أمبرتو إيكو في منزله. الصورة: ويكيميديا- رخصة المشاع اﻹبداعي

هوس اقتناء الكتب: من مكتبة إيكو إلى متلازمة دانينج-كروجر

لم يكن ويلر مجنونًا، هذا ما اكتشفته الشرطة، بل عاقل لكنه شديد الاعتداد بمعلوماته.

انتهى معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2020، وكعادة أصبحت سنوية تناولت وسائل التواصل الاجتماعي أحداث المعرض، وانتشرت آراء حول الهوس باقتناء الكتب، بما يمكن اعتباره صورة من صور الصوابية السياسية فخرج البعض يدين ذلك الهوس بشراء كتب أكثر مما يمكن قراءتها والتباهي بذلك على مواقع التواصل الاجتماعي ليثير سؤالًا؛ كم من الكتب يجب أن نشتريه ومتى يتحول الأمر لهوس مرضي يضر ولا ينفع؟

مكتبة أمبرتو إيكو

جمع الروائي الإيطالي وعالم اللسانيات الشهير، أمبرتو إيكو، مكتبة من أكبر المكتبات الخاصة للمشاهير بأكثر من ثلاثين ألف كتاب، تتضمن مخطوطات وأعمال نادرة، لكن شهرة مكتبة إيكو تتخطى ذلك فهي ليست أكبر مكتبة خاصة ولا أغلاهم، لكن سؤال متكرر وردّ عميق؛ جعلا المكتبة شهيرة جدًا حتى صارت مَثَلًا.

كانت من عادات إيكو أن يستضيف المشاهير وأهل الثقافة في بيته حيث مكتبته الضخمة، فتكرر سؤال واحد من ضيوف كثيرين، هل قرأ إيكو كل هذه الكتب أم أنه يقتنيها من باب الهوس والاحتفاظ بالأشياء الثمينة؟ كان رد إيكو مثيرًا للغاية وكاشفًا لفكرة أكثر عمقًا عن الكتب والقراءة والمعرفة كلها.

أمبورتو إيكو. الصورة: ويكيبيديا

يقول نسيم نيكولاس طالب في كتابه البجعة السوداء عن نظرية إيكو، أنه يرى أن حجم معرفتنا الشخصية يتناسب طرديًا مع عدد الكتب التي لم نقرأها في مكتبتنا الخاصة. أي أن معرفتك الشخصية يحددها عدد ما لم تقرأه من كتب تمتلكها. نعم ما قرأته صحيح، كلما زادت عدد الكتب التي لم تقرأها لكن تمتلكها زادت معرفتك. لشرح تلك النقطة دعونا أولًا نحدد ما يعنيه إيكو بكلمة معرفة.

المعرفة الكاملة

يرى إيكو أن المعرفة هي إدراك حدود جهلنا، وليس حجم المعلومات التي نمتلكها. يقول الإيطالي صاحب رواية اسم الوردة إن حجم المعلومات المتاحة مهول في العالم وبالرغم من ذلك فهناك من يدعي معرفته بمجال ما أو مسألة ما بشكل كامل، وللحد من ذلك وإدراك حجم تلك المعرفة الحقيقية يجب عليه أن يعرف ويمتلك دليلًا يؤكد خطأ ذلك الافتراض بالمعرفة، وما من دليل أقوي من امتلاك كتاب لم تقرأه عن موضوع تدَّعي فيه المعرفة الكاملة.

تساعد تلك الطريقة ليست فقط على عدم الإعلان عن المعرفة الكلية غير المتاحة في زماننا، لكن أيضًا في تواضعنا بشأن المعرفة، وتجعلنا في حالة شغف دائم ورغبة في المزيد من الاطلاع والمعرفة والبحث عن كل جديد وقديم عما يشغلنا، فيتبدل اقتناء الكتب من مجرد هوس بالامتلاك لشغف بالاكتشاف وحالة من البحث الدائم مثبتًًا قدمك على أرضية حقيقية قد تكون الوحيدة كذلك، وهي أننا لا نعرف.

تجربة شخصية

لديَّ هوس، لو صح التعبير، باقتناء الأعمال الكاملة لكتابي المفضلين، أظنه أمر منطقي لو أنك ترغب في إدراك أبعاد عالم روائي ما، فكنت أجمع كل كتب كُتَّابي المفضلين دائمًا ومن بينهم الياباني هاروكي موراكامي، وبعد قراءة سبع روايات في مدة قصيرة وأثناء كتابتي لتعليق على الرواية الأخيرة، كنت أحاول بيان التكرار والسِمت الروائي للكاتب في الروايات التي قرأتها، وذلك من خلال عرض الأفكار المتكررة، فالفنان يقدّم في النهاية فكرة واحدة بأشكال متعددة، وبعدما بدأت التعليق بأن كل روايات موراكامي بها كذا وكذا، رفعت ناظري لأجد أن ما قرأت هو أقل من نصف ما أمتلك من روايات لموراكامي، فعدلت التعليق ليكون بين الروايات التي قرأتها وجدت كذا وكذا. ورغم أن كثيرين غيري قد يتحاشوا الوقوع في ذلك الخطأ ويتجنبوا من المرة الأولى استخدام عبارة "كل أعمال فلان"، إلا أن الأمر يصبح أكثر صعوبة عندما يتعلق بمبحث علمي ما أو فترة تاريخية أو مسألة بحثية، قد يغرينا ما عانينا من اطلاع وبحث ودراسة للقول بمعرفتنا الكاملة فيه، لذلك ستقف تلك الكتب شامخة أمام كل فرضيات العلم كصخرة واقع تتحطم عليها كل "أنا".


اقرأ أيضًا: كيف يكتب اﻷدباء؟ المشرحة وملعب البيسبول وقبور القديسين كمصادر للوحي


معضلة عصير الليمون

في صباح يوم عادي عام 1995 انطلق رجل مسلح وهاجم بنكين في بيترسبرج من دون أن يرتدي أي قناع وأثناء خروجه كان يرفع يديه لتحية كاميرات المراقبة، بعد ساعات قليلة من عملية السطو كانت الشرطة قد تمكنت من القبض على الرجل الذي صدم من سرعة القبض عليه، الرجل المدعو ماك آرثر ويلر تعجب من ضياع مفعول عصير الليمون الذي مسح به وجه ليجعله خفيًا.

لم يكن ويلر مجنونًا، هذا ما اكتشفته الشرطة، بل عاقل لكنه شديد الاعتداد بمعلوماته، وكان يظن أن عصير الليمون يُخفي الوجه كما تختفي الكلمات المكتوبة به على الورق.

التقط عالم الاجتماع دافيد دانينج وتلميذه جاستين كروجر القضية وبدأ في تحليلها، فوضعا ما سيعرف بعد ذلك بنظرية دانينج-كروجر عن الانحياز المعرفي، والتي تشير إلى ميل الأشخاص غير المؤهلين للمبالغة في تقدير مهاراتهم، بسبب عدم قدرتهم على التنافس والمعرفة والتفريق بين الشخص الكفء وغير الكفء، أو بسبب معاناتهم من وهم التفوق، ومبالغتهم في قدراتهم المعرفية بشكل يجعلها تبدو أكبر مما هي عليه في الحقيقة.

هذا التأثير قد يخفف من وطأته وجود مكتبة كتب لم تقرأها، أو على أقل تقدير بها عدد كبير من كتب لم تقرأه، بافتراض أنه إذا حاولت متلازمة دانينج-كروجر السيطرة عليك، ترفع عيناك لتنظر للمكتبة وعدد الكتب التي لم تقرأ فتقرِّر تأجيل عملية السطو المسلح ليوم آخر.

صور الكتب الأنيقة

يري البعض أن التحول لوسائل التواصل الاجتماعي لنشر صور ما اقتنيته من كتب ربما يكون بنفس القدر من الضرر، لا يفيد أحدًا أنك اشتريت خمسين كتابًا بل قد يكون مثيرًا بعد موجات الغلاء التي نعاني منها بشكل مستمر منذ سنوات. لكن المسألة أيضًا تبدو نتاجًا جديدًا سيئًا للصوابية السياسية، فمازال الناس يتشاركون ما يحبون دون محاولة التشكيك في نواياهم وسيظلوا كذلك.

نتفليكس

ولَّى عهد الأسطوانات المدمجة وأصبح امتلاك مكتبة من الأفلام مرتبط بشكل حقيقي باشتراك شهري تدفعه لأحد شبكات المحتوى المرئي الكثيرة، ومازال الناس يشاركون قائمة مشاهداتهم كل يوم ويحثون بعضهم البعض على ترشيح أفضل الأعمال للمشاهدة، فالشبكات الشهيرة لديها ملايين الساعات التي يمكن مشاهدتها، ومهما كانت الخوارزميات المُنشَئة لتقديم مقترحات وترشيحات جيدة يبقى العامل البشري هو الأفضل حتى الآن، فيتشارك الناس في الترشيحات والاختيارات دائمًا.

الأمر نفسه يسري على الكتب، فلو أن المتاح هو ملايين الساعات على نتفليكس مثلًا، فالمتاح في مكان كمعرض الكتاب هو l الصفحات، ملايين الكتب، آلاف المجالات والكتاب، فللسبب نفسه يبدو مشاركة ما تم اقتنائه أمر مرغوب فيه وهام جدًا لإثراء عقولنا وحثنا على الشراء وتعريفنا على الكتب الجيدة من خلال أصدقائنا المختلفين.

في النهاية لم يتعرف الإنسان بعد على ضرر حقيقي للقراءة، مهما تنوعت واختلفت، ولم يعلن أحد إفلاسه لاقتنائه الكتب حد الهوس، ولم يُعرف عن مشترٍ جاد للكتب استخدامه للجريمة ليحصل على كتبه. فلا معنى للخوف من هوس اقتناء الكتب، بل لعل ما نطمح إليه كلنا من حياة سعيدة وعقل متحرر من كل سلطة مرهونًا بقدرتنا على اقتناء آلاف الكتب في مكتباتنا الشخصية.