محمد علي باشا داخل قصر شبرا للمستشرق الفرنسي باسكال كوست

حكاية سفينة الفيل: شبرا من مركب إلى حي شهير

شبرا هي لفظة ذات أصول مصرية قديمة وقبطية، ولها تنويعات مثل شبرو وجبرو وشيبرا، ومعناها الكوم أو التل أو القرية أو الحقل أو الغيط.

منذ أيام، كتبت "بوست" على فيسبوك عن التغيرات الجيولوجية وكيف تؤدي لتغيرات جغرافية، وتطرق الموضوع لنشأة حي شبرا في القاهرة، فذكرت أن شبرا كانت في الأصل سفينة غرقت في النيل وتراكم عليها الطمي وتحولت إلى شبرا، فاستغرب الناس جدًا، "إزاي يا جدع؟"، وبعض من أهل شبرا قالوا "دي أكيد سفينة نوح"، وناس قالوا "إحنا على كده بحارة بقى علشان عايشين في مركب". طب تعالوا نعرف إيه الحكاية.

شارع شبرا 1885

غرق سفينة الفيل

لم يكن نهر النيل يجري دائمًا في المجرى الذي نراه اليوم، فأيام الفاطميين كان نهر النيل يجري في ميدان رمسيس، وليس ميدان رمسيس فقط، لكن آخر شارع عماد الدين في وسط البلد كان هو شاطيء النيل، وكان النيل بيكمل بعدها للشرابية وغمرة كمان، ومكان ميدان رمسيس كان فيه ميناء، اسمه ميناء المقس (المكس)، حيث تؤخذ المكوس أو الجمارك على البضائع، ويقال إن بانيه هو المعز لدين الله الفاطمي، والمؤكد أن المعز أضاف له أرصفة فقط، لكن ربما يكون بناه محمد بن طغج الإخشيدي، مثلما بنى ميناء وترسخانة الفسطاط.

وكان في ميناء المقس ترسخانة لبناء السفن الكبيرة، المهم إن فيه سفينة كبيرة في الحتة دي وفي وسط النيل غرقت، السفينة دي كان إسمها الفيل، مش عارفين هي كانت معدية وغرقت ولا كانت لسه بتتبني وجم يجربوها فغرقت، الله أعلم.

المهم أن سفينة الفيل تراكم عليها الطمي حتى أصبحت جزيرة، سموها جزيرة الفيل، وهي اللي اتسمت جزيرة بدران حاليًا، بعد ما اتدفن فيها الشيخ بدران صاحب الضريح اللي في جامع بدران في العصر العثماني.

طب جزيرة إزاي وهي حواليها اليابس من كل ناحية؟

تحولت هذه الجزيرة إلى أرض خصبة، لدرجة أن صلاح الدين الأيوبي قرر زراعتها، وجعلها وقفًا يصرف من ريعه على المدرسة التي بناها في القرافة، منطقة الإمام الشافعي حاليًا، وكان الطمي يزداد كل سنة مع الفيضان وينحسر النيل، فتزيد مساحة الجزيرة، وفي عهد المنصور بن قلاوون وصل الطمي المترسب الجزيرة بالقاهرة في نقطتين؛ منية السيرج والأزبكية، فتكونت أراضٍ زراعية جديدة، أوقفها المنصور للمارستان المنصوري، أو المستشفى الذي بناه في منطقة بين القصرين، وابتدأت الناس تسكن وتزرع فيها.

ميناء روض الفرج قديمًا. صورة برخصة المشاع اﻹبداعي: ويكيبيديا

وبكده اتقفل على منية السيرج وبعدت عن النيل، بعد ما كانت متنزه على النيل، وكانت على طريق التجارة للإسكندرية، ومليانة معاصر سمسم لإنتاج زيت السيرج، ومن هنا جه اسمها، وكان فيها كمان معاصر للعنب والخمور، وكان معظم سكانها من المسيحيين، وهم أصل مسيحيّ شبرا حاليًا، وعلشان كده كان سوقهم دايمًا يوم الأحد، وفي الربيع بيروحها المصريين كل جمعة وأحد للفسحة والمزيكا واللهو وبيصرفوا فيها فلوس كتير، وكانت مثال للتعايش بين المصريين بمختلف أديانهم.

وبولاق كانت جزيرة

وبالمناسبة، حسب كتاب النيل ومصر القديمة لصالح بدير، وبحسب المقريزي، بولاق أيضًا كانت جزيرة تكونت قبل شبرا ببضعة قرون، وجزيرة الزمالك لم تكن موجودة، وعندما ظهرت سمَّاها العامة جزيرة حليمة، وكانت وكرا للملذات المحرَّمة، بيصرفوا فيها الكثير من الأموال، حتى أوقف ذلك الأمير أرغون العلائي، أما الدقي فكانت جزيرة تسمى أروى، لكن التحمت بالضفة الغربية للنيل.

وحسب الدكتور محمد الششتاوي في كتاب متنزهات القاهرة في العصرين المملوكي والعثماني كانت جزيرة الروضة أو المنيل ستلتحم بالضفة الشرقية للنيل أيضًا حيث الفسطاط ومصر القديمة، لولا أن الأيوبيين والمماليك كانوا حريصين على الحفاظ على سيالة الروضة بحفرها وتحويل المياه من فرع الجيزة إليها، وألا يردمها الطمي كما ردم ميناء المقس لتتكون بولاق أبو العلا، لأنها مصدر المياه للقاهرة العاصمة ومركز التجمع السكاني، كما أنه يوجد بها ميناء الفسطاط أكبر موانيء مصر النيلية وقتها.

قنطرة الليمون 1874

وكان يفصل بين جزيرة الفيل والشرابية بحيرة من الماء، اسمها سيالة الماء، ردمها الطمي في القرن الثالث عشر الميلادي، وأصبح مكانها خطوط السكة الحديد حاليًا من رمسيس إلى الدلتا. والشرابية سميت على اسم طائفة عساكر نقل المؤونة للجيش أيام الفاطميين، ودول كان اسمهم الشرابية.

نشأة شبرا الحديثة

وممن سكن جزيرة الفيل تاريخيًا السلطان المؤيد شيخ وكان له بستان هناك، والأمير أزبك بن ططغ الأتابكي وكان له بستان وسواقي، والأمير عثمان كتخدا القاردوغلي وكان له هناك وقفين.

قرر محمد علي يبني قصر على النيل في شبرا الخيمة سنة 1809، امتد من بركة الحاج حتى شاطيء النيل وقتها، والقصر اتسمى قصر الفسقية، بسبب فسقية المياه المشهورة به، وحب يربط القصر ده بالقاهرة بطريق مخصوص، فكان ده شارع شبرا اللي نعرفه حاليا، وكان على جانبيه اشجار الجميز واللبخ اللي اختفى معظمها الآن، الشارع كان بيمتد من القصر حتى باب قنطرة الليمون، أو كوبري الليمون بسبب باعة الليمون على الكوبري، اللي بقى باب الحديد بعد كده، بعد ردم تفريعة ترعة الإسماعيلية وهدم الكوبري اللي عليها نفسه.

قصر محمد علي بشبرا

وبما إننا في ميدان رمسيس، فأحب أقولكم إن مكان جامع الفتح كان فيه جامع قديم اسمه أولاد عنان، هُدم عام 1970، وكان فيه كازينو البوسفور الذي كان يغني فيه عبد الوهاب وأم كلثوم مكان محطة الكهرباء، وهُدم سنة 1932.

فيه ناس كتير يهمها تعرف ليه المنطقة دي اتسمت باب الحديد، وقبلها باب قنطرة الليمون، طب القنطرة وعرفناها، لكن فين الباب؟ الحقيقة إن كان فيه باب وسور كان بيبنيه صلاح الدين الأيوبي، أو بيبنيه له قراقوش كما قلنا في مقال سابق، لكن لم يكتمل بناؤه، وكان مكانه في مدخل شارع كلوت بك، وكان يشبه بوابة الفتوح، حتى جاء محمد محمد علي فهدمه وهدم سور صلاح الدين في تلك المنطقة.


اقرأ أيضًا: حكم قراقوش: ما يخبرنا به التاريخ الشعبي وتاريخ الحاكم


شبرا بعد عصر محمد علي

بنى الخديوي إسماعيل في شبرا قصر النزهة، الذي أصبح المدرسة التوفيقية حاليًا، وإبتدأ الأعيان والتجار في تشييد بيوت وبساتين على جانبي شارع شبرا، وبدأ العمار يتوسع حتى اختفت البساتين والزراعة، ووصل لحد شط النيل، والسكة الحديد، وترعة الإسماعيلية اللي حفرها الخديوي إسماعيل.

وكان ساحل روض الفرج ميناءً دائمًا لنقل المحاصيل بين الريف والقاهرة، ولذلك تكوَّن سوق الجملة في سوق روض الفرج، الذي تم تصوير عدة أفلام به.

كان محمد علي بنى مصنعًا لتبييض المنسوجات هناك، بجوار قصر الأمير طوسون باشا، حفيد محمد علي، بروض الفرج، وهذا المصنع حاليًا هو مدرسة شبرا الثانوية الأميرية، ومن هنا جاء اسم منطقة المبيضة.

وكان ساحل روض الفرج ميناءً دائمًا لنقل المحاصيل بين الريف والقاهرة، ولذلك تكوَّن سوق الجملة في سوق روض الفرج، الذي تم تصوير عدة أفلام به، مثل الفتوة لفريد شوقي، وسلام يا صاحبي لعادل إمام، لكن السوق حاليًا اتنقل لسوق العبور.

وبحسب الصحفي حسين عثمان، فملاهي الأزبكية كانت تغلق صيفًا، ولم يكن للفنانين مكان في القاهرة، لكن خناقة بين سلامة حجازي ومتعهد حفلات في الشام أدت لتكون مسارح روض الفرج الشهيرة، فاتفق مع أحد أصحاب المقاهي التي تستضيف أصحاب المراكب والشركات على أن يحوّل المقهى إلى مسرح صيفي، وبدأت مقاهٍ أخرى تحذو حذوه، فتحولت المنطقة إلى مصيف فني، ومنها بدأ علي الكسار في 1918، ومن مسارح روض الفرج خرجت لنا فاطمة رشدي وأمينة رزق وبديعة مصابني وفتحية أحمد ونادرة ونعيمة ولعة. وبقي روض الفرج على هذا الحال حتى قضى الكورنيش الذي أنشيء عام 1952 على تلك المسارح.

إعلان عن عرض مسرحي لعلي الكسار على كازينو سان استفانو بروض الفرج

وكانت الترعة البولاقية ترعة أمر محمد علي بشقها ليروي بساتينه ومزارعه، وكانت تتصل بنهر النيل عند مكان رمسيس هيلتون حاليًا، ولم يكن هناك ميدان عبد المنعم رياض نهائيًا، وكانت تجري في شارع الجلاء، حتى تدخل شبرا، لكن العمران أدى إلى ردم الترعة.

أما بولاق، وهنا نتحدث عن بولاق أبو العلا ليس بولاق الدكرور، فإسمها مصري قديم، معناه الميناء، من كلمة بيلاق، وليس بو لاك Beau Lac بالفرنسية كما يزعم البعض حاليًا، فقد ورد اسمها قبل الحملة الفرنسية بقرون، هي وبولاق التكروري (الدكرور) في الكتب التاريخية القديمة مثل النجوم الزاهرة والمواعظ والإعتبار.

شيكولاني وإنجة هانم

شبرا هي لفظة ذات أصول مصرية قديمة وقبطية، ولها تنويعات مثل شبرو وجبرو وشيبرا، ومعناها الكوم أو التل أو القرية أو الحقل أو الغيط، وحسب أستاذ الآثار في جامعة المنصورة، الدكتور محمد أحمد عبد اللطيف، في أحد المقابلات الصحفية، فهناك 177 شبرا في مصر، مثل شبرامنت وشبرا النملة وشبرا الخيمة وشبرا اليمن.

وشبرا الخيمة أقدم من شبرا نفسها، وكان اسمها الأصلي شبرا الخيام أو شبرا الشهيد، لأن بحسب خطط المقريزي والنجوم الزاهرة وبحسب موسوعة تاريخ الأقباط، كان يحتفل المسيحيون بعيد الشهيد الأنبا يحنس السنهوتي في 8 من شهر بشنس القبطي، بنصب خيام على النيل لثلاثة أيام، ومعهم صندوق فيه إصبع الشهيد، يغسلوه في النيل كل عام ليوفي النيل بفيضانه، حتى أبطل ركن الدين بيبرس الجاشنكير هذا الاحتفال، بحجة بيع الخمور والسُكر وقيام المشاجرات، ثم عاد الاحتفال بعدها ب 36 سنة مرة أخرى.

أسماء شوارع شبرا معظمها لها علاقة بأسرة محمد علي، حليم باشا مثلا هو إبن محمد علي، وشارع رفعت هو إبن إبراهيم باشا وحفيد محمد علي، وشارع سعيد باشا وهو الخديوي سعيد، وشارع الباشا هو شارع محمد علي نفسه، وشارع إنجة هانم هي زوجة محمد سعيد باشا.

جامع الخازندار 1915

أما شارع العطار فكان مكانه أرض كبير العطارين الحاج محمد هرمس، وأرض أيوب هي أرض ابنه أيوب، وشارع قبة الهواء هو مكان قصر حريم عمر طوسون، أما الخازندار فهو أمير الخزانة عبد الرحمن الخازن دار، وقصره هو كنيسة سانت تريز الآن، والمسجد مازال موجودًا، أما شيكولاني فهو برنار شيكولاني، الخادم الأرمني للأمير طوسون، ومكان بيته مدرسة الاستقلال الآن، شارع دولتيان على اسم الأمير حيدر دولتيان وقصره الآن مدرسة الخلفاوي، أما فيكتوريا فهي عشيقة أحمد خمارويه أمير الجيوش الفرنسية وكان لها قصر هناك، وللأسف لا توجد معلومات متوفرة عنه، وقيل إنه قائد جيوش سليم الأول.

أما موقف أحمد حلمي فهو على اسم الكاتب والصحفي أحمد حلمي أول رئيس تحرير لجريدة الوفد، أما الشيخ رمضان فسميت على اسم درويش صوفي شهير كان يعيش بالمنطقة اسمه الشيخ رمضان علي الصعيدي، أما السبتية فكان يسكنها التجار اليهود، وكانت إجازتهم يوم السبت، وعلشان كده المنطقة اتسمت السبتية.

مشاهير شبرا

عاش في شبرا في العصر الحديث كل من؛ عبد الوارث عسر وسعاد حسني ويوسف السباعي وطلعت حرب وعلي الكسار وماري منيب وسعاد نصر وبليغ حمدي، ورجاء عبده ومحمد قنديل ويوسف شعبان وليلى طاهر وبوسي ونورا، ووائل نور وخيري بشارة وعقيلة راتب وحسين رياض، وأمينة رزق وفاخر فاخر وهنري بركات وسميحة أيوب ونبيلة عبيد وسراج منير وفطين عبد الوهاب، وداليدا والراقصة كيتي والشاعر إبراهيم ناجي والدكتور جمال حمدان والبابا شنودة الثالث.

داليدا في شرفتها بشبرا

والآن تستخدم شبرا لضرب المثل بعدد السكان والكثافة السكانية، فعلى سبيل المثال قال أحمد موسى إن عدد سكان شارع شبرا أكبر من عدد سكان دولة قطر، وقالها قبله الشيخ زايد آل نهيان لكن على سبيل المزاح، كما سبق وقال عدد من السياسيين والصحفيين على مر العقود الماضية إن عدد سكان شبرا أكبر من عدد سكان اسرائيل، حتى أن إسرائيل ردت عليهم على صفحة إسرائيل بالعربي ردًا أثار الامتعاض، وكلما قامت مشكلة بين مصر ودولة أخرى، يقال "ها نسيب عليهم أهل شبرا"، كما قيل عن إثيوبيا مؤخرًا.


المصادر:

  • الخطط التوفيقية – علي باشا مبارك
  • متنزهات القاهرة في العصرين المملوكي والعثماني – د. محمد الششتاوي
  • المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار – المقريزي
  • تقويم النيل – أمين سامي باشا
  • أحياء القاهرة المحروسة – عباس الطرابيلي
  • النيل ومصر القديمة – صالح بدير
  • Egypt: An Economic Geography by Fouad Ibrahim & Barbara Ibrahim
  • أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم – المقدسي
  • معجم البلدان - ياقوت الحموي
  • نزهة المشتاق في اختراق الآفاق – الإدريسي
  • النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة – ابن تغري بردي