صورة أرشيفية للشرطة المصرية في بدايات القرن العشرين

"هاتوا ابنه": احتجاز الشرطة أقارب المتهمين كرهائن يعيد زمن "الباشا"

بدأ نمط القبض على أهالي المتهمين للضغط عليهم في عهد محمد علي باشا، وللأسف لم يتوقف رغم تطور القوانين.
- على الرجّال، الباحث في علم الاجتماع السياسي.

ألقت الشرطة القبض على ابن الصحفي مجدي شندي، رئيس تحرير صحيفة المشهد، في الخامسة فجر أمس الثلاثاء، وذلك بعد أن "اقتحموا المنزل" ولم يجدوا الصحفي، وفق ما أعلنه في حسابه على فيسبوك، وهو ما لقي انتقادات حقوقية اتهمت وزارة الداخلية باحتجاز أقارب المشتبه بهم كـ"رهائن".

وكتب شندي "اقتحم افراد من قوات الأمن منزلي فجر اليوم الثلاثاء، وحين لم يجدوني قبضوا على واحد من أبنائي واصطحبوه لمديرية أمن الجيزة -حسب قولهم- حتى أسلم نفسي".

على مدار الساعات الأربع والعشرين الماضية، اتخذ شندي وأعضاء من نقابة الصحفيين، المنضم لها، خطوات للتعرف على أسباب اقتحام منزله، وكذلك سبب احتجاز ابنه الذي يتشابه مع وقائع اتبعها الأمن في أوقات سابقة، باحتجاز أفراد من الأسرة بخلاف المتهم الرئيسي، بدأت منذ حوالي قرنين ماضيين، وفق ما ذكره للمنصّة باحث في علم الاجتماع السياسي.

في الفجر

قال عمرو بدر، عضو مجلس نقابة الصحفيين ورئيس لجنة الحريات، والذي ظل على تواصل مع شندي بالتزامن مع حدوث الوقائع، إنه أبلغه في الخامسة فجرًا بتوجهه لمنزله "بسبب وجود قوات شرطة هناك، أبلغت أسرته بأنهم سيلقوا القبض على ابنه بدلاً منه إن لم يحضر للمنزل".

وأضاف بدر للمنصّة أنه "حين وصل شندي للمنزل وجد الأمن قد اصطحب ابنه بالفعل، وتركوا له رسالة بأن يتوجه إلى مديرية أمن الجيزة، وحين وصل إليها أبلغوه بالتوجه إلى مقر الأمن الوطني بالشيخ زايد".

حاولت المنصّة التواصل بصورة مباشرة مع شندي، إلاّ أنه لم يستجيب للاتصالات الهاتفية حتى موعد نشر التقرير.

منشور الصحفي مجدي شندي عن القبض على ابنه- صورة ضوئية من حسابه الشخصي

وذكر رئيس لجنة الحريات بنقابة الصحفيين أنه اوصى شندي بتأجيل التوجّه إلى مقر الأمن الوطني إلى ما بعد الاتصالات بين النقابة والجهات الأمنية لمعرفة ما قد يكون موجهًا له من اتهامات "منعًا لتعرضه للإخفاء أو الاحتجاز بصورة غير رسمية، واستمرار احتجاز اينه".

ورجّح بدر أن يكون سبب المشكلة الأمنية الأخيرة مع شندي هو أحدث أعداد الجريدة التي يترأس مجلس تحريرها "المشهد"، والذي يحتوي على مقاليين لكل من السفير معصوم مرزوق وحمدين صباحي، إذ كتب الأخير عن قضية "مُخطط الأمل"، وفق ما ورد في غلاف العدد.

يذكر أن مرزوق من بين المتهمين في القضية 1305 لسنة 2018، والمتهم فيها بـ"مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها، وتلقي تمويل بغرض إرهابي، والاشتراك في اتفاق جنائي الغرض منه ارتكاب جريمة إرهابية"، وذلك بعد إطلاقه مبادرة بعنوان "من أجل مصر"، باعتبارها خارطة طريق سياسية، كان مما تضمنته من محاور "إجراء استفتاء حول استمرار الرئيس في الحكم".

وأخلي سبيل مرزوق على ذمة القضية في 20 مايو/ أيار 2019، بعد 9 شهور من القبض عليه في 23 أغسطس/ آب 2018.

واستنكر بدر ما وقع لابن شندي، باعتباره "شاب جامعي وليس طرفًا في أي صراع مع السلطة"، مُشيرًا إلى أن اعتقاله "فوّت عليه امتحانًا كان من المفترض أن يؤديه أمس".

وعن شندي، أضاف بدر "بجانب اتصالاتنا مع الجهات المعنية، سيحضر معه محامي النقابة، وسنحرص على عدم احتجازه، فلا حبس في قضايا النشر".

أزمة سابقة

ما يتعرض له شندي والمشهد حاليًا، سبقته أزمة أخرى، في مارس/ أذار 2019، حين قرر المجلس اﻷعلى للإعلام تغريم الصحيفة 50 ألف جنيه وحجب موقعها الإلكتروني لمدة 6 أشهر "بعد ارتكابهما جرائم إعلامية تتعلق بالخوض في الأعراض ونشر مواد إباحية".

لكن شندي، قال في المقابل، إنه توجّه لمقر المجلس الأعلى للتعرف على طبيعة هذه المواد لكن دون فائدة.

وفي تصريحات أدلى بها للمنصّة وقت صدور القرار، وصف شندي اﻷمر بأنه "ترّبص بالصحيفة"، خاصة وأن آخر أعدادها قبل الحجب والغرامة "تناول التعديلات المزمع إجراؤها على دستور 2014".

غلاف أحد أعداد صحيفة المشهد- صورة من فيسبوك

يتفق بدر مع شندي، بقوله إن صحيفة المشهد "لا تعمل تحت السقف، كما يبدو من المواد المنشورة فيها، وكتاب المقالات أيضًا".

وعلّق بدر على التعامل مع الصحيفة ورئيس تحريرها بقوله إنه أمر "صار جزء لا يتجزأ من مناخ عام مفروض منذ سنوات، يتسم بالحصار والتقييد والمنع، خاصة على الصحافة وحريتها".

عودة زمن الباشا

القبض على ذوي المتهمين أو خصوم السلطة من أجل الضغط عليهم لتسليم أنفسهم ليس بالنمط الجديد في مصر، إذ انه وليد عقود مضت بدأت منذ القرن التاسع عشر.

يقول علي الرجّال، الباحث في علم الاجتماع السياسي، إن هذا النمط بدأ منذ عهد محمد علي باشا، وتم تقنينه رسميًا بفرمان خديوي من الخديو سعيد، وكان الهدف منه تحديدًا هو العُربان الذين كانوا في خصومة معهم.

ويضيف الرجال للمنصّة أن هذا النمط "كان متوافقًا مع البنية القانونية للبلاد، ﻷنه لمدة طويلة، ربما حتى قبل دستور 1923 أو بعده، كانت العقوبة جماعية، وغير فردية في أغلب أماكن مصر، وكانت تُعرف بما يُسمّى collective responsibility أو المسؤولية الجماعية، وهو ما تم إلغائه بعد تحديث القوانين لتصير الجريمة وبالتبعية العقوبة شخصية".

تنص المادة 95 من الدستور المصري الحالي، على أن "العقوبة شخصية، ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا توقع عقوبة إلا بحكم قضائى، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ نفاذ القانون".

وهذه المبادئ أكدتها المحكمة الدستورية العليا، فيما يتعلق بالجرائم والعقوبات وشرعيتها.

وعلى الرغم من هذه المادة، ومن تطور القانون فيما بعد حقبتي المماليك والملكية، بقي الوضع على ما هو عليه وفقًا لما يذكره الرجال "للأسف لم تتوقف هذه الممارسات، وظل (القبض على ذوي المتهمين للضغط عليهم) هو النمط الأساسي في تعامل وزارة الداخلية، خاصة في المحافظات والقرى والمناطق الشعبية داخل المدن، وكذلك مع الإسلاميين".

جزء لا يتجزأ من مناخ عام مفروض منذ سنوات، يتسم بالحصار والتقييد والمنع، خاصة على الصحافة وحريتها.

- عمرو بدر، عضو مجلس نقابة الصحفيين، تعليقًا على أزمة رئيس تحرير "المشهد"

تنص المادة 99 من الدستور على أن "كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين، وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم. وللمضرور إقامة الدعوى الجنائية بالطريق المباشر. وتكفل الدولة تعويضًا عادلاً لمن وقع عليه الاعتداء".

وأشار الباحث إلى إنه في السابق "كانوا يتجنبون هذا النمط مع المعارضة المدنية عمومًا، وهو ما لم يعد متاحًا الآن"، مُختتمًا بقوله إنه "لم يحدث وأن شهد محاسبة أي ضابط في وقائع مثل هذه".