رسوم: هدى حلمي

هويات هشة وسلع بلا روح: ملامح اغتراب جيل اﻷلفية في السينما المصرية

هذا اﻹعلان يقدم وعدًا بالثراء والرفاهية البعيدة عن مشكلات الحياة وضغوطها، بمجرد رشة من ذلك العطر السحري. باختصار هو لا يبيع منتجًا بل هوية.

"ربما لا توجد سعادة ولكني أراها حين أشاهد اثنين متزوجين يسيرون بجوار بعضهم أو حين أرى أصدقاء يتكلمون أمام واجهة متجر، ولكن لما لا أشعر أنا بالسعادة؟" سؤال يطرحه مو (كريم قاسم) في فيلم ليل خارجي للمخرج أحمد عبد الله، والذي يعاني أبطاله الاغتراب عن واقعهم.

يحكي الفيلم عن ثلاث شخصيات يسكنون قرب خط مترو واحد، وعلى الرغم من أن محطة واحدة تفصل بين كل منهم إلا أن الفجوة بين ثقافة كل منهم كبيرة للغاية، بداية من مو، المخرج السينمائي الغارق في مشاكل حياته، والتي سرعان ما يكتشف سطحيتها وضآلتها مع أول صدام له بأرض الواقع، ليشعر وقتها بأنه يعيش داخل فقاعة منفصلة عن العالم الحقيقي. وتوتو، العاهرة التي إنفصلت عن الواقع لدرجة أنها أصبحت تتقبل شتى أنواع الإهانات دون أن تشعر بشيء. ومصطفى، سائق التاكسي الذي يرى أن حياته بلا هدف ولن تتغير أبدًا، والذي أكد على أنه "عمرنا ما هنقدر نغير حياتنا وهنفضل نلف فالترس وخلاص".

مثَّل الفيلم اغتراب أبطاله من خلال مشهد "مو" وخيمته الموضوعة في صالة منزله، التي تمثل اغترابه حتى عن المكان الذي يعيش به، ورأيناه أيضًا في مشاهد الفلاح المهاجر هجرة غير شرعية، الذي يظهر دائمًا وحيدًا مطاردًا بوطنه والتي تملأ المُشاهد بالخوف والوحشة.

ولكن هل كانت حالة الاغتراب التي عرضها الفيلم وليدة لحظة أو مرتبطه بالوقت الحالي فقط؟

هويات هشة

يقول جونا بيريتي الرئيس التنفيذي لشركة باز فيد بأطروحة له إن الدعاية الرأسمالية تفرض على الناس هويات هشة ومرنة، يسهل الاستغناء عنها وتغييرها بأستمرار لتلائم خطوط الإنتاج لتحقيق أقصى هامش ربح ممكن، فعلى سبيل المثال يمكننا أن نتخيل ذلك الإعلان التقليدي المصوَّر بالأبيض والأسود لرجل جذاب يخرج من قصره الفخم ليركب سيارته الفارهة التي تقبع بداخلها امرأة جميلة وينطلق بالسيارة، ثم يظهر على الشاشة شكل زجاجة عطر واسمها.

فهل عرض هذا الإعلان أي شيء عن المنتج؟ الإجابة هنا لا، هو لم يهتم بالمنتج بل يقدم وعدًا زائفًا بامتلاك حياة أفضل عند شرائك لهذا المنتج، وعدًا بالثراء والرفاهية البعيدة عن مشكلات الحياة وضغوطها بمجرد رشة من ذلك العطر السحري. باختصار هو لا يبيع منتجًا بل هوية.

ولسخرية القَدَر فجونا بيريتي، ذو البدايات اليسارية طبَّق هذا الكلام في موقعه (باز فيد) من خلال الأسئلة التي تعرف بـquizzes التي حولت الإنسان إلى سلعة في حد ذاتها، عن طريق سؤاله أسئلة تبدو بريئة ولكن الغرض منها هو خلق هوية استهلاكية مؤقتة، فمن أنت من شخصيات مسلسل Friends والتي تشجعك على الهرع لشراء نسخة منه أو مشاهدته على منصتك المفضلة، إلخ...

هنا أصبح الإنسان هو السلعة وهو المستهلك لذْاته، فيستهلك الهويات التي تفرضها عليه الشركات حتى تفقد معناها ثم يستبدلها بهويات جديدة.

وهذا ما عبَّر عنه عالم النفس أبراهام ماسلو في هرم احتياجاته الذي قسّمه إلى خمس درجات التي تبدأ بالإحتياجات الأساسية للإنسان، وتنتهي بأعلى درجة وهي تحقيق الذات، وماسلو كان يتمنى دائمًا أن تهتم الرأسمالية في يوم من الأيام بإشباع تحقيق الذات، إلا إننا يمكننا إستخدام تعبير جان بودريارد في كتابه Simulacra and Simulation بأن الرأسمالية حوَّلت الهوية إلى صورة طبق الأصل من صورة من صورة من صورة حتى تفقد معناها الأصلي وقيمتها إن وجدت وسط فيضان الهويات التي تقدمها الشركات والصادرة مع العلامات التجارية المختلفة.

وأفضل مثال على هذا ما يقوله تايلر، بطل رواية نادي القتال لـ تشاك بولانيك؛ "نحن أطفال التاريخ الأوسطون الذين ربانا جهاز التليفزيون، وقال لنا إننا يومًا سنصير مليونيرات ونجوم سينما ونجوم موسيقى روك، لكن هذا لن يحدث. ونحن الآن نستوعب هذه الحقيقة".

وبدأت بذور مناقشة الاغتراب في السينما تقريبًا من فترة التسعينيات، فمع تغير شكل إنتاج السينما المصرية بتلك الفترة، وترك مساحة ليست بصغيرة للتركيز على قضايا ومشاكل الشباب، بدأ الحديث عن الاغتراب يصبح أكثر اعتيادية.

خلقت طبقة جديدة من الأثرياء، والذين ظهرت معهم نشاطات تجارية جديدة وغريبة على المجتمع المصري في هذا الوقت.

ورصدت السينما أجواء ما بعد نكسة 1967 التي تسببت بحالة من التشتت والشعور بعدم الانتماء بعد سقوط الهوية المصرية العربية، وأدت بدورها لتغيرات اقتصادية زادت تداعياتها بعد اتفاقية كامب ديفيد أو سياسة الانفتاح التي تبنتها السلطات المصرية، والتي حولت الدولة من الاشتراكية إلى الرأسمالية منقلبة على التراث الناصري، وخلقت طبقة جديدة من الأثرياء، والذين ظهرت معهم نشاطات تجارية جديدة وغريبة على المجتمع المصري في هذا الوقت، مثل المحلات التجارية الكبيرة ومراكز التسوق الخاصة أو المولات.

اغتراب ما بعد النكسة

وأدت هذه التغيرات الجذرية إلى خلق حالة من التشتت في المجتمع ومعها زاد شعور العزلة والاغتراب، وأفضل مثال على هذا هو فيلم اسماعيلية رايح جاي، الذي صدر عام 1997 للمخرج كريم ضياء الدين، ويحكي عن حال الشباب المصري بعد نكسة 1967 بين سعيهم لإيجاد لقمة العيش وصراعهم لتحقيق أحلامهم، فشعورالرفض المجتمعي والاغتراب تجسده شخصية زيزو المهمَّش الذي يرى أن أخيه أخذ منه كل شيء، فهو المنسي في عائلة لم تعطه فرصة التعليم مثل شقيقه ويقف سِنه عائقًا بينه وبين حلمه أن يصبح لاعب كرة محترف، ويشعر دائمًا أنه ليس له وجود في هذه العائلة.

وترتب على دخول مصر في حرب تحرير الكويت عام1991 سقوط نصف ديون مصر، وبداية اصلاحات اقتصادية طويلة بدأت بخصخصة الشركات المصرية، وإلغاء الكثير من الضرائب والإجراءات الجمركية التي سهلت دخول مصر إلى عصر العولمة، فكانت هذه الفترة بداية ظهور مطاعم الوجبات السريعة والتيك أواي مثل ماكدونالدز وبيتزا هت، وظهر مشغِّل الموسيقى المحمول أو ما يعرف بـ الووكمان، وأيضًا ظهر لوح التزلج وخلق معه رياضة جديدة.


وترتب على هذه الظواهر حالة من الصراع بين الجديد والقديم، أو بين العولمة والعادات، ولم يكن الصراع في هذه الفترة بين جيل الآباء الذي يتمسّك بالقديم ويرفض المستحدثات التي يريدها أبناؤه، بل امتد وكان بين الفرد ونفسه، فمحاولة تقبل التغيير الذي طرأ على المجتمع لم تكن بسيطة والتأقلم معها كان صعبًا، وهذا ما تم مناقشته في فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية، للمخرج سعيد حامد، الذي صدر عام 1998 والذي يحكي عن خَلَف، القادم من سوهاج ليدرس في الجامعة الأمريكية ليجد نفسه وسط عالم جديد بعادات وتقاليد لا يعرف عنها شيئًا، وذلك يجعله يرهَب الإختلاط بزملائه إلا في أضيق الحدود، فكل محاولاته للتأقلم تبوء بالفشل، ولم تتغير نظرة الآخرين له، فهو يشعر أنه دخيل على هذا العالم الجديد الذي لا ينتمي إليه.

وحتي مع عرض هذه الأفلام لمشكلات الشباب بشكل عرضي ودون تعمق كبير، فهي تعتبر تمهيد وبداية لصناعة سينما خاصة بالشباب.

رسوم: هدى حلمي

الجنس الآخر

وتسبب دخول الإنترنت في مصر عام 1992 وظهور الفضائيات بحدوث ثورة معرفية غير مسبوقة، ترتب عليها مواجهة المجتمع لمشكلات جديدة لم تكن موجودة من قبل، وتطرقت السينما في هذه الفترة لتناول مواضيع شائكة كان من الصعب طرحها من قبل، فمثلا في عام 2000 صدر فيلم ثقافي للمخرج محمد أمين، ويعد هذا الفيلم بمثابة ثورة في عالم السينما المصري، لمناقشته قضية كان من المستحيل أن تُذكر في العلن، ولم يتناولها أي فيلم من قبل، فهو يعرض حياة ثلاثة شباب في منتصف العشرينات يعيشون حالة من الاغتراب عن الجنس الآخر وكبت جنسي حاد، ليصبح أقصى طموحهم هو نسخ صور من مجلة إباحية أو مشاهدة فيلم "ثقافي".

رسوم: هدى حلمي

مجرد ترس

طرح المخرج طارق العريان في فيلمه السلم والثعبان، الذي صدر عام 2001 مشكلات الشباب في هذه الفترة من خلال شخصية" حازم" الذي يجسّد حياة الشخص الذي يعيش في وضع وشكل اجتماعي مفروض عليه، فهو يعمل في وظيفة لا يحبها أو يهتم بها، ومتزوج لأنه من المفترض من شخص في مثل سنه أن يتزوج، ليجد نفسه أبًا مطلقًا ووحيدًا، ليغرق في إحساس العزلة الذي لا يملؤه سوى السهرات والنساء بشكل مؤقت، وباختصار هو يفعل ما تفرضه عليه الدعايا الرأسمالية، متمنيًا أن يجد نفسه أو هويته أو يشعر بالانتماء لأي شيء.

أما أحمد فيجد نفسه مسؤولًا عن أسرته بعد وفاة والده في وقت من المفترض أن يبدأ فيه حياته، وعلى الرغم من كونه شخص طموح يلتزم بعمله ويحاول أن يرتقي فيه إلا أنه يحاول أن يتناسى هذه المسؤولية من خلال الخمور و دخول علاقات عابرة مع النساء، فهو يُسَكِّن آلام ووحدته، على حد قوله "أنا كل اللي عندي إديته لأمي وأخواتي" فهو يهرب من واقع لا يستطيع أن يرفضه، فهو مثل الكثير من الذين أجبروا على حمل مسؤولية أكبر منهم بكثير.

ونجد أن السينما مليئة بتجارب عديدة ناقشت فكرة اغتراب الشباب عن واقعهم، ومحاولاتهم المستميتة فى الهروب أو التكيف مع هذا الواقع المرير، وتزامنًا مع ثورة المعلومات الجديدة التي سببها الإنترنت الذي أصبح متاحًا للجميع وبتكلفة قليلة منذ عام 2002.

وأيضًا في عام 2003 ازداد عدد القنوات الفضائية وأصبحت ملكًا لشركات خاصة تنتج بنفسها ما يُعرض على قنواتها من أفلام وكليبات في أماكن جميلة ونظيفة وبراقة، على عكس الواقع المحيط بالمُشاهد الغارق بالتلوث والعشوائيات، لتزيد من إحساس العزلة والاغتراب. وظهرت بدايات الاحتجاج على ذلك الواقع بخلق لغة جديدة بين الشباب في هذه الفترة مثل "كبر، نفض، احلق" وغيرهم وبهذه الكلمات رفض وتمرد هذا الجيل على آباءه.

وكان هذا ضمن ما تناوله فيلم أوقات فراغ الذي صدر في عام 2006 للمخرج محمد مصطفى، الذي يتناول حياة الشباب الجامعي من الطبقة المتوسطة الذين يعيشون حالة اغتراب عن واقعهم وعن أهلهم بل وعن أنفسهم أيضًا، فهم يقضون السواد الأعظم من وقتهم بشرب المخدرات وتمضية حياتهم كوقت فراغ كبير، لأنهم يعلمون أن بمجرد تخرجهم لن يجدوا عملًا وسيصبحون عاطلين وبلا أي فرص للزواج أو تكوين حياة ذات معنى أو هدف، لهذا لا يحلمون ولا يفكرون بشيء جدي.

عزلة عقلية

وشعور الاغتراب ليس مرتبطًا بسن معين ففي فيلم قص ولصق الذي صدر عام 2006 للمخرجة هالة خليل، يعرض لنا حياة الشباب الذي بلغ الثلاثين من عمره دون تحقيق شيء يذكر، فهم يبحثون عن أي فرصة للحياة سواء كانت بالهجرة للخارج أو بالزواج أو بالعمل في أي وظيفة متاحة، ولكنهم يخفقون في تحقيق أي من ذلك، فحتى إحساسهم بالحب قد ضاع وتاه وسط زحام الخوف من المستقبل، فمنهم من زهد الحياة ومنهم من غيَّب عقله بالمخدرات، ومنهم من كافح في العديد من الوظائف وادّخر نقودها أملًا في الهجرة، وأخرى تحلم بالزوج المناسب، وفي خضم كل ذلك يظل الأمل خافتًا بعيد عن المنال. وأصبح كل ما يحيط بهم هو الخوف والاغتراب عن واقع مكروه وأهل لا يشعرون بوجودهم أو يعلمون ما يفكرون فيه.

وينظر عالم النفس رونالد دافيد لانج للاغتراب على أنه عُزلة عقلية يرجع حدوثها إلى إنشقاق الشخص عن نفسه وعن العالم المحيط به، ويحدث أثناء نمو الطفل، ويرى أنه يزداد داخل المجتمعات والأسر غير المستقرة اقتصاديًا، لأنها تفرض حالة من العزلة على أفرادها. أو بمعنى آخر فهو يظهر بصورة أوضح في الطبقات الفقيرة.

وأفضل مثال على هذا هو فيلم الماجيك (2007) للمخرج محمد مصطفى، الذي ظهر فيه الغضب والحقد الطبقي، حيث يعرض حياة شباب الأسر الفقيرة التي تعيش تحت خط الفقر في العشوائيات ويعانون الإهمال وسوء التعليم ويقعون بفخ المحتالين بائعي الأحلام، كالفتاة التي تحلم بالعريس الثري الذي سيحمل عنها أعباء إخوتها وينتشلها من حفرة الفقر، ولكنها تصبح ضحية لزواج القاصرات والمتعة. وآخر يتجه للمخدرات بشتَّي أنواعها حتى يصبح مختلًا. ومنهم من اتجه للدين على أمل أن يجد ضالته. وأخر احترف النصب ليحقق حلمه بالثراء السريع.


ويتناول فيلم ميكروفون للمخرج أحمد عبد الله السيد، الذي صدر عام 2010، حياة الفنانين الشباب داخل محافظة الإسكندرية وأحلامهم الضائعة. ونرى نماذجَ كثيرة ومتعددة عن شخصيات تحاول أن تُحقق النجاح في مجالها ولكن توقفها دائمًا القوانين المتحجرة والبيروقراطية، وخوف المجتمع من أي شيء جديد عليه، وهذا يضطر فرقة من الفتيات لإخفاء حقيقة أنهن يغنين عن أهاليهن، ويضطررن لتغطية وجوههن بمكياج كثيف خوفًا من وصمة عار قد يصمهن المجتمع بها، بينما يحاول شاب، باستماتة، السفر لأمريكا ليعمل مع والده كبائع على عربة هوت دوج، بدلًا من أن يصبح فنانًا في مصر، وينتهي أيضًا الفيلم بلا أي بارقة أمل تخرجهم من الظلمات.

رسوم: هدى حلمي

الوطن كسجن

ويعد الصعود السريع للإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من الأسباب الرئيسية في قيام ثورات الربيع العربي، بداية من المدوَّنات التي فضحت فساد النظام الحاكم، فتطورت الدعوات الاحتجاجية التي نظمتها الحركات المعارضة للنظام إلى ثورة شعبية عارمة. إلا أنه بعد العديد من المعارك والتضحيات لم تتغير أوضاع عموم الشباب فلا يزال الخوف والإحباط متربصًا، وأدرك البعض أن محاولة النجاة الوحيدة من الوضع الحالي هى الهجرة بلا رجعة، وأفضل مثال على هذا هو فيلم فبراير الأسود، للمخرج محمد أمين، 2013. الذي يناقش حياة أسرة مكونة من أساتذة جامعيين وعلماء يتعرضون لحادثة يدركون من خلالها أنه لا أهمية لهم فى هذا الوطن الذي يطردهم من داخله، ويشعرون بالغربة وهم فيه، وكل محاولاتهم للهروب منه تبوء بالفشل وكأن الواقع يؤكد لهم على أن لا مفر من الخوف الذي يعيشون فيه.


ونرى أيضًا الاغتراب من زاوية أخرى في فيلم فتاة المصنع، الذي صدر عام 2013 للمخرج محمد خان، الذي يسلط الضوء على أن أقصى أنواع الأمان للنساء قد أصبحت إيجاد زوج مناسب، ويقف ذلك أمام أي قصة حب ممكنة، فتجد بطلته أن حبها مرفوض من الجميع حتى حبيبها ذاته، لأنها من طبقة فقيرة، وتجد أن المجتمع وصمها بالعار لمجرد أنها أحبت، لتعلم أنها تعيش في عالمها الخاص الذي لا يمت للواقع بصِلة، لتصبح مغتربة ورافضة لأقرب الناس إليها.


وصدر فيلم خارج الخدمة، عام 2015 للمخرج محمود كامل، ليعبِّر عن حالة اغتراب وتبلد كلي لشاب وامرأة لا يفعلان شيئًا سوى تعاطي المخدرات والخمول أمام التليفزيون الذي يعرض لهم غليان الشارع المصري، وهم غالبًا لا يدركون أنها نفس البلد الذين يعيشون بها، وأن هذه الأحداث تحدث بالقرب منهم، ولكن الواقع أصبح لا يُحتمل لهم لدرجة أنهما لا يشعران سوى بدخان الحشيش المحيط بهما لا أكثر من ذلك.

رسوم: هدى حلمي

الإنسان كسلعة

ونرى أيضًا قصص الحب الذي يصارع المال والنفوذ، وسيطرة الثقافة التي تزن المشاعر بالمال في فيلم يوم من الأيام، للمخرج محمد مصطفى، الذي صدر عام 2017، الذي يحكي عن مجموعة من المسافرين على متن حافلة يقودها سائق منفصل عن الواقع وغارق في الماضي، يريد أن يعود منه ولو لحظة واحدة. وأخرى تزوجت ثري عربي وتندم على تلك الخطوة، وآخر يحمل قنبلة معه ويريد أن ينهي حياة بشر لا يعلم عنهم شيئًا، لأنه ببساطة يعيش في عالمه الخاص. وآخرون كثيرون يندمون على ارتباطهم بأشخاص لا يحبونهم. ويصوّر الفيلم حالة من العبثية لاغتراب الأبطال عن واقعهم وتفضيلهم للماضي الذى ألفوه. ناقش الفيلم هنا مفهوم "التشيؤ" أو النظر للإنسان على أنه شيء وسلعة، وهذا تعريف جان جاك روسو، للاغتراب فهو تسليم النفس أو بيعها من أجل البقاء على قيد الحياة.

وتستمر محاولة الهروب من جحيم الواقع والوطن، التي لم تقف على حدود الهجرة فقط بل امتدت لمن لا يستطيع الهجرة عن طريق التحايل على القوانين وإجبار زوجاتهم على الولادة بموعد محدد بداخل السفارة الأمريكية كي يحصل المولود على جواز السفر اﻷمريكي، الذي سيكفل للأسرة بأكملها حياة كريمة تحت حماية العم سام، حتى وإن عرَّضت تلك الحيلة حياة الأم والجنين وكل من بداخل السفارة للخطر، كما حدث بفيلم طلق صناعي، للمخرج خالد دياب، الذي صدر عام 2018.


وبالمرور على هذه الأفلام نصل لنتيجة واحدة هي أنه لم تتغير ظروف الحياة لما يسمى بجيل الألفية بداية من مراهقتهم حتى اللحظة الحالية، فهم يعيشون حالة من الاغتراب عن الواقع ومحاولة الهروب منه بشكل أو بآخر ، ويصطدمون دائمًا بفشل كل محاولاتهم لتغيير هذا الواقع، ويجدون عزائهم في محاولات التكيّف سواء بالمخدرات أو الاستغراق في الماضي.

أصبحت المشكلة لأجيال كاملة هي إيجاد حياة أفضل، ممثلة في الهجرة لأي مكان به فرص أفضل للحياة. فالظروف القاهرة التي يعيشون فيها جعلتهم تائهين، يهابون الحياة والحب، ولا يستطيعون سوى إخفاء حقيقتهم عن أنفسهم، ونسيان أحلامهم، ومعها أنهم بشر.