روبرت جونسون. صورة برخصة المشاع اﻹبداعي: ويكيبيديا

عن أسطورة البلوز وهوس الموسيقى ونادي الـ27

إن كان الشيطان قد وعد روبرت حقًا بأشياء رائعة، فالحقيقة أن تلك الأشياء الرائعة قد تحققت بالفعل، لكن للأسف بعد وفاة روبرت المبكرة.

شخصيات هذا المقال حقيقية عاشت في ثلاثينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية. الأماكن أيضًا حقيقية ومازالت موجودة، بعضها أصبح مزارات للمهتمين والمتخصصين، أما الأحداث وإن بدت خيالية فهي ما تناقله الرواة عن حقيقة ما حدث لروبرت جونسون، مع لمسة لا تذكر من خيالي أنا وتخيلي لما حدث.

روبرت جونسون

ولد روبرت جونسون من خلفية أفرو-أمريكية، لأم مزواجة في هازلهيرست ميسيسيبي عام 1911، وكان أبوه الحقيقي يدعى نوح جونسون، تركته أمه ليعيش مع زوجها تشارلز سبنسر في ممفيس، ثم عاد ليعيش معها في 1919 في مزرعة آبي أند ليذرمان للقطن هي وزوجها الجديد الأصغر منها بـ 24 عامًا داستي ويليز، وأصبح يسمى ليتل روبرت داستي.

يقول صديقه ويلي كوفي الذي كان زميله في مدرسة تونيكاز انديان كريك سكول إن روبرت كان يجيد لعب الهارمونيكا وقيثار اليهود وهي آلة موسيقية معدنية توضع في الفم وتولد صوتًا باهتزاز طرفها المعدني، لكنه كان يختفي لفترات طويلة، يظن ويلي أنه كان يذهب خلالها للدراسة في ممفيس.

يقول أقارب فيرجينيا ترافيس، زوجة روبرت التي ماتت أثناء الولادة، إنها ماتت كعقاب من الرب لروبرت بسبب بيعه لروحه للشيطان، فقد ترك حياة زراعة القطن والاستقرار واتجه إلى عزف موسيقى البلوز في الحانات.

عازف جيتار سيء

كان روبرت ربما يعمل في مزرعة دوكري بلانتيشان للقطن أثناء فترة الكساد الكبير، ويتردد على حانات روبينسون فيل التي يعزف بها موسيقيو الدلتا بلوز سون هاوس و ويلي براون وتشارلي باتون، الذين كانوا يعملون بالمزرعة نفسها أيضًا نهارًا، ويتذكره هاوس كفتى صغير يجيد لعب الهارمونيكا، لا يمتلك جيتارًا، لكنه كان يصر على أن يستعير جيتاراتهم ليلعب بها الموسيقى في الاستراحة بين العروض، حين يخرجون لتنسم الهواء خارج الحانة الحارة، لكن عزفه كان سيئًا للغاية، لدرجة أن مرتادي الحانة اشتكوا من لعبه المزعج للجيتار.

اختفى روبرت جونسون قليلًا، قيل ستة أشهر وقيل سنة وقيل سنة ونصف، قيل إنه ربما كان يبحث عن والده الحقيقي في مارتينزفيل، لكنه هناك قابل إيزياه زيمرمان أو آيك، والتي تقول الشائعات إنه تعلم الجيتار من الأرواح بزيارته للمقابر في منتصف الليل، ويقال إن آيك علَّم روبرت كيف يعزف، ويقال إنه دلّه على طريق آخر ليتعلم العزف؛ طريق سفلي مظلم.

عندما سألوا زيمرمان لاحقًا عن روبرت، هل عقد عهدًا مع الشيطان؟ هل باع له روحه؟ كانت إجابات زيمرمان مفتوحة وتحتمل أكثر من معنى، بما فيها أن روبرت بالفعل قد وقع عهدًا مع الشيطان.

ويقال إنه كان يعزف وظهره للجمهور حتى لا يروا كيف يعزف وكيف تخرج تلك الأصوات العجيبة من جيتاره.

عاد روبرت إلى روبينسون فيل، وظهر مرة أخرى في حانة بانكس ميسيسيبي، حيث سون هاوس وويلي براون. هذه المرة كان يحمل جيتارًا على ظهره.

قال له هاوس "إلى أين تذهب بهذا الشيء؟ هل جئت لتزعجنا مرة أخرى"؟
قال روبرت "الآن وقت راحتكم اتركوني أعزف شيئًا".
قال هاوس "يستحسن أن يكون شيئًا جيدًا".

ثم عزف روبرت ليفاجئ الناس في الحانة بعزفه الرائع والمعجز للجيتار، بتكنيك غير معتاد، ويقول هاوس إنه تدلى فكّه من الدهشة هو وبراون، ويقال إنه كان يعزف وظهره للجمهور حتى لا يروا كيف يعزف وكيف تخرج تلك الأصوات العجيبة من جيتاره.

كيف تمت الصفقة مع الشيطان

لا يعرف أحد بالضبط كيف باع روبرت روحه للشيطان في مقابل الموسيقى، لكن تحكي أسطورة مشابهة عن تومي جونسون، وهو أيضًا عازف شهير للدلتا بلوز ولد في القرن التاسع عشر، عن كيف باع روحه للشيطان بالتفصيل، على لسان أخيه لادل جونسون.

حيث يزعم لادل أن أخيه تومي أخذ جيتاره إلى تقاطع طرق مهجور، في منتصف الليل، وأخذ يلعب قطعة صغيرة من البلوز، حتى ظهر له رجل أسود ضخم، أخذ جيتاره منه ودوزنه، ثم عزف قطعة من البلوز أيضًا، ثم أعاد الجيتار له، وبهذا تمَّت الصفقة مع الشيطان.

فهل فعل روبرت مثل تومي؟ لماذا كتب أغنيته الشهيرة كروس رود بلوز عن شخص يركع لله طالبًا الصفح في تقاطع الطرق، وأنه سيغوص في الجحيم؟ لماذا كتب هيل هاوند اون ماي تريل، عن مطاردة كلب من الجحيم له في كل مكان؟ وأغنية مي آند ذا ديفيل، يتحدث عن شيطان يطرق بابه، وأنه يسير معه، أو أغنيه بريتشين بلوز أو الشيطان يعظ.


نادي الـ 27

في سنة واحدة فقط هي 1936 كتب ولحَّن روبرت 29 أغنية، هي كل إنتاجه الفني الذي نعرفه، وذاع صيته وسافر إلى أنحاء أمريكا وكندا يعزف موسيقاه، كثر تنقله لدرجة أن قيل إنه يهرب من شيء ما، لم تؤخذ لروبرت في حياته إلا صورتان فقط، ثم مات فجأة وهو بعمر الـ 27، ليكون واحدًا من مؤسسي نادي الـ 27، وهو العمر الذي تصادف أن يموت عليه عدد كبير من فناني الروك المشاهير، مثل جيمي هندريكس وجيم موريسون وجانيس جوبلين وكيرت كوبان وإيمي واينهاوس والتي قالت بنفسها فيما بدا كنبوءة إنها تخشى أن تموت بعمر الـ 27.

لا يعرف أحد لماذا 27، ربما لأن 27 هي مجموع ثلاث تسعات، 999، أو مقلوب رقم الشيطان 666، فهل فعل هؤلاء الفنانين أيضًا مثلما يقال إن روبرت جونسون قد فعل؟ ليحصلوا على الموهبة والموسيقى الرائعة والشهرة والمعجبين والحياة الصاخبة؟ وهل كان الرقم 27 موجودًا في العقد؟

دوكري بلانتيشان خارج كليفلاند يقال إنها ربما مكان تقاطع الطرق الذي التقى فيه روبرت بعلزبوب، ووقع معه عقد التنازل عن روحه، تقاطع دوكري رود مع الطريق السريع 8، لكن في كلاركسديل ميسيسيبي على بعد 45 دقيقة يوجد نصب تذكاري كبير لجيتارات بلوز ضخمة في تقاطع طرق 49 و61، ويدعوه السكان تقاطع طرق الشيطان، ويؤكدون قصة بيع روبرت جونسون روحه للشيطان.

تقاطع طرق كلاركسديل

لكن يرجح آخرون مكانًا ثالثًا لتقاطع الطرق هذا، وهو قريب من مزرعة دوكري بلانتيشان للقطن، حيث تسلك طريق مهجور ترابي غير مُعبَّد يسمى لاسك رود، تمر بكنيسة ومقبرة على اليسار، تسمى كنيسة ترو لايت، وتمشي ربع ميل حتى تصل إلى التقاطع مع طريق آخر غير مُعبَّد هو ووكر رود، هذا هو تقاطع الشيطان.

مكاسب شيطانية؟

بعد وفاة روبرت ب 30 سنة اُحتفيَ به في الـ Rock and Roll Hall of Fame، كأحد مؤسسي موسيقى الروك سنوات طويلة حتى قبل أن تظهر تلك الموسيقى، وعزف أغانيه إيريك كلابتون وليد زيبلين وكيث ريتشاردز وبوب ديلان، الذين قالوا أيضًا إنهم لم يكونوا ليحققوا ما حققوه لولا أن مهَّد روبرت جونسون الطريق لهم.

إن كان الشيطان قد وعد روبرت حقا بأشياء رائعة، فالحقيقة أن تلك الأشياء الرائعة قد تحققت بالفعل، لكن للأسف بعد وفاة روبرت المبكرة. في أواخر عام 1938 بحث عنه جون هاموند ليُشركه في حفلته الشهيرة في قاعة كارنيجي في مانهاتن، ليكتشف أنه قد مات، واشترت شركة كولومبيا الشركة التي سجلت له إسطواناته، وحاول آلان لوماكس أن يسجِّل له أغانيه عام 1941، ليكتشف أيضًا أنه قد مات، وأصدرت كولومبيا تسجيلاته عام 1961 بعنوان ملك الدلتا بلوز، لتنتشر موسيقاه في العالم كله وتؤثر في ظهور موسيقى الروك في بريطانيا وأمريكا.

وكما سبق وقلنا فقد اُحتفي به في الروك أند رول هول أوف فيم عام 1986، ومُنح جائزة جرامي في 1991 و2006، وفي 2003 صنفته مجلة رولينج ستون في المرتبة الخامسة كأحسن عازف جيتار في التاريخ.

روبرت جونسون. الصورة: جون لوبيز- فليكر

هل تبيع روحك للشيطان؟

أثناء دراستي للأدب الإنجليزي درسنا مسرحية دكتور فاوستوس لكريستوفر مارلو التي صدرت عام 1604، وهي القصة التي جعلتني مهتم بقراءة نسخة جوته الألمانية، فاوست والتي صدرت عام 1808 كدراما ذهنية، وهي عن أسطورة تناقلها ما يسمى أدب الشوارع عن شخصية حقيقية، يوهان جورج سابليكوس فاوست، أو دكتور فاوستو، وهو منجِّم وعالم فلك وكيميائي وساحر ألماني من عصر النهضة، ذاع صيته حتى تكونت حوله الشائعات عن بيعه لروحه للشيطان من أجل السحر.

الوثائق الالمانية القديمة تضاربت حول فاوست، فهو ساحر وزنديق، ومطرود من رحمة الكنيسة، وحاصل على البكالوريوس والماجستير في الفلسفة، ومدرِّس في جامعات جنوب ألمانيا، وطبيب يعالج المرضى ومُحضِّر أرواح، وأحيانًا متهم بالنصب والشذوذ الجنسي مع طلبته، منعت دخوله عدد من المدن، لكن مدحه كثير من مثقفي عصره على سعة علمه في الطب والفلك، ومات في انفجار كيميائي في معمله.


منذ ظهور فاوست والمسرحيات والأعمال الأدبية حوله أصبحت فكرة بيع الروح للشيطان فكرة رائجة لتفسير الموهبة الفجائية، الموسيقار جيوسيبي تارتيني في 1713 زعم أن الشيطان ظهر له في المنام، فأعطاه تارتيني آلة كمان عزف عليها سوناتا، وعندما استيقظ كتب تاريتني نوتة للسوناتا التي عزفها الشيطان، سوناتا للكمان من مقام صول صغير، والتي سميت فيما بعد معزوفة الشيطان.

بعد تارتيني بقرن ظهر نيقولو باجنيني، أعظم عازف للكمان في التاريخ، بدأ كتابة الموسيقى في السابعة من عمره. موهبته وشكله النحيل وعيونه الجاحظة ساهمت في ظهور شائعة بيع روحه للشيطان من أجل الموسيقى. كان يعزف موسيقى سليمة لساعات حتى وأوتار الكمان مقطوعة، حتى إن البعض كانوا يرسمون الصليب على صدورهم في حفلاته الموسيقية حتى لا يتأثروا بالشيطان، وخرج أحدهم من المسرح مسرعًا في فيينا بعد ان قال انه شاهد الشيطان على المسرح مع باجنيني. وعندما كان باجنيني على فراش الموت رفض أن يصلي عليه القس، مما أكد الأسطورة عند العامة.


اللقطات الأخيرة في حياة روبرت

حذَّر سون هاوس روبرت من الشهرة ومن اللعب في الحانات ومن النساء، قال له "عندما تربت امرأة على كتفك لتلعب لها أغنيتك مرة أخرى لا تتحمس كثيرًا، فربما هي إمرأة رجل آخر، وقد تعرض نفسك للقتل". ومات روبرت صغيرًا، وقيل إنه قد مات مسمومًا، وإنه ربما وضع له رجل غيور سم الاستركنين في زجاجة ويسكي انتقامًا منه لعلاقته بزوجته أو حبيبته.

لكن شهود عيان رأوا روبرت يوم وفاته راكعًا على يديه وركبتيه يتضرع لشخص ما، وأحيانا ينبح كالكلب؛ كلب الجحيم، وقالوا إن روبرت كان يتضرع للشيطان الذي أتى ليأخذ ما تنازل عنه روبرت في العقد الذي أبرمه في تقاطع الطرق؛ روحه.


مصادر ومراجع

  • Robert Johnson Blues Foundation (Website)
  • Chasin' That Devil Music: Searching for the Blues - Wardlow and Komara
  • Escaping the Delta: Robert Johnson and the Invention of the Blues – Elijah Wald
  • Mystery Train – Greil Marcus
  • Deep Blues – Robert Palmer
  • Tommy Johnson – David Evans
  • Searching for Robert Johnson – Peter Guralnick
  • Living Blues (Magazine)
  • Blues Traveling: The Holy Sites of Delta Blues – Steve Cheseborough
  • The Story with Dick Gordon (TV Interview)
  • Demythologizing the Blues – David Evans
  • The Land Where the Blues Began – Alan Lomax