تصميم: يوسف أيمن

عن هاجس الإسلاميين الأخلاقي: الإنسان ليس حبة قمح

ذلك الاستسلام الذي للمفارقة تُبرُره التصورات الذكورية نفسها. فهي تنفي إمكانيات مقاومة الشهوة؛ بافتراض أنها وحش طاغٍ في الطبيعة البشرية لا يمكن التحكم به أو تحييده.

هناك نكتة عن شاب يظن نفسه حبة قمح، فكلما لمح عُصفورًا أو دجاجة، أصابه الفزع وركض بعيدًا ظنًا منه بأنها ستأكله، وفي أحد الأيام تقرر عائلته إرساله للعلاج، وبعد فترة يُشفَى المسكين، ويخرج من المصحة بصحبة أهله، وفي الطريق للبيت يرى دجاجة فيصيبه الفزع، ويخبره قريبه "أنت لم تعد حبة قمح يا رجل"، ليجيب "نعم، بالطبع أعرف ذلك، ولكن هل تعلم الدجاجة أيضًا؟"

يُشبه ذلك بطريقة ما النمط الأخلاقي السائد بالمجتمعات المُسلمة، حيث يشعر الفرد (الفاعل الأخلاقي)، بأنه حبة قمح قابلة للالتهام من قبل الآخرين الذين يمارسون حياتهم اليومية بصورة طبيعية للغاية، من دون أن يُشكّلوا أي تهديد منطقي له. ولا يكتفي الفرد المُسلم على غرار الشاب بالنكتة بالفزع أو الهرب، بل أنه يتدخل بالإدانة والاستنكار، وإجبارهم على تعديل أو وقف سلوكهم، بطريقة تُشبه سيناريو آخر للنكتة، يتدخل فيه الشاب "القَمحة" (إذا ما امتلك بعض الجرأة) لمنع العصفور من الطيران، أو الدجاجة من تناول القمح.

وفي حين أن تصرفات الآخرين طبيعية ولم تعتدِ على مساحته، وليست موجهة بأي شكل ضده، فهو يتوهم دومًا بأنها اعتداء على مساحته الخاصة (التي يراها المجتمع بأكمله)، مستنكرًا حق الآخرين في عيش حياتهم كما يريدون، ويتدخل كي يمنعهم منها مُطالِبًا إياهم بما يتجاوز المنطق، أي مراعاته بصفته حبة قمح؛ حيث تتعدى ممارستهم لحقوقهم الإنسانية على حقوقه؛ لا بصفته إنسانًا، وإنما بصفته حبة قمح. وبالتالي لا يمكننا مُوافقته في ذلك المنع، إلا في حالة واحدة، وهي إذا وافقناه بالفعل في اعتقاده بأنه حبة قمح.

مجتمع حبات القمح

يعكس الجانب الأخلاقي محورًا وهاجسًا أساسيًا في أجندة وخطاب الحركات الإسلامية، يطغى في كثير من الأحيان على المحتوى السياسي، أو حتى يُقدَم بصفته برنامجًا سياسيًا. وربما يُمثل ذلك العنصر التكويني الأهم لأيديولوجيا الإسلام السياسي؛ والذي كما يرى نزيه أيوبي؛ يمكن ردّه إلى طبيعة الإسلام كنظام عقائدي.[1]

في الوقت الذي يُمكن فيه نفي الطابع السياسي للإسلام (أي كون الإسلام دين ودولة)، بأدلة أبرزها؛ نُدرة المناحي السياسية بالقرآن والسنة، أو عبر إثبات خضوعه سياسيًا للسياقات التاريخية والثقافية التي عاصرها. إلا أنه من غير الممكن برأي أيوبي نفي "الجماعية" الأخلاقية المركزية التي اتصف بها الإسلام منذ نشأته، وتعني الجماعية داخل هذا السياق ميلًا إلى الضبط الأخلاقي العام، فبعيدًا عن أن النص المؤسس لم يقل الكثير في المناحي السياسية، فقد احتفظ النص ذاته بالكثير في النواحي الأخلاقية.

لتجنب الزنا ببساطة إخفِ جسد الأنثى، ولتجنب السرقة، ببساطة اقطع اليد التي ارتكبت ذلك.

جماعية اﻷخلاق

يؤكد أيوبي "جماعية" الأخلاق في الإسلام (مُميزًا إياها عن الجانب السياسي)، والتي يُعبر عنها ميل المجتمعات المسلمة منذ مراحل تكوينها الأولى إلى تبني نمط أخلاقي يحكمه هَمْ وانشغال اجتماعيين. تقع الإلزامات الأخلاقية على عاتق الفرد بصفته مسؤولًا عن نفسه، ومراقبًا ذاتيًا لها ضد الضغوط والانحرافات، بقدر ما تقع على الآخر، فالجميع مُلزَمون نحو الجميع بضبط أخلاق بعضهم البعض.

وقد تطور هذا الميل، وصولًا إلى أن الحالة المثالية للمجتمع "المُسلِم"، ليست حالة الأفراد المستقلين، أصحاب الضمائر المُستقلة القادرة على تقرير سلوكها بنفسها، وإنما هي حالة إخضاع الأفراد قسريًا للأحكام الفقهية عبر قوة السلطة السياسية وسلطة الرأي العام (الأكثر قسوة). بمعنى أن الفرد المُسلِم ليس مُلزمًا بضبط نفسه ذاتيًا، أو الامتناع عن الانحرافات من تلقاء نفسه (كما تحددها المرجعية الفقهية التي يؤمن بها)، بقدر ما هو مُلزمَ بـ"تهذيب" وضبط جميع من يمكن أن تطالهم يدهم.ويتْبع ذلك بالضرورة أن الآخرين مُلزَمين بعدم "استفزازه"، فالفرد هنا يُدرك ذاته بوصفها تابعًا مُجردًا من سيادة العقل والضمير الشخصيين، وبالتالي يُبرر المرء بيُسر، سهولة انقياده لـ"الخطيئة،" مُحاولًا أن يقطع الطرق أمام ظهور "الانحرافات"، كما يحددها ويصفها بذلك، وهي ليست "انحرافات" بالضرورة في قناعة الآخرين، إذ أنه يدركها من موقعه كحبة قمح، لكنه يفزع من مواجهتها، لأن لا ضمير مُستقل لديه كي يتغلب عليها ويتجاوزها.

هذا يعني بالضرورة التدخل في سلوك الآخرين ممن يمثلون تجسيدًا دافعًا لتلك "الانحرافات"، أو من يتصرفون خارج إطار الإسلام (كما يؤمن به)، بطريقة قد يجدها الأخير انحرافًا، بينما لا تعدّها معتقدات أو أفكار الآخرين كذلك، كما أن نفعها وضررها يعود على فاعلها وحده. وفي حالة فشله في قطع الطريق عليهم، يتحرر عندئذ ببساطة من المسؤولية الأخلاقية، ليستبيحهم دون أدنى رادع.

الإنسان ليس مكنسة كهربية

على سبيل المثال لا ينفك الصائم عن الاجتهاد في إلزام الآخرين بالامتناع عن حق فردي بديهي وتأسيسي للغاية وهو حق الطعام، بدلًا من الاجتهاد في مقاومة الطعام بشيء من تحمُّل المسؤولية عن الذات. ويتحول الوضع كالآتي: "لتجنب الزنا ببساطة إخفِ جسد الأنثى، ولتجنب السرقة، ببساطة اقطع اليد التي ارتكبت ذلك"، [2] وذلك بدلًا من المُطالبة بأن يتمكّن الفرد من الحصول على ما يستحقه بمجهوده، وبدلًا من غض البصر، أو التفكير في الأنثى بطريقة مُغايرة لا تختزلها في الوظيفة الجنسية.

أُحيل في هذا الموضع إلى بوست على أحد الصفحات الإسلامية الشهيرة على فيسبوك، يتحدث عن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، ويتضمن إجمالًا؛ تحريمًا لهذه العلاقة خارج إطار الزواج والقرابة، والادعاء الأساسي للبوست هو أنه ليس بإمكان الرجل النظر إلى امرأة أو التواصل معها دون اشتهائها جنسيًا.

تحفظي الأول هو أن هذا الادعاء يفترض تصورًا ثابتًا ومُطلقًا عن الطبيعة البشرية، والتي يَنتج عنها دائمًا اشتهاء الرجل الجنسي للمرأة أيًا كان الموقف الجامع لهما، وهذا الافتراض هو أحد أشكال تشييء الإنسان (الرجل والمرأة على السواء)؛ أي تصورهما كمجرد أشياء أو أدوات تؤدي وظيفة واحدة؛ هي الوظيفة الجنسية، حيث تحيا وتنفعل وفقًا لها فقط (لا أعلم لماذا يكره الإسلاميون فرويد إذًا؟)، وهو تصور ذكوري بالأساس، يؤمن به الإسلاميون؛ ببساطة لأنهم ذكوريون.


التشيؤ: الإنسان كآلة جنسية

يتبنّى الشيخ الشعراوي في الفيديو، مثل كاتب البوست، نفس عقيدة "رد الفعل" الأخلاقية، فلا يُطالِب الرجال بغض البصر، وإنما المرأة بتعديل سلوكها (الذي يفترض أولًا بأنه مُوجه لهدف واحد وهو وإثارة الرجل)، فالرجل كما سبق هو حبة قمح (بلا عقل، أو ضمير، أو سيطرة على النفس) تذروها الرياح ويفترسها الدجاج السارح في أرض الله، والمرأة قد ترتدي ملابس مُريحة أو كاشفة ليس لأنها مريحة، أو مناسبة أو تُهوّن عليها حر الصيف مثلًا .. إلى آخره من الأسباب التي دفعت الإنسان لارتداء الملابس بأشكالها منذ آلاف السنين، لكنها تفعل ذلك فقط كي تُثير الرجل.

إلا أن افتراض الشيخ بأن الإنسان(رجل وامرأة) هو مجرد آلة جنسية؛ تُفكر وتتصرف وفقًا للدافع الجنسي فقط، لا يُبرر أن الإنسان هو كذلك حقًا، وإلا فلن يختلف وجود الإنسان عن المكنسة الكهربية، فالمكنسة لها وظيفة ثابتة، تُعّرِف وتصف كامل وجودها، ونادرًا ما يمكننا تصورها خارج إطار تلك الوظيفة. في حين يُمثل الإنسان العكس تمامًا، إذ يمكننا مثلًا تصور أن "ابن سينا" فيلسوف، وهو طبيب كذلك، بالإضافة لكونه عالم رياضيات، وهو أيضًا يحب الموسيقى، والمشي، أو التسامر مع الأصدقاء، أو اللون الأخضر؛ وذلك ببساطة لأنه إنسان، مُتعدد الأبعاد والنشاطات والوظائف، ولا يمكن اختزاله في نشاط واحد أو وظيفة واحدة أيًا كانت. مثلما يعتقد الإسلاميون ويفعلون بسهولة نابعة من افتراضهم الأساسي بأن الإنسان مجرد "عبد" لله، وليس آخر غير ذلك، أو بالإضافة إليه.


اقرأ أيضًا: الشيخ الشعراوي.. من قبره يحكم الجماهير


لا ينفي ذلك أن كثيرًا (أو أغلبية) من الرجال في مجتمعاتنا يختزلون المرأة في تلك الوظيفة الجنسية، وإلى تلك الفئة تحديدًا ينتمي الإسلاميون. فهم غير قادرين بالإضافة إلى ذلك على تطبيق وصية "غض البصر"، وهنا سأجازف بأن أقترح تأويلًا مغايرًا لهذه الوصية، حيث تعني فيه كلمة "البصر" الشهوة، أي أن الوصية تُأمر بالإجمال بغض الشهوة عند التعامل مع المرأة، وتغليب العقل في المقابل، والذي ينتج عنه تقدير الحالات والمزايا الأخرى التي تمتلكها بصفتها إنسانًا، وليست آلة جنسية. وهكذا تتحقق العلاقة السوية في كافة المواقف الاجتماعية واليومية المُمكنة.

فالمشكلة ليست "الشهوة"، أي الدافع، باختلاف الهدف المرجو منه، سواء امرأة، أو سيارة .الخ، لأنني قد أمتلك الشهوة أو الدافع للغش بالامتحان، ولا ينفي ذلك أنني ما زلت إنسانًا صالحًا لو أنني قاومته، أو حوّلته إلى دافع للخير بأن أجتهد بالمقابل في المذاكرة. وهكذا لا تصبح المشكلة في علاقة الرجل بالمرأة (والعلاقات الاجتماعية عمومًا) هي مجرد وجود "الشهوة"، وإنما استسلام المرء لها، ذلك الاستسلام الذي للمفارقة تُبرُره التصورات الذكورية نفسها. فهي تنفي إمكانيات مقاومة الشهوة؛ بافتراض أنها وحش طاغٍ في الطبيعة البشرية لا يمكن التحكم به أو تحييده، لأنه سيسود ويتحكم في تواصل الرجل مع المرأة دائمًا.

ضمن منظومة شمولية تضع معايير الأخلاق والسلوك، وتخترق المجال الخاص للأفراد بكل أريحية.

وهذا افتراض كارثي ومُعادٍ للحضارة، بل هادم للأخلاق برمتها، لأنه لا فائدة أو معنى أو قيمة لمقاومة شيء مُطلق وطاغٍ إلى هذا الحد، فحتى فرويد (الأكثر راديكالية فيما يخص مكانة الوظيفة الجنسية) انتهى إلى استنتاج أنه كان لابد من التحكم بالغريزة الجنسية، وقمعها، وتحويل طاقاتها إلى أغراض أخرى لاستمرار الحضارة، وأن ذلك يُمثل مبدأ قيام الأخلاق.

الشُمولية أوابتلاع الإنسان

ليس الإسلام، وفقًا لتلك الرؤية، مجرد مبدأ مُلِزم للفرد المُسلِم فقط، بقدر ما هو مبدأ شامل يجب تعميمه وفرضه على المجتمع (مسلمين وغير مسلمين)، ليس على سبيل الإيمان فقط، فقليلون سيهتمون حقًا بما إذا كنتِ تُصلين أم لا، حتى داخل الأسر الأكثر التزامًا، لكنهم سينتبهون جيدًا إلى مواعيد عودتك إلى المنزل، أو سلوكك العام.

توجد داخل الإسلام السياسي حرية "ضمير" مُتعلقة بالإيمان مُتاحة أكثر مما يُتصَور غالبًا، مُقارنة بالإهدار المُتعمد للحريات الفردية والاجتماعية الأخرى. فمن النادر توجيه خطاب يستهدف تاركي الصلاة خارج دوائر الإسلام السياسي الخاصة، بالمقارنة مع كثافة الصراعات الخطابية المُحمّلة بالعنف؛ بخصوص القضايا الأخلاقية، وضد مخترقي المعايير التي يرغب الإسلاميون في تعميمها، وحتى يظل الخطاب المُوجَه ضد من يُوصفون بالإلحاد، مرتبطًا في جوهره بالنتائج الأخلاقية والاجتماعية المُترتبة عنه.

شمولية فاشية

النتيجة المنطقية للحاكمية الأًصولية، هي استبدال استسلام الفرد الحر أوالمواطن السياسي للإله باستسلامه للمجتمع، ضمن منظومة شمولية تضع معايير الأخلاق والسلوك، وتخترق المجال الخاص للأفراد بكل أريحية، مثلما في الشموليات الفاشية؛ حيث الاستسلام للأمة، والستالينية؛ حيث الاستسلام للحزب يعنيان أيضًا الاستسلام الخاضع للمجتمع الشمولي.

ليس الإسلام السياسي إذًا تيارًا محافظًا نموذجيًا، يمكن مقارنته بالتيارات المحافظة الغربية التقليدية، وذلك لأن تلك الأخيرة؛ رغم تمسكها بمؤسسات الأسرة والدين والأخلاق، فإنها تُركّز على إضعاف المؤثرات الليبرالية تجاه الأفراد المطمئنين لانتمائهم لتلك المؤسسات بالفعل، لكنها لا تحاول بالمقابل، أو بنفس الدرجة على الأقل؛ إخضاع القطاعات الليبرالية لمفاهيمها عبر سلطة الدولة، أو عبر تدخلات قانونية ودستورية تعسفية تمس بالحقوق والحريات الفردية الأساسية؛ مثلما يفعل أو يريد أن يفعل الإسلاميون.

بينما يسعى المُحافِظ التقليدي للحفاظ على المؤسسة (الزواج، الأسرة..الخ)، يسعى الإسلامي للتدخل وإصدار أحكام القيمة (ذات العواقب الاجتماعية) على أدق تفاصيل الحياة اليومية من تناول الطعام، وحتى دخول الحمام، لمن يقبلون به كقاضي أخلاقي عليهم، ولمن يرفضونه على السواء.

احتكار الأخلاق

لا يتسامح الإسلاميون كثيرًا مع تبرير السلوك الأخلاقي، وفقًا لأسس فلسفية أو عقائدية خارجة عن أجندتهم، فمستوى التعنت يصل إلى حد الاستهانة أو ربما استنكار الأفعال الطيبة والحسنة إن سَلكها الفرد وفقًا لقناعة أخلاقية (علمانية أو دينية) من خارج الإسلام، فمثلًا باستطاعتك مقاومة الكذب وفقًا لقناعتك بتصور كانط عن أخلاق الواجب، أو لأنك ترى أن الكذب مؤذٍ على المدى الطويل من وجهة نظر نفعية.. إلخ.

ولذلك لا يكتفي الأخ الكبير في رواية جورج أورويل بضمان الأغلبية في جانبه، وإنما بمُراقبة كل فرد مُراقبة فعّالة.

وجميعها فلسفات تعترف بأولوية تمييز الفرد بنفسه بين السلوك الأخلاقي عن غيره، وفق ضميره، إلا أن التصور الشمولي لا يتسامح مع هذا النوع من الاحتمالات، فهو لا يرغب في تصور عمل الأفراد إلا وفق قواعده. ويتصور أي خروج عن تلك القواعد بصفته تهديدًا مباشرًا ضد سلطته الأخلاقية، فلا تقبل السلطة الشمولية الاختلاف معها صغر أم كبر، فهي تبتلع المساحة الخاصة بالفرد، وتناضل لكي لا تسمح بحرية ولو فرد واحد داخل مجتمع من ملايين الأفراد، حتى ولو لم يُهدد اختلافه بشكل مُباشر المجتمع أو السلطة، إلا أنها ترى فيه تهديدًا قويًا على المدى البعيد.

أخ كبير

ولذلك لا يكتفي الأخ الكبير في رواية جورج أورويل بضمان الأغلبية في جانبه، وإنما بمُراقبة كل فرد مُراقبة فعّالة. وبذات الطريقة تتحول رواية مغمورة نسبيًا إلى قضية رأي عام لاحتوائها على ألفاظ تُوصف بأنها "خادشة"، رغم أن أحدًا لم يكن لينتبه لا للرواية أو الكاتب، لو لم يُثِر إسلاميون (ومحافظون دولتيون) أو متعاطفون معهم المسألة منذ البداية، وأيضًا يتحول رفع شاب لعلم ما في حفلة موسيقية إلى "تهديد" للمجتمع.

لا يمكن الاستخفاف بالبُعد الأخلاقي في المواجهة مع الإسلاميين، إلا إذا أهملنا حقيقة أنهم دائمًا ما غلّفوا الصراعات السياسية بأغلفة أخلاقية؛ سواء بابتزاز خصومهم السياسيين أخلاقيًا، أو ادعاء الأفضلية الأخلاقية تجاههم، واستغلال ذلك في دعم مواقفهم السياسية. وأيضًا حقيقة أن مجمل حراكهم الاجتماعي الذي تصاعد قبل أربعة عقود، كان مهووسًا بطرح خطابات أخلاقية مُباشرة، تسعى(ونجحت كثيرًا في ذلك) للسيطرة على الشارع والمدرسة والجامعة..الخ.

تدور نظرية الأخلاق الإسلامية حول "فرض الخير وحظر الشر. وفي القيام بهذه الأشياء، من المتوقع أن تتخذ موقفًا نشطًا وفقًا للتقاليد النبوية"، و"لا يكفي أن تكون أنت شخصاً صادقًا ونبيلًا ورعًا، بل يجب أن يكون الجميع كذلك."، وهو ما ينفي المسؤولية الأخلاقية كلية عن الفرد الحر صاحب الضمير، ونقلها في المُقابل إلى "القدر والظروف والعالم الخارجي".[3]

ذلك الفرد الذي يعتقد أنه لا يسعه فعل شيء تجاه انحرافاته، لِكونها مُقدرّة عليه، بينما يقع على عاتق الآخرين ألا "يستفزوه"، لأنه ببساطة سينقاد كالكبش خلف أدنى فرصة سلوك منحرف دون مقاومة، وحيث لا أحد يُحاكم كبشًا إذا أخطأ.


[1] Political Islam: Religion and Politics in the Arab World by Nazih N. Ayubi, 33

[2] المرجع نفسه، 34

[3] المرجع نفسه، 34، 35