فيلمًا تسجيليًا، وفي يونيو الماضي أعلن انضمام 207 فيلمًا لتلك القائمة لتكون قائمة الأفلام التي تحتفظ بها الدولة بالفعل هي 1572 فيلمًا.

وفي خلال تصريحاته كشف عبد الجليل أن هناك 1700 فيلمًا مملوكين لقنوات روتانا و1500 فيلمًا مملوكين لقنوات ART، ومن هنا نكتشف أن 90% من أصول السينما المصرية ليست مملوكة للدولة، وبالتالي لا يمكن ضمها إلى قائمة سجل تراث السينما المصرية إلا بعد موافقة هذه الجهات الأجنبية الخاصة والتي تملك حق التوزيع الداخلي في مصر والخارجي في العالم.

لكن ما لا يتذكره عبد الجليل أنه في عام 2010 توقع "الانتهاء من مشروع سينماتيك مصري بحلول عام 2012 على أقصى تقدير"، في ندوة له خلال الدورة الرابعة والثلاثين لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

حكاية لها بداية وبلا نهاية

على مدار أكثر من 70 عامًا كان الإهمال هو السمة الرئيسية في تعامل الحكومات المصرية مع فكرة الأرشيف السينمائي، يقول رئيس مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، عصام زكريا، لموقع المنصة "أي دولة لديها تاريخ مثل تاريخنا السينمائي، عليها أن تنشئ السينماتيك الذي يتكون من ثلاثة أقسام أساسية وهامة. أولها الجزء الخاص بحفظ الأفلام المصرية، وثانيها الجزء الخاص بحفظ تاريخ صناعة السينما المصرية، وثالثها المتحف الذي يعرض تاريخ السينما المصرية".

واجه مشروع السينماتيك وأرشيف السينما المصري حوادث كثيرة وقفت أمام إكتماله إما بسبب الحرائق أو الإهمال، حيث أنشئ بمبادرة من استوديو مصر عام 1925 مستودعات لحفظ الأفلام الروائية وأفلام جريدة مصر السينمائية التي اعتبرت نشرة أخبار سينمائية، ولكن في يوليو 1950 نشب حريق هائل في الاستوديو أدى إلى تدمير أرشيف الفيلم.

هذا الحادث دفع مصلحة الفنون التابعة لوزارة الإرشاد القومي لإنشاء مكتبة للأفلام، ولذا أوفدت الوزارة المؤرخ السينمائي فريد المزاوي لحضور المؤتمر الدولي لأرشيف الأفلام عام 1956 بعد اتفاق بين مدير مصلحة الفنون وقتها، الكاتب يحيى حقي، ومؤسس السينماتيك الفرنسي هنري لانجلو، وذلك بهدف تأسيس مكتبة للأفلام في مصر، بحسب العدد الأول من مجلة السينما والتاريخ المنشور عام 1992.

وبالفعل أنشأت مصلحة الفنون سينماتيك مصرية عام 1956 بمناسبة انعقاد المؤتمر ومشاركة مصر فيه. وكانت مقتنيات السينماتيك المصرية معتمدة في الأساس على مجموعة من الأفلام المهداة من بعض أرشيفات الأفلام الأوروبية والمراكز الثقافية في مصر بالإضافة إلى إهداء بعض المنتجين لنسخ من أفلامهم.

لم يكن مجموع هذه الأفلام كبيرًا بالمقارنة بإنتاج السينما المصرية واقتصر على الأفلام فلم يهتم بتجميع الوثائق والمقتنيات المتعلقة بصناعة السينما في مصر. لكن هذه المكتبة التي تبعت مصلحة الفنون لم تسلم من الحرائق أيضًا إذ نشب حريق بها عام 1958 أدى لاحتراق الأفلام المخزنة بها وذلك بسبب سوء التخزين وإهمال الموظفين الذين لم يكونوا مدربين بما فيه الكفاية على تخزين الأفلام القابلة للاشتعال بسرعة وحتى بشكل ذاتي.

وفي عام 1964، صدر قرارًا وزاريًا بإنشاء المركز الفني للتعاون السينمائي العربي والذي أوصى بتشكيل السينماتيك، وبعد أربع سنوات أصدر وزير الثقافة قرارًا بضرورة إيداع المنتجين لنسخة من كل فيلم يتم إنتاجه إلى مكتبة الأفلام ولكن كان المنتجين يودعون نسخًا سيئة متهالكة بعد استخدامها في عرض السينمات، وفقًا لمجلة الاتجاهات الحديثة فى المكتبات والمعلومات في عددها 31.

وفي عام 1969، أوصت لجنة وزارية أخرى بسرعة إنشاء الأرشيف القومي للفيلم، وأصدر وزير الثقافة، بعدها بعام قرارا آخر بإنشاء كيان مستقل تحت اسم الأرشيف القومي للفيلم وفقا للوائح الاتحاد الدولي لأرشيفات الأفلام والذي يهدف إلى جمع وحفظ أفلام السينما والتليفزيون بقصد الدراسة والبحث، على أن تجمع فيه الصور والسيناريوهات والملصقات وتستخدم في إنشاء متحف لحفظ تاريخ السينما المصرية ليضم المعدات ونماذج الديكور. إلا أن كل هذا كان مجرد حبر على ورق حيث لم ينفذ أي هدف من هذه الأهداف.

وكانت الحرائق تحدث بين الحين والآخر في أي مخزن للأفلام بسبب قابلية المادة المصنّع منها الأفلام للإشتعال الذاتي، أو تلف الأفلام عن طريق انحلال المادة نفسها وهي النترات أو الأسيتات، حيث تتحلل الأفلام الملقاة في المخازن ويتغير لونها أو تنكمش بسبب عدم اهتمام الشركات بدفع مبالغ مخصصة لحفظ الأفلام بشكل علمي خاصة أن هذه الشركات كانت ترى أن أهمية الأفلام تنتهي بعد دورة توزيعها داخل مصر وخارجها.

أرشيف عن الأرشيف!

حاول المخرج أحمد بدرخان أيضًا إنشاء سينماتيك مصري فى نهاية الستينيات، وحتى حينما أنشأ المؤرخ السينمائي عبد الحميد سعيد أرشيفًا سينمائيا في الدور الأرضي لبلاتوه معهد السينما والذي سميّ بعد ذلك بمدينة السينما لم يستطع أن يدوم طويلًا بسبب الفساد والإهمال؛ ففي أحد أيام عام 1972، ذهب عبد الحميد سعيد إلى مقر السينماتيك ليجد كل الأفلام والوثائق ملقاه في حديقة البلاتوه لأن وزير الثقافة وقتها قرر أن يكون مكتبه بالدور الأرضي للبلاتوه، بحسب مقال نشر عام 2007 للناقد سمير فريد.

بينما استمرت الحرائق في القضاء على ما تم تجميعه حيث أتت الحرائق على محتويات مخزنين تابعين للسينماتيك بمكاتب إدارة الثقافة السينمائية بعام 1975.

ورغم ما تردد فى أوائل عام 1988 حول الشروع فى إنشاء السينماتيك وقيام اليونسكو بتمويل إنشاءه ورغم قيام وزارة الثقافة بمخاطبة الاتحاد الدولي لأرشيف الفيلم ببروكسل باقتراح عقد حلقة بحث بمصر عام 1992 لمناقشة الأسس التي سوف يقام عليها السينماتيك المصري لم ينشئ السينماتيك.

ولم تستفد مصر أو المجتمع السينمائي بها من كل هذه الخطوات سوى أن أصبح لديها "أرشيفًا ضخمًا عن محاولة صنع أرشيف للسينما والفيلم في مصر" مثلما قال المخرج والباحث السينمائي محمد كامل القليوبي والذي كان مهمومًا حتى وفاته بفكرة إنشاء سينماتيك مصري.

من عضو إلى شريك غير فاعل

وفي عام 1996، ألغى الاتحاد الدولي لأرشيفات الأفلام عضوية مصر التي استمرت لـ26 عامًا بسبب عدم تسديد الاشتراكات السنوية أو إرسال التقارير السنوية عن نشاط الأرشيف أو حتى الرد على استفسارات الاتحاد، وتحولت مصر من عضو إلى شريك غير فاعل في الاتحاد بسبب أن مصر ليس لديها برنامج فعلي لحفظ وأرشفة الأفلام وهو الشرط الأساسي لعضوية الاتحاد. وهذا يعني غياب مصر عن الاتحاد رغم وجود 90 أرشيف سينمائي حول العالم كأعضاء في الاتحاد.

وقبل يناير 2011، كان السينمائيين وعلى رأسهم الناقد السينمائي سمير فريد يطمحون إلى إنشاء السينماتيك في رحاب الأوبرا بالجزيرة إلا أنه فجأة صدر قرارًا بإنشاء المركز القومى للترجمة فى نفس المكان الذى كان من المفترض إنشاء السينماتيك فيه، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن ينادي السينمائيين بإنشاء السينماتيك في أحد القصور الآثرية مثل قصر عمر طوسون أو قصر عائشة فهمي ولكن بعد انفصال الآثار عن وزارة الثقافة لم يعد الأمر بيد وزارة الثقافة وحدها ولذا يتطلب الأمر تعاون بين الوزارات وقرار سيادي أعلى من وزير الثقافة.

ينوّه عصام زكريا أن الأفلام المحفوظة في الثلاجات لها عمر افتراضي فهي تتلف مع الوقت، ولذا يجب معالجة النيجاتيف من أجل عمل نسخ جديدة مرممة وتحويلها إلى نسخ ديجيتال من أجل دوام الحفاظ عليها، ويشير زكريا أن الأمر لا يقتصر أبدًا على الأفلام فقط حيث أن تاريخ مصر السينمائي يكمن أيضا في السيناريوهات والمستندات والعقود والتشريعات والملابس والاكسسوارات وغيرها من وثائق ومقتنيات تتعلق بالسينما في مصر.

ويضيف زكريا إلى أن "السينماتيك يجب أن يعمل فيه باحثين يكون منوط بهم كتابة تاريخ السينما المصرية عن طريق الوثائق التي تم تجميعها وحفظها في السينماتيك". مشيرًا مثلًا إلى أن الممثلة المصرية الراحلة أمينة رزق لها مذكرات لم تنشر رغم أهمية هذه الممثلة التي عملت في السينما المصرية لأكثر من 60 عامًا.

وأضاف زكريا "الحقيقة هي أنه لا توجد إرادة سياسية لإنشاء السينماتيك. كلها محاولات تصل إلى طريق مسدود لعدم توفر الإرادة والميزانية رغم عروض مساعدة من الداخل والخارج ورغم إصدار كل القوانين والتشريعات لإنشاء السينماتيك." وأضاف قائلا: "لابد أن تكون الدولة هي المحرك لإنشاء السينماتيك. هذا تراث قومي لابد أن يكون تحت إشراف الدولة حتى لو دخلت جهات أهلية في المشروع. إلا أن الدولة مشغولة في الفترة الحالية ولا تهتم بالسينما أو السينماتيك الذي يحتاج على الأقل إلى 500 مليون جنيه لتأسيسه فقط".

واتفق الناقد محمود عبد الشكور مع زكريا في أهمية إنشاء السينماتيك ونقل عن مدير سينماتيك بولونيا بإيطاليا جيان لوكا فارنيللى الذي قال في أحد الندوات المقامة على هامش مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بعام 2014 "على مصر أن تقرر فقط أن تنشئ سينماتيك مصري وحينها سوف نقدم لكم كل ما تحتاجونه من أفلام مصرية وتراث سينمائي مصري بالإضافة إلى تدريب الموظفين على إدارة السينماتيك".

ولذا فإنشاء سينماتيك مصري هو قرار ضروري وملح يجب أن يصدر الآن لا غدا من أجل إنقاذ وتجميع وحفظ أرشيف السينما والأفلام والوثائق والمقتنيات المتعلقة بها وإتاحتها للدارسين والباحثين من أجل نشر الثقافة السينمائية.