واكين فينيكس مؤديًا شخصية الجوكر - الصورة من imdb

مجتمعات مفككة وحكام فاسدون وشعوب مهمشة: هكذا يغلق الجوكر دائرة الغضب

حينما نرى أن المنظومة التي نعيش داخلها لا تلبي رغباتنا، ونحاول الهروب منها فنفشل، لن نتوانى عن تدميرها.

عندما يغيب العدل والنظام، ويشعر الناس بالإهمال وانعدام القيمة، وتتسع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وحين تكون هناك صرخات مكتومة فيزداد الإحساس بالقهر والغضب، ويدرك المهمشون أنهم مهمشين، يظهر الجوكر.

"ما لا يقتلك يجعلك أكثر غرابة"، هكذا قال الجوكر في ظهوره الأول مع المخرج كريستوفر نولان في فيلم Batman: The Dark Night الذي عُرض عام 2008 وقوبل بنجاح جماهيري كبير وحفاوة أكبر من النقاد، ربما بسبب شخصية الجوكر نفسها التي قدّمها هيث ليدجر بأداء أسطوري قبل أن ينتحر بعد تصوير الفيلم، ليصبح أول ممثلٍ متوفٍ ينال جائزة الأوسكار.

"ما لا يقتلك يجعلك أكثر غرابة". تلخص هذا العبارة فلسفة الجوكر، تحكي عن الروح التي تحرك هذا الجسد الهزيل، الذي عاد مجددًا إلى شاشات السينما، بتجسيد واكين فينيكس هذه المرة.


كل إنسان يمتلك جانبًا مختلًا، لكنه يظل مهملًا ومتروكًا في زاوية مظلمة. جانب تمنعه من الظهور بعض الأمور التي تميز البشر عن غيرهم من الكائنات؛ الآدمية والنظام والقوانين، العقل ربما، وربما الخوف من عواقب الأفعال، من مواجهة العالم بذلك الجانب المختل. لكن ماذا سيحدث إذا غابت هذه العوامل كلها واستمرت الظروف المحيطة في تغذية ذلك المختل بداخلك، إلى أن يثور وينطلق؟

هذا المختل بداخلنا يحتاج إلى قائد، وهذا القائد يجب عليه أن يكون تجسيدًا لأقصى أنواع الخلل، حتى تؤمن به وتتبعه، لأنه هو نفسه إن لم يكن على قناعة بما يفعل، فلن يحدث هذا التلامس بينكما أبدًا.

وهنا، في هذه اللحظة تحديدًا، يولد الجوكر.

يؤسس الفيلم الذي صدر هذا الصيف، لشخصية الجوكر التي ظهرت في فيلم نولان. يحاول تفسير كيف وصل ذلك الإنسان إلى هذه الحالة.

شخصية آرثر والتي يجسدها واكين فينيكس، والتي ستصبح الجوكر فيما بعد، عانى من حياة شديدة الصعوبة، ودخل مستشفى نفسي للعلاج، ومع الوقت تعرض للكثير من الظلم، وطُعِن تحديدًا في أكثر الأشياء التي يحبها ويؤمن بها، لم يشعر أبدًا بالسعادة، حاول فقط تجنب الألم، ولكن الحياة لم تسمح له بذلك.

يقول آرثر إن "أسوأ ما في الإصابة بمرض عقلي هو أن يتوقع الناس أن تتصرف وكأنك لست مصابًا به!".

مشهد من الجوكر - الصورة من imdb

بعد خروجه من المستشفى، خضع لبرنامج تأهيل نفسي، وظيفي جدًا، حيث يلتقي هناك بسيدة تستمع له، وتتابع حالته، ولكنها لا تكترث حقا لما تستمع إليه. السيدة هنا كانت تجسد أحد أوجه الأنظمة. لا تستمع باهتمام بل تحاول أن تبدو كذلك. في أحد المشاهد غضب آرثر وقال لها "أنت تسأليني كيف حالك؟ هل تشعر أنك بخير؟ لكنك لم تستمعين للإجابة أبدًا".

نحن أمام شخص يشعر بالألم، والغضب المكتوم، يعامله من حوله بقسوة. بالإضافة لكل ذلك، يشعر ألا أحد يسمعه، لا أحد يراه. إنه ببساطة ليس موجودا. وزد على ذلك كله أنه يعاني من مرض يجعله يضحك طوال الوقت، ليس لأنه سعيد، بل هكذا يعبر عن تعرضه للضغوط، بالضحك.

تتصاعد الأحداث فيقتل آرثر ثلاثة أشخاص يعملون لدى رجل أعمال لديه طموح سياسي. لكن قبل ذلك عليك أن تعرف أنه لم يكن يمتلك السلاح الذي قتل به هؤلاء الثلاثة، بل لم يسعَ أصلًا لامتلاكه، ولكن أحد زملائه أعطاه له ليدافع به عن نفسه بعد تعرضه لمضايقات.

لم يسعّ آرثر طوال حياته للعنف، ولم يكن يملك القوة، يحاول فقط أن يعيش حياةً سعيدة. يقول "أخبرتني أمي أن مهمتي في الحياة هي أن أجعل الناس يبتسمون". كان يتمنى أن يكون ممثلًا كوميديًا يُضحك الناس، رغم أنه كان مختلًا لا يعرف السعادة أصلًا.

مشهد من الجوكر - الصورة من imdb

بعدما أن قتل آرثر الرجال الثلاثة، تصدرت صورته الصحف، وعلا اسمه على صدر صفحاتها الأولى؛ رجل يرتدي قناع مهرج يقتل ثلاثة أشخاص.

هذا يقودنا لعبارة أخرى ذكرها البطل وهي "طوال حياتي لم أكن أعرف أن لي وجود، ولكن الآن أنا ألاحظ ذلك، إنهم يشعرون بوجودي". أخيرًا وجد ضالته، تفريغ طاقة الغضب، وأن يُذكر وأن تكون له أهمية في هذه الحياة، وهو ما أعجبه، حتى لو لم تقترن هذه الأهمية بشيء جيد يعرفه الناس من أجله.

مشهد قتل الجوكر للرجال الثلاثة وكيف أنه أطلق على الثالث عدة رصاصات، أوضح أن هدفه لم يكن القتل بل الانتقام، لم يشعر بالسوء بعد ذلك، بل على العكس، كان يشعر بالراحة، وبدأ يؤدي بعض الحركات بجسده، كأنما تغمره القوة وينتشي بلذة الانتقام.

على الهامش ذلك، يستعد رجل الأعمال الشهير لخوض غمار انتخابات عمودية جوثام، المدينة التي ضربها الفقر ونهشها الجوع، وانتشرت القمامة في كل مكان، ولم يعد الناس فيها يشعرون بالرضا، وأيضا سلوكياتهم غابت عنها بعض ملامح التحضر.

أحداث ما جمعت الجوكر وهو يجسد الغضب وغياب العقل، وهذا السياسي، الذي يجسد النفاق، في علاقة تنذر بشيء ما سيئ قادم.

حتى ذلك لم يكن مجتمع جوثام يعرف أن آرثر هو القاتل، فقط يعرفون أن هناك مهرج قتل ثلاثة رجال يعملون لدى هذا سياسي يكرهونه، ويكرهون رجاله بالتبعية. يتحول هنا وجه المهرج إلى رمز للثورة، ويستخدم مواطنو جوثام هذا الوجه، لتجده منتشرا في الشوارع على الوجوه الغاضبة.

الآن القنبلة موجودة، وتحتاج المختل الغاضب ليشعل الفتيل ويقود الجموع، كان ينقصه شيء واحد فقط، وهو أن يعرف الناس أن 'آرثر' هو الجوكر، وأن يظهر للعلن. هذا ما يرضي جوعه، أن يشعر أنه موجود ومسموع. وهذا ما ينتظره شعب جوثام، شخص يتيح الفرصة للجانب المختل داخلهم بأن يهيمن.

مشهد من الجوكر - الصورة من imdb

اكتملت الدائرة؛ أناس يحرقهم الغضب من الداخل، نظام سيئ، وقائد موتور تحول لأيقونة بفضل الفساد. لحظة انفجار الغضب لدى الجميع أصبحت جاهزة الآن على طبق من فضة.

الفيلم يحمل طابعًا سياسيًا وثوريًا، وهذا السبب وراء التقارير التي تتحدث عن تحفيزه لحالات العنف، لأن الحالة التي يقدمها تشبه تلك التي قدمها فيلم V for vendetta، ولكن هنا الأمر أخذ شكلًا أكثر تطورًا وسوءًا وغضبًا، يعبر عن رغبات مكتومة داخل الشعوب، ونتيجة لسياسات الرأسمالية وتحكم المال في مصير البشر، والقمع، وغياب التفاؤل، ما يغذي الجوانب المتطرفة داخل نفوس البشر. الفيلم بمثابة إنذار؛ لأن النتيجة التي ستترتب على ذلك، سيئة على الجميع.

تدور أحداث الفيلم في مدينة افتراضية، غير أن ذلك لا يعني مطلقًا أن أحداثه افتراضية. أي واحد منّا قد يصبح الجوكر في أي لحظة، قد يحدث ما يجعل أي منا يسلك نفس الطريق، حين تتولد الدوافع الكافية، وعندما لا يكون لدينا ما نخسره. حينما نرى أن المنظومة التي نعيش داخلها لا تلبي رغباتنا، ونحاول الهروب منها فنفشل، لن نتوانى عن تدميرها.

فكر في الأمر جيدًا. عمل تعاني فيه ولا تجني مالًا يستحق، مستقبل غير واضح المعالم، منظومة عدالة ستخذلك كلما اضطررت للتعامل معها، سياسيون يتحدثون عن حاضر لا تربطه صلة بحاضرك الحقيقي، شوارع قذرة ومناخ غير صحي وحبيبة فقدتها، كل ما حاولت التمسك به لم يتمسك بك، لماذا ستهتم بالحفاظ على كل ذلك؟

يفسر الجوكر نفسه غير مرة. "أريد أن يكوني موتي أكثر أهمية من حياتي"، لم يجد في حياته أي مغزى، إلا عندما توجه إلى حافّتها، أقرب للموت منه إلى الحياة، حينها فقط التفت له الناس، وعندما التفتوا طرح عليهم السؤال الأهم في النهاية؛ "ماذا يحدث عندما تجمع بين مختل ومجتمع يعامله كحثالة؟".