تصميم: يوسف أيمن

وزارة الاستثمار ترقد في سلام: ماذا يعني ذلك للاقتصاد المصري؟

يطرح الغياب المفاجئ لوزارة الاستثمار أسئلة كثيرة حول مستقبل الاستثمار الأجنبي في البلاد

قرر رئيس الوزراء، الشهر الماضي، استبعاد منصب وزير الاستثمار، الذي نشأ قبل نحو عقد ونصف، من التشكيل الجديد للحكومة، مع وضع الوزارة تحت إشرافه المباشر، لتشابك عملها مع وزارات أخرى.

المبررات التي قدمتها الحكومة لإلغاء الوزارة في التشكيل الجديد ركزت على عنصرين؛ الأول هو أن الجهاز الرئيسي لوزارة الاستثمار هو الهيئة العامة للاستثمار، وهي لاتزال باقية وسيتم إعطائها صلاحيات واسعة للقيام بعملها في الترويج للاستثمار بمصر وإنشاء المناطق الحرة، والثاني هو رغبة رئيس الوزراء في تولي ملف الاستثمار بنفسه من أجل "التغلب على مشكلة التداخل المستمر بين وزير الاستثمار وبقية الوزراء وغياب التنسيق".

التفكير في إلغاء وزارة الاستثمار ليس بالأمر الجديد، فالموضوع مطروح منذ خروج محمود محي الدين من الوزارة في 2010، لكن الملفت للنظر في تصريحات رئيس الوزراء هو الحديث عن تداخل الاختصاصات بين الوزارة الملغاة وباقي الحكومة، وهو أمر لم تتعرض له التصريحات الرسمية بالتفصيل، لكن كانت له تجليات واضحة في عهد سحر نصر، أخر من تولى هذا المنصب.

لماذا إلغاء منصب الوزير أمرًا يستحق الاهتمام؟

كانت سحر نصر، آخر وزراء الاستثمار، من أكثر المسؤولين اهتمامًا بالظهور في وسائل الإعلام، وخلال سنوات توليها الوزارة منذ فبراير 2017 وحتى ديسمبر 2019، نجحت في تمرير قانون جديد للاستثمار لأول مرة بعد عشر سنوات من آخر قانون صدر للوزارة، كما أطلقت حملات دعائية للخدمات المطوّرة التي تقدمها هيئة الاستثمار لتسهيل تأسيس الشركات، كل هذه الأعمال لم توحي بأن المنصب في طريقه للأفول.

أثارت نصر جدلًا واسعًا وقت الإعداد لقانون الاستثمار الجديد، حيث تحدث إعلاميون عن خلاف داخل الحكومة بشأن توزيع الاختصاصات بين كل وزارة فيما يتعلق بالتعامل مع المستثمرين، الأمر الذي أخّر من صدوره.

تمثل الجدل بين رغبة الحكومة في توحيد الجهات التي يتعامل معها المستثمر لاختصار الوقت والمجهود وجذب المستثمرين للعمل في مصر، ورغبة كل جهاز حكومي في الحفاظ على ولايته على الأصول مثل الأراضي أو سلطته في منح التراخيص أو الإبقاء على السياسات التي ترى كل جهة أنها في الصالح العام.

قطعت الدولة شوطًا إزاء تيسير الإجراءات في السنوات الأخيرة، فبحسب تصريحات إعلامية استطاع مركز خدمات المستثمرين التابع للوزارة جلب ممثلين عن 66 جهة حكومية تحت سقفه لاختصار الوقت الخاص بأعمال تأسيس الشركات، في محاولة لاستكمال تجربة "الشباك الواحد" التي بدأت في 2002 وشهدت انطلاقة وقت تولي زياد بهاء الدين رئاسة هيئة الاستثمار في 2004.

تبدو الصورة إيجابية خاصة وأن الحكومة كانت مهتمّة بمد تجربة الشباك الواحد إلى وزارة الصناعة فيما يتعلق بإتمام التراخيص الخاصة بالمُصنعين، فقد استهدف قانون تيسير منح تراخيص المنشآت الصناعية الصادر في 2017 توحيد إجراءات التراخيص الصناعية تحت مظلة هيئة التنمية الصناعية.

قبل هذا القانون كان المستثمر يضطر للتعامل مع جهات عدة لإتمام تراخيص المشروع الصناعي، وكان المستثمرون الصناعيون يواجهون مصاعب لإتمام التراخيص لأن تأسيس المشاريع الصناعية به العديد من المسائل الفنية التي يصعب على بعض الجهات الحكومية استيعابها، ناهيك عن أنهم لا يجيدون التعامل مع المستثمرين من حيث إدراكهم لأهمية الوقت.

وعملت هيئة الاستثمار أيضًا على التوسع في ضم فروع لخدمات غير حكومية تحت مظلة مركز الخدمات التابع لها، مثل إتاحة خدمات فوري لتحويل الأموال وسداد الرسوم الخاصة بنقابات مثل المحامين والتجاريين وزيادة عدد البنوك التي تقدم خدماتها ضمن عملية التأسيس من بنك واحد إلى خمس بنوك.

دعاية على حساب المحصلة النهائية

لم تكن المحصّلة النهائية لجهود الوزيرة بنفس بريق الدعاية المحيطة بها، فقد استمر تراجع صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة على مدار العامين الماضيين ليصل إلى 5.9 مليار دولار في العام المالي الماضي، بالنظر إلى أن الاستثمار المباشر هو الأطول عمرًا، وضمان تدفقه بقوة يطمئن لاستمرار تعافي الجنيه أمام الدولار في حالة تراجع الاستثمارات الساخنة مستقبلًا، والتي ليست أكثر من ورقة مالية يستطيع المستثمر أن يتخلص منها في أي وقت، كما أن عمرها قصير لأنه سيسترد أصل الدين بعوائده في أقل من عام.

ويختلف الحال إذا ما قرر المستثمر بناء مصنعًا وهو ما نطلق عليه استثمارًا مباشرًا.

ورغم ذلك فإن الاستثمارات الساخنة تساهم في دعم الجنيه في الوقت الحالي بشكل لا يستهان به وهو ما يقلق البعض إزاء مستقبل العملة فهذه الاستثمارات قد تندفع للخروج في أي وقت، ونقصد هنا تحديدًا الاستثمارات في الأوراق المالية والديون.

وقد شهدت مصر سيناريو مقلق لهذا الخروج خلال النصف الثاني من 2018، عندما سجلت استثمارات محفظة الأوراق المالية، التي تشمل استثمارات للأجانب في الديون السيادية مبيعات صافية بنحو 5.9 مليار دولار، وأرجع البنك المركزي ذلك إلى "تقلبات الأسواق الناشئة" في تلك الفترة.

وإذا نجح البنك المركزي من خلال سياساته النقدية في الحفاظ على مكانة متميزة للدين العام المصري كأداة جاذبة للمستثمرين الأجانب خلال 2019، فإن هذا الوضع قد يتغير في أي لحظة مع تحولات الأسواق الدولية، في الربع الأول من العام المالي 2019 سجلت هذه الاستثمارات مبيعات صافية بنحو 2 مليار دولار بسبب تقلبات الأسواق الناشئة والعالمية أيضًا.

كما أن سوق الأوراق المالية المصري "البورصة" ليس في أفضل أحواله في الوقت الجاري بالرغم من المحاولات المستمرة لتنشيطه، وفي محصلة العام الماضي فقد رأس المال السوقي للبورصة المصرية نحو 41 مليار جنيه مما يعكس محدودية السيولة المستثمرة أو طرح شركات جديدة في السوق، ومن المهم أن نشير إلى أن ضعف البورصة المصرية هو أحد نتائج ارتفاع أسعار الفائدة على الديون الحكومية.

المنافسة الدولية الحامية

بمقارنة أداء الاستثمار اليوم ببدايات نشأة وزارة الاستثمار سنجد أن هناك تقدمًا كبيرًا حدث، لكن مصر لا تزال في مرتبة متأخرة إقليميًا ودوليًا.

الشاهد الأبرز على ذلك تقرير ممارسة الأعمال الذي يصدر سنويًا عن البنك الدولي منذ 2003، نفس التوقيت تقريبًا الذي بدأت مصر فيه تجربة الشباك الواحد، ويرصد المنافسة الدولية في مجال تيسير الإجراءات الخاصة بالمستثمرين.

يُظهر هذا التقرير في عام 2005 أن الأيام المطلوبة لإنهاء إجراءات بدء النشاط كانت 34 يومًا، وقد تراجع عدد الأيام المطلوبة بحسب آخر نسخة من هذا التقرير صدرت العام الماضي إلى 12 يومًا.

لكن ترتيب مصر الدولي في مؤشر بدء النشاط عند المركز 90، من بين 190 دولة يرصدها التقرير، في ظل سعي العديد من البلدان خلال السنوات الماضية على اختصار الإجراءات، ربما يقدم ذلك جزء من تفسير لماذا لا يزيد الاستثمار المباشر.

هذا بالإضافة إلى أن الأب المؤسس لتجربة الشباك الواحد، زياد بهاء الدين، لا يشعر بالتفاؤل حيال انتقال ملف الاستثمار لرئيس الوزراء، فهو يرى أن هذا الإجراء قد لا يحدث فارقًا كبيرًا بالنظر إلى إصابة الوضع المؤسسي بالخلل خلال الفترة الماضية.

كان بهاء الدين من أبرز المعارضين لقانون الاستثمار الجديد، وفي مقال له ديسمبر الماضي أعاد الإشارة إلى التعديلات التشريعية التي دخلت على منظومة الاستثمار وقال إنه في إطار تنفيذها "جرى إلغاء ما كانت تتمتع به هيئة الاستثمار من استقلال تنفيذى وإدارى (...) وهذا أدى إلى تقليص صلاحيات الهيئة والحد من قدرتها على التفاعل مع المستثمرين والترويج للاستثمار (…) لذلك فإن مجرد إلحاق الهيئة برئيس مجلس الوزراء لن يحقق الكثير ما لم يجرى تعديل القانون من أجل إعادة استقلال الهيئة وتمكينها من ممارسة دورها كاملًا".

ولا يتضح من حديث بهاء الدين طبيعة الصلاحيات المنتزعة من الهيئة، لكن بحسب تسريبات إعلاميين وقت إعداد القانون وانتقادات صاحب الشباك الواحد المتكررة في الفترة الأخيرة فإن هناك ارتباك داخل الحكومة فيما يتعلق بالقرارات الخاصة بالمستثمرين ومسألة من له الحق في أخذ كل قرار، وقد أشار بالفعل رئيس الوزراء إلى أنه كان يضطر للتدخل بشكل شخصي لتنسيق العمل بين وزارة الاستثمار والجهات الأخرى وأنه أراد أن يكون ملف الاستثمار تابعا له حتى يكون هذا التدخل مؤسسيًا.

ويرى محامو شركات أن مشكلة الاستثمار الأجنبي لا تتعلق بسهولة إجراءات التأسيس والتراخيص ولكن بمجمل مناخ الاستثمار في مصر، فهناك شكاوى من عدم إتاحة الأراضي الصناعية بالكم الملائم بالرغم من جهود وزارة الصناعة مؤخرًا في تيسير ذلك، وصعوبة تسجيل الممتلكات، فمصر في المرتبة 130 بين الدول التي يرصدها تقرير البنك الدولي في هذا المجال.

لا يعني ذلك أنه لا توجد قصص نجاح في مجال تحقيق الموارد المالية الأكثر استدامة، فهناك تطور مهم في إيرادات السياحة التي زادت خلال العام المالي الماضي (2018/2019) بنحو 28%، واستمر هذا النشاط في الرواج خلال الربع الأول من العام المالي الجاري الذي زادت فيه هذه الإيرادات بنحو 5%.

زادت إيرادات السياحة بنسبة 28% في عام 2019 مقارنة بعام 2018

وقد تحسنت أيضًا تدفقات المصريين العاملين في الخارج في أول ربع من العام المالي الجاري لتصل إلى 6.7 مليار دولار مقابل 5.9 مليار دولار في نفس الربع من العام السابق.

هذه كلها مؤشرات تدعم الجنيه، خاصة أنها تتزامن مع تحسن نسبي في ملف إدارة الدين في ظل اتجاه الحكومة لخفض نسبة الديون قصيرة الأجل من إجمالي الدين الخارجي (وصلت إلى 10.2% في 2018/2019 مقابل 15.5% قبل عامين ).

ومع هدوء أسعار النفط عالميًا وانتعاش الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي خفف من تكلفة الطاقة المستوردة بالعملة الصعبة.

تبقى أزمة الاستثمار المباشر

لكن يظل الاستثمار المباشر ومدى استدامته عاملًا للقلق، وإن كان هذا المؤشر أظهر تحسنًا في الربع الأول من العام المالي الجاري، ولم نقرأ توضيحات من الحكومة حول تأثر هذه البيانات بالتعديلات المنهجية التي أقرتها مؤخرًا.

فقد قررت الحكومة تعديل منهجية حساب الاستثمار الأجنبي المباشر لكي تُدخل فيها بيانات الاستثمارات، فلم يكن يتم حسابها من قبل، ولا يتضح من إفصاحات الحكومة إن كان ذلك سبب ارتفاع قيمة الاستثمارات المسجلة، في بيانات البنك المركزي خلال أول ربع من العام المالي، إلى 2.3 مليار دولار مقابل 1.4 مليار دولار في نفس الربع من العام السابق.

وبجانب الاستثمار المباشر، تمثل التجارة موردًا أساسيًا للنقد الأجنبي، وقد تراجعت إيرادات الصادرات غير البترولية خلال العام المالي الماضي بينما كانت الواردات غير البترولية آخذة في النمو.

مقارنة الصادرات بالواردات غير البترولية

باختصار فإن وضع إيرادات النقد الأجنبي في الوقت الحالي يبدو مطمئنًا حتى وإن كان الاستثمار الأجنبي المباشر ليس بكامل عافيته، رحيل وزارة الاستثمار أو بقائها ليس هو الأمر الحاسم لمستقبل الاستثمار في مصر، ولكن الغياب المفاجيء لهذه الوزارة بشكل أشبه بحالات الوفاة بالأزمات القلبية يترك ورائه أسئلة كثيرة حول مستقبل الاستثمار الأجنبي في البلاد.