حادث المنصة. الصورة: موقع السادات- مكتبة اﻹسكندرية

حادث المنصة وما تلاه: لماذا هدأت القاهرة بعد اغتيال الرئيس؟

"أما الشعب فلم يشارك؛ لأنه لم تتم دعوتهم للجنازة الرسمية ولم تكن عند الشعب الرغبة أو الحماسة للخروج للشارع للتعبير عن حزنهم في جنازة شعبية".
- د. محمد أبو الغار، عن جنازة السادات.

"كانت القاهرة هادئة اليوم بشكل مدهش وغير عادي، لا يوجد انتشار كبير للقوات في الشوارع، وبدت عملية انتقال السلطة هنا في مبنى البرلمان بسلاسة، في شوارع القاهرة نفسها لم يُظهر الناس أي من المشاعر المنتظرة في غد واحدة من أكبر مآسي الأمة".هذا ما قاله المراسل الأمريكي، والتر كرونكايت، لتلفزيون سي بي إس نيوز في الساعة الخامسة والنصف من يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول عام 1981، أي بعد يوم واحد من حادث المنصة.

لماذا كانت القاهرة هادئة؟

بعدها بعام أنتجت بي بي سي فيلمًا وثائقيًا، بعنوان "لماذا كانت القاهرة هادئة؟"، في محاولة لفهم السبب وراء عدم خروج المصريين لتشييع جنازة رئيسهم، بطل الحرب والسلام، كما حدث في وفاة عبد الناصر.

لم يُجب الفيلم بطريقة مباشرة على السؤال، لكنه استعرض الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي سبقت وتلت اغتيال السادات، واستندوا عليها كأسباب دفعت المصريين لعدم الخروج في ذلك اليوم.


بالعودة بالزمن إلى الوراء، وتحديدًا يوم 29 سبتمبر/ أيلول 1970، اليوم التالي لإعلان وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، يروي وزير الحربية وقتها الفريق أول محمد فوزي في كتابه "الإعداد لمعركة التحرير 1967 - 1970" وقائع هذا اليوم، "في صباح اليوم التالي كان البسطاء قد زحفوا إلى القاهرة من الدلتا والصعيد. جاءوا يحملون صور القائد بملابسهم الفقيرة، يبكون غير مصدقين ما حدث. جاء الشباب يحملون صور القائد تحوطها الزهور ويجللها السواد، تراصوا في صفوف طويلة يهتفون: "ما تفرحش يا استعمار.. عبد الناصر فات أحرار"، "متصدقش ما تعيطش عبد الناصر لسه ماماتش". واجهات المحال أغلقت واتشحت بالسواد، عمت تلاوة القرآن مصر من مكبرات الصوت في المساجد، حالات الإغماء تتوالى وسيارات الإسعاف تعجز عن اختراق الحشود البشرية. وفي منطقة القصر الجمهوري تزاحم حوالي مليون مواطن ينشدون: "بلادي.. بلادي.. نموت.. نموت.. وتحيا مصر. لا إله إلا الله.. عبد الناصر حبيب الله".

بدأت أتسائل بشكل شخصي عن الدافع الذي جعل هذا الشعب بعينه يغيب عن أداء الواجب عقب اغتيال رئيسهم أنور السادات، مدركة مدى توتر العلاقة بين الشعب والرئيس وقتها، لكن هكذا جرى العرف وقدّر أن تظل هذه العلاقة متوترة حتى يومنا هذا.


مدهش وغير عادي

القاهرة بطبعها مدينة صاخبة، لا تنام، ولم يبالغ والتر كرونكايت عندما وصف هدوء القاهرة بأنه "شيء مدهش وغير عادي". توجهت بسؤالي إلى والدتي، التي كثيرًا ما حكت لنا عن مجريات حادث المنصة. روت لي واصفة غرابة مشهد المدينة ذلك اليوم. وافق يوم السادس من أكتوبر/ تشرين الأول 1981 يوم الثلاثاء، ووافق أيضًا الثامن من شهر ذو الحجة، أي قبل وقفة عرفات بيوم. أنهت والدتي ذات الاثنين وعشرين عامًا ورديتها الصباحية بعد الظهيرة، حيث كانت تعمل في مطار القاهرة، وتوجهت إلى منطقة باب اللوق لتستقل سيارة الأجرة (البيجو 7 راكب) لمنزلها بحلوان.

تستغرق رحلة العودة من باب اللوق إلى حلوان من 30 إلى 45 دقيقة، لكن المدة الزمنية تقلصت يومها إلى 20 دقيقة فقط. لم يعلم المصريون ما حدث أثناء العرض العسكري في منتصف النهار بعد قطع البث التلفزيوني المباشر، وبحكم عملها لم تشاهد والدتي العرض بالأساس، فبدى لها مشهد الشوارع الخالية مريبًا إلى حدٍ كبير.

في الساعة الواحدة والثلث بعد ظهر الثلاثاء 6 أكتوبر/ تشرين الأول، نُقل الرئيس السادات إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادي على متن طائرة هليكوبتر. في تمام الثانية وأربعين دقيقة بعد ظهر الثلاثاء تأكد وفاة السادات (وفقًا للتقرير الطبي الذي نُشر في مجلة أكتوبر - العدد 259 - يوم الأحد 11 أكتوبر 1981). في هذه الأثناء كانت السيارة البيجو التي تستقلها والدتي تمر من أمام المستشفى على كورنيش المعادي، ولم تلاحظ أي شيء لافت للانتباه أو مثير للشكوك على حسب روايتها، حتى وصلت المنزل وفوجئت بتلاوات قرآنية آتية من التليفزيون.

بعد ساعات قليلة، حل ليل الثلاثاء 6 أكتوبر مزيحًا غبار الغموض الذي ملأ أجواء القاهرة بكلمة نائب الرئيس، حسني مبارك، معلنًا استشهاد "بطل الحرب وبطل السلام" إثر اغتياله "بيدٍ آثمةٌ غادرة". الحادث كان ولازال مفجعًا وفريدًا من نوعه، لكن الحراك العاطفي المعتاد والحزن الجماعي البين للشعب الذي خرج بالملايين يبكي بحرقة فقدان عبد الناصر عام 1970، بات صفحة مطوية لم تفتح إلا في عام 1977 أثناء جنازة عبد الحليم حافظ، آخر الجنازات الكبرى التي خرج فيها الشعب وشهدتها المدينة.


في كتابه على هامش الرحلة، يحكي الدكتور محمد أبو الغار مجريات يوم اغتيال السادات في فصل يحمل نفس الاسم، يومها كان يجري آخر عملياته التي كانت قيصرية لزوجة الفنان أحمد ماهر في مستشفى الكاتب بالدقي، وخرج بعد العملية لطمأنة الزوج وتهنئته بالمولود ليفاجأ به يصيح بصوت جهوري كأنه على خشبة المسرح بأن الرصاص قد أطلق على الرئيس السادات أثناء العرض العسكري في ذكرى حرب أكتوبر، واجتمع الأطباء حول التليفزيون الذي قطع الإرسال وبدأ يذيع أغاني وطنية، وبدأوا يستمعوا إلى إذاعة لندن في الراديو والذي أعلن أن إصابة الرئيس خطيرة وربما يكون فقد الحياة.

ويتابع أبو الغار ذكرياته يومها؛ أن التليفزيون بدأ في إذاعة القرآن الكريم ولم يحدث بين الأطباء أو الممرضين أو العاملين في المستشفى رد فعل لهذا الحدث المهول، واستمر الجميع يعمل في هدوء وكأن شيئًا لم يحدث. ثم يستكمل الدكتور روايته بنزوله إلى الشارع وركوبه السيارة متجهًا إلى منزله حيث لم يلاحظ هو الآخر شيئًا غير عادي في الطريق. استمع في المنزل للراديو وشاهد التلفزيون وكان رد الفعل الدولي كبيرًا بينما كان رد الفعل المصري الشعبي ضعيفًا.

من أرشيف صحيفة الواشنطن بوست اﻷمريكية.

قارن الدكتور أبو الغار في كتابه ما حدث ذلك اليوم بما حدث عندما توفي جمال عبد الناصر "كان الفارق كبيرًا وشاسعًا. لقد أصابت المصريين هستيريا جماعية وخرجت الملايين إلى الشوارع بينما أصاب الشعب المصري الهدوء والوجوم عندما علم باغتيال السادات، ولم تقم جنازة شعبية لأنور السادات، كانت هناك فقط جنازة رسمية ربما سار فيها عدد من رؤساء الدول مقارنة بأي جنازة في العالم بالإضافة إلى المسؤولين المصريين أما الشعب فلم يشارك؛ لأنه لم تتم دعوتهم للجنازة الرسمية ولم تكن عند الشعب الرغبة أو الحماسة للخروج للشارع للتعبير عن حزنهم في جنازة شعبية".

وفقًا لما كتبه الفريق أول محمد فوزي في كتابه "الإعداد لمعركة التحرير 1967 - 1970"، قد تم إعلان ميعاد الجنازة للشعب، فكان صباح الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 1970. عرض الفريق ترتيبات الجنازة وخط سيرها وحُمل نعش عبد الناصر بواسطة هليكوبتر لاستحالة نقله من قصر القبة إلى مكان بدء الجنازة بمنطقة الجزيرة حيث مقر قيادة الثورة عبر هذه الحشود الضخمة من المواطنين قبل ميعاد بدء الجنازة في الساعة العاشرة صباحًا.


يعجز الدكتور أبو الغار عن تفسير ما حدث بعد وفاة السادات، ويطرح في كتابه بعض الاحتمالات في محاولة لفهم ذلك الصمت المبهم، "ربما كان احتجاجًا على سياسة الرئيس أو رفضًا لسياسة الانفتاح. ربما كان صدمة بعد حادث الاغتيال للسادات".

لم يكن عبد الناصر ملاكًا وكذلك السادات، فحادث اغتياله بهذه الطريقة الأليمة غير المسبوقة كانت لتشفع له تلك السياسات، بالإضافة إلى انتصار أكتوبر 73 الذي فشل الأول في تحقيقه وجاء بدل منه بنكسة 67. موت عبد الناصر هو الآخر كان صدمة للشعب، لكنه لم يصمت.

عقب حادث المنصة بيومين، حدثت مذبحة مديرية الأمن وقسم أول شرطة أسيوط في السادسة من صباح أول أيام عيد الأضحى، والذي راح ضحيته 181 قتيلاً من الشرطة والمدنيين.

وبعد يومين من الحادث كانت جنازة السادات، وأكمل 43 مليون مصري احتفالهم بعيد الأضحى كما لو لم يحدث شيء.