تصميم: جوانا نيبروسكي/ New York Review of Books

سنودن في المتاهة: سجلات المراقبة الدائمة لكوكب اﻷرض

يعاني سنودن إذ يرصد سرًا جرائم الحكومة ويدرك وسائل الخداع اللازمة للإطاحة بها. يطوف داخل شعوره بالعار لتورطه في الأمر، واستغرابه لما يلقاه حوله من نفور، خوفه من فك الوحدة؛ ذلك التمهيد لعزلته التي تنتظره إذا أقدم على تصرف..

يقدّم جوناثان ليثيم في مقاله المنشور بمجلة New York Review of Books مراجعة لمذكرات إدوارد سنودن "سجل دائم"، التي كشفت الكثير عن سجلات المراقبة عبر اﻹنترنت. تنشر المنصة ترجمة للمقال بإذن خاص من الكاتب والمجلة.

1- لحظة كشْف

في قصة قصيرة كتبها روبرت شيكلي عام 1978 بعنوان "أهذا ما يفعله الناس؟" يشتري رجل يُدعى إيدي كوينتيرو زوج نظارات معظّمة من منفذ لبيع مخلفات الجيش والقوات البحرية "إذ تعشّم أن يرى من خلالهما ما لا يستطيع رؤيته أبدًا بغيرهما، أراد تحديدًا أن يشاهد الفتيات اللاتي يبدلن ملابسهن في متجر Chauvin Arms في آخر الشارع من غرفة معيشته".

لكنه أيضًا كان يسعى وراء "لحظة الكشْف واليقظة التامة"، وبما أن القصة تُصنف خيالًا علميًا فإن إيدي يحصل بالمصادفة على زوج نظارات مكتوب عليها: "تحت الاختبار.. ممنوع خروجها من المعمل".

تبين أن للنظارات قدرة خيالية ليس فقط على اختراق الجدران بل أيضًا على تقليل المسافات بين كوينتيرو ومن قد يتجسس عليه، حين ينظر من خلال الجهاز التجريبي يلوي جسده بصعوبة إلى أوضاع غريبة، ويُمنح كوينتيرو فجأة القدرة على رؤية بشر آخرين خلف الأبواب المغلقة، يفعلون "ما يفعله الناس"، والذي اتضح إنها أمور مريبة للغاية.

أقل ما رصده كوينتيرو ريبة هو استعراضات الكوسبلاي (ارتداء أزياء شخصيات الرسوم المتحركة)، وأكثرها تطرفًا يتكون من جرائم قتل طقسية مفزعة، واستحضار لشيطان الدخان العنيف جنسيًا. في الصفحة الأخيرة يبلغ مغزى القصة حالة من الوضوح الوجودي، تمنحه النظارات القدرة على رؤية رجل بدين متوسط العمر في غرفة موحشة، يقف على رأسه وبطريقة غريبة يثبت على وجهه نظارات معظمة، فيتعرف كوينتيرو على نفسه.

أدرك أنه لم يكن إلا مستعرضًا آخر في سيرك البشرية العظيم، وقد أنهى لتوه إحدى عروضه كالآخرين، لكن من كان يشاهد؟ من المتفرج الحقيقي؟.

لاحقًا يصف سنودن في مذكراته المعنونة بـ"سِجلّ دائم" Permanent Record شعوره إذ يتم تقديمه شخصيًا إلى XKEYSCORE، نظام وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA للمراقبة الشخصية والتنصت. وفقًا لسنودن فإن XKEYSCORE هي الأكثر اختراقًا للخصوصية من بين أنظمة وكالة الأمن القومي التكنولوجية التي شارك سنودن في تحديث بعضها، لأن عملاء الأمن القومي يكونون في أقرب وضع ممكن من المستخدم الخاضع للمراقبة.

بُنيت المذكرات المكونة من 300 صفحة على الوصف الآتي والذي تُمهد له توطئة الكتاب، حيث يرى كاشف الفساد المشهد من وراء الستار:

وفر لي موقعي دخولًا بلا حدود إلى اتصالات كل رجل وامرأة وطفل استخدم الهاتف أو الكمبيوتر على كوكب الأرض. من بين هؤلاء الناس 320 مليون من أخوتي المواطنين الأمريكيين الذين كانوا يخضعون للمراقبة خلال تعاملاتهم الحياتية اليومية، في انتهاك جسيم ليس فقط لدستور الولايات المتحدة ولكن للقيم الأساسية لأي مجتمع حر.

تتشابه دقة معالجة سنودن للحظات الكشْف التي اشتبك فيها مع XKEYSCORE وكشف أهوال شخصية كثولو الفضائية في إحدى قصص هـ.ب لافركرافت، ويلمِّح سنودن نفسه إلى هذا التشابه:

كان الأمر ببساطة أقرب ما يكون للخيال العلمي، واجهة تتيح لك كتابة عنوان أي شخص ورقم هاتفه أو عنوان الـIP فتدخل إلى آخر تفاعلاته أثناء اتصاله بالإنترنت، في بعض الأحيان يشغّلون تسجيلات لجلساتهم على اﻹنترنت، فتكون الشاشة التي تنظر إليها هي في الحقيقة شاشتهم.

كان الأمر أشبه بعملية الإكمال التلقائي Autocomplete، إذ تسطع الحروف والكلمات عبر الشاشة لكن الذكاء وراء هذه الكتابة لم يكن صناعيًا بل بشريًا، كان الأمر بمثابة إكمال بشري humancomplete.

من الأمور التي سرعان ما تدركها لدى استخدامك لـ XKEYSCORE أن كافة المتصلين بالإنترنت يجمعهم عاملان مشتركان: كلهم شاهدوا أفلامًا إباحية مرة على الأقل، وجميعهم يحتفظون بصور ومقاطع عائلية. كان هذا يشمل بالفعل كلا النوعين وكل الأجناس والأعراق والأعمار، من أحقر إرهابي إلى أشرف مواطن.

عملية إكمال بشري وحيدة هي التي أثارت رعب سنودن: طفل في إندونيسيا، صبي صغير لم يكن من المفترض أن أهتم به، لكن تحتم عليَّ ذلك لأن رؤسائي كانوا يعنون بأمر والده، الذي لم يكن سوى أكاديمي عادي وقع فريسة لشبكة مراقبة.

كنت أجلس أمام حاسوبي وهو يجلس أمام حاسوبه، لكن الطفل ظل يعبث حوله، يضغط على المفاتيح ويضحك، التقط ميكروفون الكمبيوتر الداخلي ضحكاته وها أنا ذا أسمعها في سماعاتي. احتضن الوالد ابنه بقوة فهدأ الولد، ونظر مباشرة إلى كاميرا الكمبيوتر بعينيه الضيقتين الداكنتين فحاصرني الشعور بأنه ينظر إليَّ مباشرة، وفجأة أدركت أني أحبس أنفاسي.

سجل دائم هو محاولة لقلب أدوار المراقبة وعرض صورة ذاتية لرجل، كاشف فساد؟، منشق؟ جاسوس؟، يسير على الأرض، في موسكو هذه الأيام، يُدعى إدوارد سنودن.

يبدو أن سنودن اقترن إلى الأبد بفعل واحد: قراره في لحظة من الزمن بتسريب نسخ من معلومات سرية للغاية تخص وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA. ولأنه نظر عبر نافذة المراقبة الجماعية فقد اختبر هذه النعمة؛ لحظة الكشف: يجب أن يعرف العالم هذه الأمور التي أعرفها.

ورغم أغرب الظروف بلّغ الرسالة، والآن يعرض لنا تفسيرًا لها عن طريق تفسيرها لنفسه أولًا، كيف لعب مؤخرًا هذا الدور الثانوي الحاسم على مسرح التاريخ.

هل نحن بحاجة إلى مذكرات شخص يقترح أن "كلما زادت معلوماتك عن الآخرين كلما قلت معرفتك بنفسك"؟

إذا شكك القارئ في هذا المشهد وردد عبارات مثل "ألم أشاهد وثائقيًا جيدًا عن هذا الموضوع قبل عدة سنوات؟، ألم أقرأ في مكان ما أن سنودن لا وجود له؟) فسنودن نفسه عكس هذه الشكوك:

في الحقيقة ليس سهلًا على شخص يحمل سيرتي أن يكتب مذكراته بارتياح، تكمن الصعوبة في أني أمضيت أغلب حياتي متجنبًا كشف هويتي، لأتحول بعدها تمامًا وأفصح عن أسرار شخصية في كتاب، يغرس مجال عمل المخابرات في نفوس العاملين به إخفاءً إلزاميًا للهوية، ويخلق طرازًا لشخصية صفحتها بيضاء تُختم بالسرية وفن الخداع.

يذهب سنودن لأبعد من هذا حين يصف وضعه الملغّز مقارنًا انفصال الذات، المألوف في مجال الجاسوسية الذي اختاره، بتشفير البيانات الذي عُهد إليه، "كأي عملية تشفير، تظل المادة الأصلية (شخصيتك الحقيقية) موجودة لكن في صورة مكوّدة ومغلقة".

هل نحن بحاجة إلى مذكرات شخص يقترح أن "كلما زادت معلوماتك عن الآخرين كلما قلت معرفتك بنفسك"؟، ربما لم تكن الصعوبة التي واجهها سنودن حكرًا على الجواسيس، بل هي ثغرة في سِمات الذات المعاصرة في المطلق.

2. بلد حر

كتاب سنودن صريح على نحو رائع، لقد تجرأ وافترض أن القارئ سيهتم، ليس فقط بلحظة كشفه والفعل الصارخ الذي أكسبه الشهرة وسوء السمعة، لكن أيضًا بتشكّل شخصيته وتقدمه البطيء في فهم التكنولوجيا والتجسس والمراقبة وحقوق الإنسان.

على الرغم من براعته في برمجة الكمبيوتر إلا إنه لا يطمع في إقناعك بعبقريته، بل على النقيض، هو طفل أملس لعائلة من العسكريين ولا يهتم بالسياسة، أبوه ضابط في خفر السواحل، وأمه موظفة حكومية، انفصل والداه في 2001. سنودن من الطراز الدمث المحافظ، ويدهشه عدم اقتناع الكثيرين بجرائم مجتمع الاستخبارات مثلما يقتنع هو.

يخطو بنا عبر محاولاته الذاتية للتعلم داخل هذا المجتمع، خفة تنقله الوظيفي المدهشة بين الأمن القومي والاستخبارات المركزية، السهولة الغريبة في حصوله على لقب "شريك حياة مخلص" (خمن كيف تعرف على زوجته ليندساي؟ نعم من خلال الإنترنت)، وضيقه المتزايد بالمعايير الأخلاقية لمن يحيطون به أو يعلوه بمن في ذلك الرئيس السابق أوباما.

تعد مذكراته أيضًا محاسبة لما قبل وبعد أحداث 11 سبتمبر، وينجح كتابه كشهادة لا يستهان بها، إذ يُشرِف صاحبها من موقع مميز: فهو الطفل العبقري ذو السنوات الستة عشر الذي حصل على وظيفة بدوام جزئي، مساعد في شركة خاصة للتصميم الشبكي تدار من منزل تصادف أن يقع ضمن حدود القاعدة العسكرية التابعة لوكالة الأمن القومي:

كانت القاعدة متاحة للجميع وهوأمر غير وارد الآن، لم تكن كلها حواجز ومتاريس ونقاط تفتيش محصورة بين أسلاك شائكة، كان بمقدوري الذهاب إلى القاعدة العسكرية التي تأوي أكثر وكالات الاستخبارات سرية في العالم بسيارة "سيفيك 92" وأنزل نوافذها رافعًا صوت المذياع دون الحاجة للوقوف أمام البوابات وإبراز هويتي، حتى أن ربع زملائي اليابانيين كانوا يتجمعون في منزل ماي الصغير خلف مقر الأمن القومي ليشاهدوا أفلام اﻷنيمي ويصنعون الكوميكس، هكذا كان الحال في الأيام السالفة عندما كنا نسمع جملة "إنها بلاد حرة أليس كذلك؟" في كل ساحة مدرسية وكل مسلسل.

قطع..

صخب.. فوضى.. أقدم تصوراتنا عن الرعب... لن أنسى أبدًا محاولاتي للعودة عبر طريق كانين القريب من مقر الأمن القومي بعد تعرض وزارة الدفاع "البنتاجون" للهجوم.

تطاير الغضب من أبراج الوكالة ذات الزجاج الأسود، موجة من الصياح، ورنين الهواتف وسيارات تسرع بالخروج من المواقف وتشق طريقها إلى الشوارع، لحظة أسوأ هجوم إرهابي في التاريخ الأمريكي غادر الآلاف من طاقم عمل الـNSA، وكالة التكويد الرئيسية في مجتمع الاستخبارات الأمريكية، أعمالهم، وأنا.. غمرني الطوفان.

بعد هجمات 11 سبتمبر "تابعت مهام عملي طوعًا في لحظة أتذكر إنها جامعة فارقة"، عقد سنودن العزم على الواجب الوطني، التطوع في الجيش، لكنه حصل على إعفاء محايد بعد إصابته سُمى "إستبعاد إداري"، ثم بحث عن ترشيح من جهة حكومية رفيعة المستوى لكي يقدم خبراته في مجال تكنولوجيا الحاسبات لسوق الاستخبارات.

عادة ما توظف وكالتا الأمن القومي والاستخبارات المركزية أفرادًا موهوبين مثل سنودن كمتعاقدين خصوصيين مرشحين من الحكومة بدلًا من تجنيدهم مباشرة لإحدى الوكالات. يطلعنا سنودن على ترتيبه العالي كأخصائي ميزانية، كوسيلة دفاع ضمنية ضد من يقللون من دوره إذ كان مجرد متعاقد.

لكي تقرصن على النظام عليك أن تفهم قوانينه أفضل ممن قاموا ببنائه أو من يديرونه.

إن شئت أن تصدق مثلي هذه المذكرات فهذا العرق الوطني الجاد هو نفسه الذي حفز كل المراحل المتعاقبة لضلالات سنودن وما تلا ذلك: حركة التمرد التي قادته للشهرة. شهادة سنودن توحي بأنه ساذج غريب الأطوار، إذ يربط ملاحظات قد تبدو صارخة الوضوح لكنها تكتسب نتائج تصاعدية:

لكي تقرصن على النظام عليك أن تفهم قوانينه أفضل ممن قاموا ببنائه أو من يديرونه.

فني الكمبيوتر يعرف كل شيء أو بالأحرى يمكنه أن يعرف كل شيء.

شغلت فجأة أحد أكثر المواقع إحاطة في مجال الاستخبارات، في أول السلم الإداري لكن في أعلى نقطة من جهة حق الدخول إلى الشبكة

في ذلك الوقت لم أدرك أن تصميم نظام سيحتفظ بسجل دائم لحياة كل شخص هو خطأ جسيم.

وأحيانًا يكتب أحجية غريبة:

لم يكن هناك أي حذف للبيانات.

وعن أوجه التشابه بين أجهزة الاستخبارات وشركات الإنترنت يقول:

الاثنان مراكز قوى محصَّنة غير منتَخَبَة تفخر بتكتمها على تطوراتها. الاثنان على اقتناع بأنهما يملكان الحل لكل شيء، ولن يترددا في فرضه بطريقة أحادية، وفوق كل هذا يؤمنونان أن هذه الحلول ليست سياسية لأنها تعتمد على البيانات.

وبعد التمعن في ألم وقوع الضحايا الأمريكيين في 11 سبتمبر تأتي هذه الملاحظة العابرة:

قُتِل أكثر من مليون شخص جراء الرد الأمريكي.

كيف يقرر شخص أن يصبح منشقًا؟ كبش فداء؟ كاشف فساد؟، يبدو سنودن معميًا مثلنا، وكأن السؤال يظهر فجأة في يوم ويتخذ شكلًا: لماذا أعبأ وحدي بالأمر؟ لماذا تطاردني عينا الطفل الجالس على حجر والده بينما ينشغل باقي العملاء ممن لهم حق الدخول إلى XKEYSCORE بتجميع الصور العارية وملاحقة الحبيبات السابقات. (للآسف، نعم. ويطلقون عليه استخبارات غرامية LOVEINT على غرار الاستخبارات البشرية HUMINT واستخبارات الإشارات SIGINT).

يكتب قائلًا: "إلى مَن ألتجئ؟، من يمكنني التحدث معه؟ فمجرد همسي بالحقيقة ولو إلى محامٍ أو قاضٍ أو الكونجرس أصبح جناية، التلخيص الأولي لأبسط الحقائق من الممكن أن يودي بي في زنزانة بسجن فيدرالي مدى الحياة".

يعاني سنودن إذ يرصد سرًا جرائم الحكومة ويدرك وسائل الخداع اللازمة للإطاحة بها. يطوف داخل شعوره بالعار لتورطه في الأمر، واستغرابه لما يلقاه حوله من نفور، خوفه من فك الوحدة؛ ذلك التمهيد لعزلته التي تنتظره إذا هو أقدم على تصرُّف، هناك أيضًا مرحلة مساومة وإنكار، حين يخمن ما إذا كان بائسًا لدرجة أنه يلعب دور هو من طرحه على نفسه: "من انتخبني رئيسًا للأسرار؟".

رغم ذلك فالإجابة واضحة كتاريخ إصدار الكتاب على الغلاف، 17 سبتمبر، يوم إعلان الدستور. سنودن متشدق أحمق بالدستور، هو من طراز الموظفين الذين يلتقطون النسخة المجانية من الطاولة ويقرأونها بالفعل، إنه يحب قراءته "لجودة الأفكار أو لجمال البلاغة لكن على الأغلب لأن ذلك يثير ارتياب زملائي في العمل".

ظني أن سنودن يحاول بهذا السطر الأخير أن يتخلص من ألمه بالسخرية، أعتقد أن الدستور وخصوصًا وثيقة الحقوق أصبحوا يؤنسوا وحدته، كحيوان أليف مهمل لا أحد يهتم به غيره.

أصيب سنودن بالصرع في الوقت الذي كان يصارع ليفهم ما إذا كان الواجب يحتّم عليه تدمير حياته لحماية الدستور، ورغم رمزية الفصول التي تتحدث عن ذلك إلا إنه لم يسع لتأويلها على هذا النحو: تنافر معرفي، صرع دماغي بطيء، عندما تصبح السرّية مرض.

غلاف الكتاب

3- تسلسل قيادي

في مقال بـ "نيويورك تايمز" بعنوان "رجل الجهات الخارجية" عقد مالكوم جلادويل مقارنة مخزية بين سنودن ودانييل إلزبرج مسرّب وثائق البنتاجون المندفع الفصيح:

"كان إلزبرج وسيمًا وفاتنًا، أنهى دراسته الثانوية ثم الجامعية في هارفارد، وكتب رسالة ماجستير عن نظرية المؤامرة وتعاون مع توماس شيلينج الفائز بجائزة نوبل. حصل على منصب عال تحت قيادة وزير الدفاع روبرت ماكنمارا، ومثّل وزارة الخارجية في فيتنام، وقضى مأمورتين ككبير مُحللي المعلومات الاستخباراتية في مؤسسة راند للأبحاث العسكرية.

عندما صادف معلومات عن خداع إدارة الرئيس جونسون حول حرب فيتنام "ذهب إلزبرج أولًا إلى مجلس الشيوخ حيث بحث عمن يكشف له عن تلك المستندات ويعقد جلسات استماع عامة"، حتى إنه سعى لجذب اهتمام صديقه وتلميذه هنري كيسنجر، وعندما خذلته الأروقة الحكومية قرر إلزبرج التسريب لكن حتى ذلك تم في سياق يصنفه جلادويل كـ"موظف حكومي مطلع يكشف حقائق داخلية".

ومن ائتمنه إلزبرج على تلك المجلدات الثلاثة والأربعين؟ مجلة تايمز، التي استأجرت جناحًا في فندق هيلتون، ووضعت حراسة في الخارج، وخصصت فريقًا أمضى الثلاثة أشهر التالية بحثًا في الوثائق المجمعة، ما كان للتايمز أن تفوز بجائزة بوليتزر أبدًا لو لم تكن الوثائق سرية.

هارفارد، نوبل، راند، بوليتزر، تايمز، هيلتون، يطغى حنين جلادويل للنظام العام إبان الحرب الباردة على حديثه بإخلاص غير دقيق.

وفقًا لهذه المعايير فإن وريث إلزبرج لا يرقى للمستوى المطلوب:

"لم يتتلمذ سنودن على يد أحد الحائزين على جائزة نوبل، ولم يبد نصيحة مهنية لأمثال هنري كيسنجر، بل كان متسربًا من معهد (كلية مجتمعية)، وعضو في ثقافة "القراصنة الغامضين" المضادة.. قال سنودن ذات مرة: "النخبة تعرف كل شيء عنا ولا نعرف شيئًا عنها لأنهم سرّيون مميزون، هم طبقة منفصلة".

يواصل جلادويل اقتباساته دون أدنى خوف من تأنيب الضمير: "للمعلومات أصول وخاصة الحساسة منها، ثمة علاقة تكافلية بين الحكومة والإعلام، بين مصدر التسريبات والمنتفع منها".

أثناء عملي في القسم العلمي في جريدة واشنطن بوست دأبنا أنا وزملائي على قراءة قصة الصفحة الرئيسية لنظرائنا في الـ"تايمز" ودائمًا ما كنا نعرف مصدر التسريبات التي بُنيت عليها القصة، كانت المهمة التقليدية الأولى هي الاتصال بمن قام بالتسريب لنشتكي عدم إنصافه.

تكافل.. هذه هي الكلمة المناسبة، مريح ونخبوي وسري. ينهي جلادويل كلامه بتوبيخ سنودن لعدم مشاهدته فيلم Dr. Strangelov للمخرج ستانلي كيوبريك. وفوق كل شيء آخر فإن سنودن بالنسبة لجلادويل ممل مقارنة بالمحنك إلزبرج.


هاتفك ليس آمنًا: حكومات شرق أوسطية تتجسس على مواطنيها بدعم من جوجل


في "سجل دائم" لا يوضح سنودن ما إذا كان يعبأ برأي قراء النيويورك تايمز حول اهتمامه بسينما الستينات من عدمه، لكنه يشرح سبب امتناعه عن اللجوء لنيويورك تايمز، والأمر لا علاقة له بالنظام العام:

كلما فكرت في الاتصال بصحيفة تايمز أصابني التردد رغم ما أبدته الصحيفة من استعداد لإزعاج الحكومة حين نشرت عن تسريبات ويكيليكس، لكن أقلقني ما قامت به في السابق إزاء مقال مهم يتعلق ببرنامج الحكومة للتنصت غير القانوني، والذي كتبه إريك ليشتبلاو وجيمس رايسين، كشف هذان الصحفيان جانبًا واحدًا من برنامج ستيلار ويند STELLARWIND، والذي بادرت بتقديمه في الأصل وكالة الأمن القومي NSA كوصفة مراقبة بعد أحداث 11 سبتمبر، وقدما مقالًا كُتب وحرر وتمت مراجعته بدقة على أن ينشر في منتصف العام 2004، وعند هذه النقطة قام رئيس تحرير الصحيفة بيل كيلر بتمرير المقال على الحكومة من باب الكياسة.. لو قامت التايمز أو أي صحيفة أخرى بمثل هذا الأمر معي سيكون بمثابة تسليم فوري قبل أن يُكشف أي أمر للرأي العام.

ما يلفت الانتباه هو رفض سنودن المقارنة بين تخمينه السابق بشأن السلطة الرابعة، وأمر آخر يثير القلق في كتابه: التسلسل القيادي الإلزامي في الجيش، ماذا لو أراد كاشف الفساد أن يفضح من يعلوه مباشرة؟ ماذا لو كان رئيسك المباشر تحديدًا فاسد عديم الثقة؟، هل التسلسل القيادي فاسد أيضًا؟. لا بد أن سنودن واجه مع رؤسائه من ذوي الرتب الأزمة ذاتها التي واجهها مع صحافة الأغلبية: يمكن استخدام التسلسل القيادي كفخ للإيقاع بالمهرطق.

في الوقت نفسه سخّر إلزبرج حياته، منذ استبعد من الأروقة الحكومية، كناشط ضد تدخلات الجيش الأمريكي، وكان دائمًا ما يبدو شخصًا هادئًا من الهيبيز كلما التقيته أمام منضدة متجر لبيع الكتب المستعملة أثناء عملي في بيركلي في الثمانينيات، واعتقل عدة مرات أثناء تظاهرات سلمية، ودعم كلًا من جوليان أسانج وشيلسي ماننج وسنودن واعتصم في سبرول بلازا أثناء حركة "احتلوا جامعة كاليفورنيا" الاحتجاجية في نوفمبر 2011، وسبرول بلازا هو المكان نفسه الذي أفسح مجالًا للناشط في حركة حرية التعبير ماريو سافيو في العام 1964 صاحب مقولة: "ثمة وقت تصبح فيه المنظومة بغيضة جدًا لدرجة ستشعرك بالاشمئزاز الشديد في أعماقك فلا تستطيع المشاركة فيها حتى لو كانت مشاركة سلبية".

4- شيء له عينان

مبنى وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA  Trevor Paglen 2013

في كتاب المقالات المميز Trick Mirror تستكشف جيا تولنتينو إمكانات الإنترنت لتدمير مقاييسنا وتقديراتنا:

أصبحت أعي تمامًا، مثل الجميع، كيف ينحط عقلي عندما أربطه ليتلقى وابل محتوى الإنترنت كاملًا، تلك القنوات غير المحدودة التي يُعاد تحميلها باستمرار بالمعلومات الجديدة، مواليد، وفيات، تفاخر، تدمير، نكات، إعلانات وظائف، تحذيرات، شكاوى، اعترافات، كوارث سياسية تهاجم خلايانا العصبية المنهكة بموجات هائلة من المعلومات التي تلكزنا ثم تُستبدل بأخرى على الفور.

إذًا.. كما تصفها تولنتينو تتصف هذه التجربة بسمات شَلل عدم الترابط، فإذا كانت صفحة التغذية الإخبارية news feed محيط من الظلم والأزمات المهملة، فإنها تُطعم أيضًا بادعاءت التكذيب، والازدراء المهين، والكذب الصِرف، يضاف إلى كل ذلك أيقونات قابلة للنقر صممت بلا شفقة لإلهاب بركان شهوات الجنس والانتقام والنميمة.

آما بخصوص أنظمة المراقبة فإنها تفضي إلى طريق مسدود، أو ربما هي شكل من متلازمة ستوكهولم (التعلق بالجلاد) والعجز الشديد.

في الاستقصاء البسيط الذي قمت به فإن أغلب الذين علموا بتورط وكالة الأمن القومي، المباشر أو غير المباشر، في طلب معلوماتهم وبياناتهم الوصفية يصيبهم الغضب ثم التسليم بالخضوع، والتقبل الهازئ على شاكلة "نعم حدث ذلك معي لكنني لا أخفي شيئًا"، أو "كنت على قائمة مراقبتهم على آية حال"، "إنه يعرض عليَّ فرق موسيقية لم أكن لأعلم عنها شيئًا"، سؤال سنودن الضمني طوال الكتاب هو: لماذا لا أتمكن من جذب اهتمام الناس؟

ولدتُ في العام 1964. بعض كتبي المفضلة كانت تحاول وصف الحياة قبل وأثناء وبعد الصدع الكبير الذي أصاب الآمال البشرية الكبرى وحلول تغيير الواقع والتصورات والتكنولوجيا، تحولات لازالت تعيش في الذاكرة لكنها تتضائل بسرعة، متتالية أنتوني باويل الروائية "رقصة على أنغام الزمن A Dance to the Music of Time، رواية رجل بلا صفات The Man Without Qualities للنمساوي الألماني روبرت موزيل، مجموعة دوريس ليسنج الروائية شبه الذاتية أبناء العنف The Children of Violence، ورباعية نهاية الموكب Parade’s End لفورد مادوكس فورد، تحاول جميعها احتواء التغييرات الجذرية أثناء وبعد حروب أوروبا العنيفة، كذلك فعلت دراسة باول فاسل Paul Fussell الحرب الكبرى والذاكرة الحديثة .The Great War and Modern Memory

يتطرق فيلم آل أمبرسون الأجلاء The Magnificent Ambersons لبوث تاركينجتون Booth Tarkington جزئيًا إلى آثار دخول السيارة إلى قرية صغيرة في الغرب الأوسط، مقال جورج و.س ترو البارز George W.S. Trow "في سياق اللا سياق"Within the Context of No Context يناقش الإحلال الخبيث للقيم الاجتماعية القديمة.

في وقت سابق كنت ألتهم إصدارات الخيال العلمي الأمريكية ما بعد الحرب حتى صارت عدستي الدائمة لفهمي الضبابي للعالم (كما أوضحت في هذا المقال)، أغلب كتابات تلك الفترة وخاصة كُتّاب الخمسينيات التفوا حول مجلة Galaxy، من بينهم روبرت شيكلي، الآن يبدو لي كأنها تجارب ذهنية لمجتمع ثمل ومصدوم أبهره مجيء الراديو والتلفزيون وعلم الصواريخ وجادة ماديسون والحرب النووية. واستحوذ عليه أيضًا ما لم يكن قد سُميَ بعد بـ"الرأسمالية المؤسسية المعولمة".

يدهشني الآن أن التأملات المعقدة لتلك القصص الطويلة عبر التاريخ والصدمات الحادة القصيرة في روايات الخيال العلمي أو أدب "الاغتراب الإدراكي" يقدمان طرحًا ضمنيًا واحدًا: بعد التحولات المتسارعة في القرنين التاسع عشر والعشرين لا يمكنك التكهن بشكل الحياة في القرن الواحد والعشرين اكتفاءً بوصف الحاضر.

أدرِّس الكتابة حاليًا لأشخاص أصغر مني سنًا، لأطفال الإنترنت ودولة ما بعد 11 سبتمبر الأمنية، وهيمنة جماعات المصلحة على العالم والنهاية المشؤومة للمناخ. من البداهة القول إنهم يقرأون ويشاهدون ويكتبون قصص ديستوبية (تتنبأ بمستقبل مظلم) لأنهم يعيشون واحدة منها بالفعل، ولا مفاجأة في أنهم لا يملكون وقتًا لقراءة ليسنج أو فورد؛ فتحولات الماضي تلك شديدة العمق، وهم لا تفيدهم المسلَّمات الثابتة التي تتضمنها الواقعية المعاصرة بل يتوقون للإقرار بأن العالم لم يتغير أو يتغير وحسب بل إن التغيير نفسه هو العالم.

أعتقد أن الشهادة المباشرة أيضًا لها دور هام بالنسبة لتلاميذي الصغار ولكثير منا. الأمانة الشخصية في الكتابة كما فعلت تولينتنو مثيرة ومطَمئنة على حد سواء لأنها تدق مسمارًا في الوصف الوحيد الذي يمكننا قوله بحذر على "الحاضر": كل واحد مننا يسعى بصعوبة لتحمله.

في هذا السياق يقدم سنودن شرحًا دقيقًا وافيًا لمجيء الكمبيوتر في سنوات شبابه ويصف إغراءات العالم الافتراضي:

أصبح هذا الكمبيوتر رفيقي الدائم، قريبي الثاني، ظهر في حياتي حين كنت لا زلت أستكشف ذاتي المستقلة والعوالم المتعددة التي يجوز وجودها ضمن عالمنا، كانت تلك مراهقة بنكهة التكنولوجيا، والتغيرات الهائلة التي نحتها داخلي كانت تُنحت بطريقة ما داخل الجميع في كل مكان من خلال هذه الوصلة وحسب: بطاقة توسعة ومودم وهاتف يعمل فيصبح بمقدوري إجراء الاتصال بشيء جديد يُدعى "الانترنت"، لن يفهم قرائي مواليد الألفية هذا الإرباك، لكن صدقوني كانت تلك معجزة لعينة، كان يمكنك أن تلتقط أي سماعة في المنزل وتسمع الكمبيوتر يتحدث بالفعل، كان استخدام الانترنت وظهور الشبكة بالنسبة لجيلي كالانفجار العظيم أو كانفجارات ما قبل عصر الكامبري (قبل 500 مليون سنة)، أحيانًا كان يخالجني الشعور بحتمية معرفتي لكل شيء ولم أكن أسجل خروجي حتى أفعل، بدا الأمر كسباق بيني وبين التكنولوجيا.

و:

كيف أشرح الأمر لمن كان غائبًا، قرائي الأصغر سنًا بمعاييرهم الشبابية قد يحسبون الإنترنت الوليد شديد البطء، وبغيض للغاية وغير مسلٍ، لكن هذا قد لا يبدو صحيحًا، ففي الماضي اعتبرت الأغلبية التواجد على الإنترنت حياة أخرى منفصلة ومميزة عن الحياة الواقعية، لم يكن الواقعي والافتراضي قد انبثق إلى الحياة بعد، وكان المرء هو من يضع حدودًا للعالمين.

واحدة من أفضل الأمور على هذه المنصات كانت عدم اضطراري لكشف هويتي بل كان بمقدوري أن أكون أيًا من أريد، خواص التجهيل جلبت الاتزان لكل العلاقات وأصلحت عيوبها.

يصعب استنتاج أن الاثنين (سنودن وتولينتينو) يتحدثان عن أمر واحد، إذ يشعر كلٌ منهما بالحنين إلى النسخة المبكرة من الإنترنت، سنودن (المولود سنة 1983) يقدّر السرية التي قدمها النموذج الأول للشبكة المستقلة:

"واحدة من أفضل الأمور على هذه المنصات كانت عدم اضطراري لكشف هويتي بل كان بمقدوري أن أكون أيًا من أريد، خواص التجهيل جلبت الاتزان لكل العلاقات وأصلحت عيوبها، كنت أستطيع أن أكون أكثر من شخص. في التسعينيات كان الإنترنت على وشك الوقوع في أكبر خطأ في التاريخ الرقمي: اتجاه الحكومة والشركات لربط أكبر عدد ممكن من المستخدمين بشخصياتهم الرسمية في الواقع، فارضين الدقة على الذاكرة والتطابق مع الهوية والامتثال للأفكار السائدة".

وعلى الرغم من عدم ميل سنودن للشواهد الفلسفية لكن عاطفته هنا نيتشوية إذ يقول الفيلسوف الألماني نيتشه في كتاب "الإنسان كائن بشري أكثر من اللازم"؛ "لعل قيمنا المعرفية تزيد إذا استمعنا لرقة صوت التجارب الحياتية الأخرى بدلًا من التمسك بالصوت الأوحد، فيجلب كل شخص رؤيته وهكذا نقر ونتشارك في حيوات وطبائع الكثيرين بالكفْ عن معاملة أنفسنا بتزمتٍ وجمود".

تربط تولينتينو (المولودة في 1988) تجهيل الشخصيات بالعدمية والتنمر، فرؤيتها أكثر التواءً من رؤية سنودن، ويغلب عليها التردد بشأن ترسيخ الهوية الواقعية في الإنترنت، وتقف على قدم المساواة بشكل رائع إزاء التنمر على الإنترنت:

"يرجع تصاعد التنمر والازدراء الجماعي والمجهولية إلى إصرار الانترنت بقوة على هوية تتطابق مع حقيقة المستخدم وتستحق الموافقة عليها. تجربتي الوحيدة مع ذلك العالم كانت تُشجع فيها الجاذيبة الشخصية وكشف الذات، هذا النموذج الشرعي المؤسف، الذي شغلته النساء أولًا وبعد ذلك عُمم على الانترنت بأكمله، هو ما يحتقره المتنمرون ويرفضوه بقوة، إنهم يزعزعون شبكة صممت على الشفافية ونسب الاعجاب".

جزء من هذا الاختلاف يعود لأسباب جندرية، فسنودن كرجل يمكنه تجاهل الملاحقة ونبش معلوماته الشخصية الذي يستهدف أغلبه النساء على أية حال. في عهد "تخثر منصات التواصل الاجتماعي" كما قالت تولينتينو في 2012، كان سنودن قد اختفى في متاهة شبحية من الشبكات المشفرة، وفقًا لشهادته فحتى وكالة الاستخبارات المركزية CIA تمتلك نسخة منفصلة تمامًا من فيسبوك لكي يمارس عملاؤها تواصلهم الاجتماعي.

إن شعور سنودن بالأسى لفقدانه ملذات الطفولة يعد تحذيرًا، فقد رُوّج كارتون نيويوركر الشهير؛ "لن يعرفك أحد على الإنترنت حتى لو كنت كلبًا" على أنه ساذج، يريدنا سنودن أن نفهم ذلك؛ بدون عملية تشويش ثلاثية سيعرفون عنك وعن نسلك.

أوصاف سنودن لا تضاهي تولينتينو إسهابًا حتى مع كون الاثنين من أهل التخصص، سنحتاج إلى المزيد من هذا، ستنبثق من هذه الشهادات الشخصية المتراكمة صورة لهذا العصر، فالإنترنت كالتغير المناخي يمثّل ما أطلق عليه تيموثي مورتن في كتاب "أهداف كبرى"؛ أمر يصعب استيعابه بسبب وفرة من هدم السياقات الزمنية والمكانية.

في كتاب "الترصد.. أو كيف يصبح الانسان مستخدمًا" والمقرر نشره في 2020، تكتب جوان ماكنيل (المولودة عام 1980) من وجهة نظر "نجم الإنترنت"، الشخص المخضرم في المنصات والمنتديات والحروب الإلكترونية والشركات الناشئة start-ups على نحو لا أظن أني أتمنى أنا أو تولينتيو تحمله، إنها تغرق نفسها في متناقضات تجربة مجردة بقسوة من أي مجاز:

اعتاد الناس الحديث عن الإنترنت بوصفه مكان، الطريق السريع إلى المعلومات، جبهة، الإنترنت كان وِجهة، الآن بات الناس يتحدثون عن الإنترت كشخص يتكلمون معه، حتى إنهم يصفونه بالبليد والغبي ككينونة حقيقية، صديق أو عدو، شيء له عينان.

5 – تسليم سلاح

تتحدث ماكنيل عن"ميوعة المراحل الأولى للإنترنت" وتذكر إيجابياته:

"حظى التنمر العنصري الحقير عبر الانترنت بمطلق الحرية لتدمير المجتمعات، لكن حجم هذه الإساءات كان محدودًا بالخدمة والبيانات المتاحة: حُصر التواصل بين أسماء المستخدمين وحسب، فظلت الحياة الخاصة مصونة، لم يكن بوسع المتنمر أن يبعث برسالة إلى رئيسك في العمل أو يهدد أسرتك أو حتى يدفع بفرقة من قوات التدخل السريع إلى بيتك، كان بمقدور المستخدم أن يستيقظ صباحًا ويمسح اشتراكه في الخدمة الفلانية من خلال الـ usenet ويواصل حياته دون أن يحدث إلى هذه الدائرة مرة أخرى، لم يكن بمقدورك العثور على الأصدقاء القدامى بسهولة كما الحال على محركات البحث في انستجرام ، فهؤلاء كانوا يتبخرون بلا رجعة".

على الجانب الآخر من هذه القصة يتسوق كلًا من سنودن وليندساي لشراء لوازم المطبخ فيلمح سنودن ثلاجة:

"كانت ثلاجة ذكية تروج على إنها متصلة بالإنترنت، يمكنك من خلالها تصفح بريدك الإلكتروني والتأكد من مواعيدك، ومشاهدة مقاطع على يوتيوب أو الاستماع إلى أغاني mp3 بإمكانك حتى إجراء مكالمات هاتفية، كنت على وشك أن أسجل رقم هاتف ليندساي وأخبرها من الجانب الآخر من الطابق أني أتصل من ثلاجة. يرصد جهاز الكمبيوتر بالثلاجة درجة الحرارة الداخلية يتأكد من جودة الأطعمة الطازجة عبر مسح الباركود، يقدم أيضًا معلومات غذائية. أذكر أني قدت السيارة عائدًا إلى البيت في صمت حائر، فالسبب الوحيد لإمداد هذه الثلاجة بالانترنت هو إرسال تقرير إلى المُصنّع عن استخدام صاحبها وأي بيانات منزلية أخرى يمكنه الحصول عليها، يستطيع المُصنع حينئذٍ تسييل هذه البيانات ببيعها، ويفترض أن ندفع مقابل هذا الامتياز".

لماذا تغضبني إذن المراقبة الحكومية إذا كان أصدقائي وجيراني وأخوتي المواطنين يسعدهم للغاية دعوة شركات المراقبة إلى بيوتهم. تخيلت المستقبل الذي قد تضعه شركة smartfridge في مطبخي، إذ ترصد سلوكي وعاداتي، واستخدام ميلي للشرب مباشرة من العلبة دون غسل يدي لتقييم احتمالية كوني مجرمًا".

أو كما يقول سنودن في إحدى أحجياته "ممتلكاتك ستستحوذ عليك في نهاية المطاف"، ليس الأمر أن المستخدم – الإنسان لن يستطيع بعد الآن وقف تشغيل الكمبيوتر المتصل بالشبكة حتى يعود إلى الواقع، بل إن المستخدم الآن يدعو الكمبيوتر ليراقبه ويأسره، ليستثمر في أبسط الأدوات الممكنة أو في التأثيث، في أبسط الأمور وأصعبها: الجوارب، الكتب، الساعات، الأجهزة الرياضية والطبية، وبالطبع الهواتف، هذا المسار لا رجعة فيه، تقول تولينتينو:

"أعترف.. أنا لست متأكدة ما إذا كان التقصي عن الأمر مثمرًا، فالانترنت يذكرنا يوميًا أن من غير المجدي التفكير في المشكلات التي لا تأمل أن تجد لها حلًا، والأهم أن الإنترنت نفسه أصبح الأداة المركزية في العالم المعاصر".

وبالعودة إلى سنودن:

"ليس للتكنولوجيا قسَمًا طبيًا، فالنية التي توجه الاختراع التكنولوجي نادرًا ما تحد من تطبيقاته أو استخدامه إن لم يكن أبدًا، لا أقصد طبعًا مقارنة السلاح النووي بالمراقبة الإلكترونية من حيث الخسائر البشرية، لكن هناك قواسم مشتركة فيما يتعلق بانتشاره وإمكانية نزعه".

في كتاب تسليم السلاح وعودة اليابان إلى السيف، المنشور في 1979، يصف نويل بيرين عهدًا منعت فيه الطبقة الراقية المثقفة في اليابان استخدام البندقية مؤقتًا مفضلين العودة إلى ما اعتبروه سلوكًا أكثر شرفًا وأقل وحشية في المحاربة، كتاب بيرين يعد أُمنية رمزية بنزع السلاح النووي، ربما حان وقت تحديث نكتة فريدريك جيمسون (ناقد أدبي أمريكي ومنظر سياسي ماركسي) الشهيرة التي تقول "إن تخيل نهاية العالم أسهل من تخيل نهاية الرأسمالية"، هل نملك أصلاً القوة لكي نحلم ببعض التضييق على استعمار وقتنا وأيامنا؟ مساحاتنا الشخصية والمشتركة؟ الاستعمار الذي تمارسه على سبيل المثال ثلاجة سنودن؟

قبل بصعة أيام سمعت عبر الإذاعة الوطنية العامة NPR حديثًا عن الجنس الذي يجب أن ننادي به الروبوتات المنزلية مثل خاصية أمازون أليكسا (المساعد الافتراضي)، ولم يصل الحوار إلى نتيجة محددة.

لقد أصبح تخيل قطع الاتصال بالإنترنت امتيازًا أثبته وجود منتجعات فاخرة خارج نطاق الشبكة على جزر منعزلة في البحر الكاريبي وجزر سيشل، أو مختبئة في الشمال الأمريكي تحت أسماء مختلفة مثل أمانجيري Amangiri (جبل السلام) وأموليتو وأراهن أن مثل هذه الأماكن ستزيد.

بعد وقت قليل من تمدد اﻹنترنت أصبح يعتمد عليه الكثيرون كمصدر رزق، أو كمصدر وحيد وفي متناول اليد للقراءة والبحث، فضلًا عن استخدامه كحقل للممارسات الاجتماعية والثقافية في بلد تعاني من لامبالاة حقيرة تجاه قيم "الممتلكات العامة".

يدين الآلاف بل الملايين من المهمشين والمعزولين بحياتهم لوسائل التواصل الاجتماعي، وبلا شك الفضل يرجع لها في ظهور وتضامن حركات مجتمع الميم LGBT وغيرها من الحركات، إن تاريخ وسائل التواصل الاجتماعي يحكيه الربيع العربي، وحركة "احتلوا" الأمريكية، وانتخاب باراك أوباما، وظني أن وقائع كثيرة أخرى ستحكي هذا التاريخ أيضًا.

6. المواطن الرابع Citizenfour

يبلغ "سجل دائم" ذروته أسرع مما ظن سنودن ومما قد يتوقع القارئ، يتضح ذلك في الدراما الحميمية لاكتشافاته وكشفه لذاته وبداية انفتاح شهيته للواقع الافتراضي والأنظمة، وتصاعد نبرة وطنيته في مراحلها الساذجة الأولى وطورها الغاضب الأخير، في مغامراته البسيطة من موظف عادي بعقلية فذة، وفوق كل هذا التشكل البائس لأزمته الأخلاقية، قراءة هذه الأجزاء بديعة، يا له من رجل طبيعي على نحو غريب، سنودن إما يكون الشفرة الغامضة الأخيرة أو أغرب كينونة خرافية عاشت على الأرض، يمكنك أن تراه يدرس نفسه إلى الأبد.

لكن الكتاب يذبل عندما يصل سنودن إلى المجال العام، الفصول الأخيرة القليلة من الكتاب عبارة عن غشاوة من المحامين والمطارات، حتى لحظة اليأس التي يسلم فيها الهارب الكتاب لليندساي المفزوعة، يشعر المرء بذلك من اللحظة التي يفتح فيها سنودن الباب في فندق بهونج كونج ويسكب أسراره أمام الصحفي جرين جرينوالد والمخرجة الوثائقية لورا بويتراس ليوثقا تلك اللحظة من خلال فيلم المواطن الرابع Citizenfour، إنه شبح قصته التي كتبها.

من تلك النقطة فحكاية جرينوالد عن قرار التسريب والشراكة مع المؤسسات الصحفية الأخرى وما إلى ذلك تصبح أكثر تشويقًا.

الدراما الوحيدة التي تبقى هي نجاة البدن والشعور بالوحدة، الجزء الأخير من فيلم بويترا موجع. في الفيلم يهبط سنودن إلى وضع المستمع إذ يشرح له الآخرون العواقب المتتالية لما قام به، المؤامرات المقيتة التي كشف عنها وتسبب فيها على حد سواء، كان رجلًا لديه أمر واحد يريد أن يخبرنا به، وقد فعل، البعض استمع واقتنع والبعض الآخر لم يفعل، لكن الحمى عولجت.


اقرأ أيضًا: هاتفك ليس آمنًا: حكومات شرق أوسطية تتجسس على مواطنيها بدعم من جوجل


يأخذنا الكتاب لأبعد من ذلك، إلى هبوطه في مطار موسكو، لم تعد هناك خطوات أخرى سوى الاحتماء وأمل لم الشمل مع ليندساي، ترأف به الظروف وتظهر فيزورا معًا متحفًا فنيًا، يشعر المرء بالأسى، فلو لم تكتف وكالة الأمن القومي بالعفو عنه بل أعادت تعيينه أيضًا فسيكون هو الشخص المناسب لإصلاح الفوضى التقنية التي خلفها الشخص السابق المدعو إدوارد سنودن، كان سيقوم بعمل رائع، إنه خبير الكمبيوتر.