أثناء تعقيم المنازل في قرية السماحية. الصورة: حسنين عبده- المنصة

عزل اختياري وكثير من التعقيم: هكذا يعيش أهالي بلقاس بعد وفاة حالتين بـ"كورونا"

أثناء وروود نبأ وفاة السيدة كانت أميرة في طريقها لكليتها، لتصيبها الصدمة، فجارتها التي كانت تتسامر معها قبل أسبوع في أحوالها الشخصية، توفت بفيروس غامض.

تدق السادسة صباحًا في قرية السماحية بمركز بلقاس(الدقهلية)، والوجوم يخيم على البلدة التي كانت تبدأ نشاطها في وقت مبكر من الصباح.

تمر ساعات طويلة، والشوارع فارغة من المارة، والصمت يسيطر على المباني الريفية البسيطة، المحال والمقاه لم تبدأ نشاطها كالعادة، حتى زقزقة الطيور اختفت في هذا الصمت الرهيب.

وبينما التزم الجميع منازلهم خوفًا من انتشار عدوى فيروس كورونا، كانت أميرة السعيد صاحبة الـ 21 عامًا، تشمر عن ساعديها لتحمل جهاز الرش استعدادًا للمشاركة في الحملة الشبابية لتعقيم المنشآت والمباني، وتنضم لأكثر من 20 شابًا وفتاة قرروا نشر التوعية بين المجتمع حفاظًا على حياة المواطنين.

أميرة طالبة بكلية الحاسبات والمعلومات جامعة المنصورة، من أبناء قرية السماحية، التي شهدت وفاة أول حالة مصرية بفيروس كورونا بمصر، الحدث الجلل الذي دفع الأهالي لتنفيذ العزل الذاتي، وحجّموا تحركاتهم خوفًا من تفشي الوباء.

سيدة إيطالية الجنسية، أتت لقرية السماحية لدفن زوجها بمسقط رأسه، وتبين أنه كان مصابًا بفيروس كورونا فانتقلت العدوى إلى سيدة في الستين من عمرها، لم تصمد طويلًا، لتلقى حتفها في 12 مارس/ أذار الحالي.

حملة شرسة

أثناء ورود نبأ وفاة السيدة كانت أميرة في طريقها لكليتها، لتصيبها الصدمة، فجارتها التي كانت تتسامر معها قبل أسبوع في أحوالها الشخصية، توفت بفيروس غامض لم تسمع عنه من قبل.

عادت الطالبة لمنزلها وحاولت الحصول على معلومات عن المرض، لتفاجئ بحملة شرسة شنها بعض مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب بعزل مركز بلقاس عن باقي الجمهورية، ووصفوه بأنه بؤرة انتشار المرض، فضلًا عن السخرية والتنمر على أهالي المركز.

أثارت تلك التغريدات غضب الفتاة العشرينية، التي قررت مواجهتها وشن حملات لتطهير قريتها مع فريق شبابي تطوع لمواجهة تفشي الفيروس بالجهود الذاتية، وهموا لشراء معدات وأدوات الرش، وانطلق العمل من منزل المتوفاة، واستعانوا بسيارات رئاسة المركز.

وعلى الجانب الآخر، شنت الأجهزة التنفيذية والطبية بمحافظة الدقهلية، حملة تطهير شاملة لكافة أرجاء القرية والمؤسسات الحكومية والتعليمية الموجودة بها، كما تم عقد ندوات للمواطنين لتوعيتهم بخطورة فيروس كورونا وطرق الوقاية منه، وذلك ضمن الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها الدولة لمواجهة تفشي المرض.

أثناء تعقيم أحد الهيئات الحكومية بمركز بلقاس- الصورة: مديرية الصحة 

وما أن ينسج الليل خيوطه يهم الفريق لبدء عمله في تعقيم الشوارع والمنازل، ويرتدون الكمامات الطبية والقفازات والملابس الخاصة حفاظًا على سلامتهم، ويساهم كل شخص في إحضار إما جهاز الرش أو كمية من الكلور بجهوده الخاصة، ويتم خلطهم وفقًا للتعليمات الوزارية.

وعلى الرغم من الجهود المضنية التي يبذلها الشباب، فمازال هناك فئة تعتبر الإصابة بـ كورونا وصمة عار، ويرفضون الاعتراف بوجود فيروس ليس بالقرية فحسب، بل بالعالم أجمع.

لم تعترض أسرة الفتاة على مشاركتها في تطهير شوارع القرية، بل حفزتها وزملائها لأداء واجبهم تجاه وطنهم، والمساهمة في رفع درجة وعي المواطنين بخطورة الفيروس، وضرورة اتباع التعليمات والإرشادات الوقائية، للحد من انتشاره.

وصمة عار

الحياة بالقرية تسير بشكل مستقر إلى حدٍ كبير، وما يثار عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي عن فرض حظر التجول غير صحيح، حسبما أكدت أميرة، ويذهب الموظفون لعملهم صباحًا، وفور عودتهم يلتزمون منازلهم حتى صباح اليوم التالي بإرادتهم، خوفًا على صحتهم وأسرهم، ولا يخرجون إلا لقضاء احتياجاتهم فقط من أسواق مدينة بلقاس، أو المحال التجارية المنتشرة بالقرية، كما منعوا الاختلاط وأغلقت المقاهي التزامًا بتعليمات وزارة الصحة.

وعلى الرغم من الجهود المضنية التي يبذلها الشباب في رفع وعي المواطنين بالمرض، فمازال هناك فئة تعتبر الإصابة بـ كورونا وصمة عار، حسبما صرحت الفتاة، ويرفضون الاعتراف بوجود فيروس ليس بالقرية فحسب، بل بالعالم أجمع.

عزل ذاتي

يتبع سكان قرية السماحية نظام العزل الذاتي، والتزموا منازلهم بشكل شخصي خاصة بعد السادسة مساءً، ومنعوا التجمعات حفاظًا على صحتهم، كما ارتدى عدد كبير منهم الكمامات والقفازات الطبية خوفًا من العدوى.

من قرية السماحية. الصورة: حسنين عبده- المنصة

وعقب هذه الوفاة، أجرت مديرية الصحة بالدقهلية، عدة تحاليل ومسحات طبية لمخالطي الحالة من أسرتها وجيرانها، ومن ضمن 100 شخص خضعوا للفحص تبين إصابة اثنين من أسرة المتوفاة، لينقلا بعدها للحجر الصحي.

وما أن مرت أربعة أيام، حتى تم إعلان وفاة الحالة الثانية لمواطن يدعى أحمد ع. ع. 50 سنة، مقيم بمدينة بلقاس، وأكد بيان وزارة الصحة، أن المتوفى كان مخالطًا للحالة الأولى، الأمر الذي نفاه عددًا من المقربين له، وأكدوا عدم وجود صلة بينهما.

عضوة مجلس النواب السابقة عن دائرة بلقاس، وعمة المتوفى الثاني، هيام عامر، أكدت أن نجل شقيقها لم يخالط الحالة الأولى مثلما جاء ببيان وزارة الصحة، ولا توجد أي صلة أو علاقة تربطهما معًا.

وأضافت في تصريح هاتفي، أن نجل شقيقها يعمل مأمور ضرائب، وشعر بالإعيان يوم الأربعاء الماضي، وتم نقله للمستشفى وإجراء التحاليل الطبية له، وأخبرها الأطباء أن النتيجة سلبية، وتم السماح لأسرته بزيارته، وبعد 5 ساعات فوجئت بمسؤولي المستشفى يخبروها أن هناك خطأ والنتيجة إيجابية وليست سلبية.

وأوضحت أنه تم إجراء المسح الطبي لأسرة المتوفى، وتبين إصابتهم جميعًا؛ زوجته ونجلتيه، سنتين ونصف وتسع سنوات، ونجله 17 سنة، وزوج شقيقته، وتم نقلهم للحجر الصحي في نفس توقيت إعلان وفاته.

وأشارت عامر، إلى أن ما يثار عن نقل العدوى عن طريق نجل المتوفى الأكبر الذي يدرس الطب بأوكرانيا غير صحيح، حيث إنه حضر لزيارة أسرته في 24 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وغادر في 5 مارس الجاري، وحسبما أكده الأطباء فإن فترة حضانة المرض 14 يومًا وبعدها تبدأ الأعراض في الظهور، لكن نجله لم تبد عليه أعراض مرضية خلال فترة إجازته، وغادر وهو سليم تمامًا.

وفي السادس عشر من مارس الجاري، أجرت الدكتورة هالة زايد، وزيرة الصحة، مداخلة هاتفية لبرنامج "الحكاية" مع الإعلامي عمرو أديب، صرحت خلالها أن هناك 300 أسرة بمحافظة الدقهلية تم وضعهم بالحجر الصحي، التصريح الذي أثار الذعر بين المواطنين بجميع المحافظات، وخرجت بعض التدوينات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب بعزل سكان محافظة الدقهلية وخاصة مركز بلقاس، حتى تطهيرها بالكامل، ووصفوها بأنها بؤرة انتشار الفيروس.


وأكدت البرلمانية السابقة، أن تصريحات وزيرة الصحة حول عزل 300 أسرة مغلوطة وغير دقيقة، حيث أن بلقاس ليس بها 300 أسرة، وإذا صح فكان يستوجب حضورها للمكان ومعاينته بنفسها، فالعدد الذي ذكر مهول وعزله يحتاج لمحافظة كاملة وليس مستشفى.

كما استنكرت حالة التنمر التي يمارسها البعض على أهالي مركز بلقاس، بسبب وفاة الحالتين، مؤكدة أن البلد آمنًا، واستجاب جميع مواطنيه للتعليمات الوقائية، ولا يستدعي الأمر كل هذا التنمر والسخرية.

تطهير يومي

فيما أوضح عمدة الصلاحية (مسقط رأس الضحية الأولى)، محمد مجدي، أن القرية يبلغ عدد سكانها حوالي 15 ألف نسمة، وتتميز بارتفاع نسبة التعليم التي تتعدى 80%، وفور ظهور الحالات اتخذ الأهالي كافة الإجراءات الاحترازية اللازمة بشكل شخصي بدون توجيه.

وتابع أنه يتم تطهير الشوارع والمدارس والمؤسسات الحكومية بشكل يومي، وغلق المقاهي ومنع الشيشة حفاظًا على صحة المواطنين، مؤكدًا أن الأمور تسير بشكل طبيعي وأكثر حرصًا، والأسر ملتزمة بمنازلها بإرادتهم ووعيهم وثقافتهم.

ومع إعلان وفاة الحالة الثانية، تطوع مجموعة من شباب بلقاس، لمشاركة القيادات التنفيذية في تطهير الشوارع والقرى، وانتقلت المبادرة لأكثر من مركز بنطاق محافظة الدقهلية.

أحد الشباب المشاركين في حملة تعقيم المنشآت- الصورة: أحمد مكي

وقال مؤسس الحملة، محمد أبو كريمة، إنه فور إعلان وفاة الحالتين، دعا أصدقائه وجيرانه لتنظيم حملة لرش وتطهير المنشآت وأماكن التجمعات بنطاق المركز، وبدأت بـ 5 أفراد وتجاوزت حاليًا 20 فردًا.

وأضاف أن الحملة تضم فتيات وشباب ورجال جميعهم من ابناء المركز، تطوعوا بجهودهم الذاتية من منطلق شعورهم بالمسؤولية تجاه بلدهم، وتم فرض الحملة على رئاسة المركز بالتعاون مع غادة الحمادي، نائب رئيس المركز.

وأوضح كريمة، أنه تم تقسيم المركز بالكامل لثماني مربعات، لتسهيل العمل، وتم توفير معدات الرش والمواد بالجهود الذااتية الخاصة، وذلك وفق خطة محكمة للسيطرة على البلدة بأكملها.

وأشار إلى أن الحملة انتقلت لقرية الصلاحية، وأجرت تطهيرًا شاملًا للمنازل والشوارع، بالتعاون مع بعض شباب القرية الذين انضموا للحملة، مؤكدًا أن العمل مستمر يوميًا.

ومن بين أعضاء الحملة، السيد المندوه عاده، 48 سنة، مهندس زراعي، مقيم بمدينة بلقاس، والذي أكد أن تصريحات الوزيرة بعزل 300 أسرة مبالغ فيها، وأثارت الرعب بين المواطنين، لافتًا إلى أن مركز بلقاس عبارة عن عائلات وأقارب يعرفون بعضهم.

مبالغات

وأضاف أن وفاة حالتين بالمركز لا يستدعي كل ما أثير حول بلقاس، ووصفها بأنها بؤرة المرض، خاصة وأن شبابها واعٍ ومثقف، وما أن شعر بخطورة الموقف ألغى التجمعات والتزم منازله، ولا يخرج إلا للضرورة لقضاء مصالحه، وذلك من تلقاء نفسه بدون أي ضغط أو قرار من أحد.

فيما أبدى أحمد مكي، من أبناء بلقاس، استياءه مما أثاره البعض حول ضرورة عزل كل مواطن بلقاسي في منزله، ومنع اختلاطه مع المحافظات الأخرى، مؤكدًا أن المدينة آمنة والأمور تسير بشكل طبيعي، ويقضي المواطنون مصالحهم بشكل طبيعي في كافة الهيئات الحكومية، والمحال التجارية.

اتخذت محافظة الدقهلية إجراءات احترازية ووقائية بكافة المراكز والمدن، ووجهت حملات لإغلاق مراكز الدروس الخصوصية منعًا لتجمع الطلبة.

وأشار إلى أن مجموعة من الشباب تطوعوا بالتنسيق مع بعض النواب ورئاسة المركز، لتوزيع القفازات الطبية والكمامات على المواطنين، وتطهير يد أي شخص يسير في الشارع بالكحول الطبي، في مشهد أكد مدى وعي وثقافة أهالي المركز.

اتخذت محافظة الدقهلية إجراءات احترازية ووقائية بكافة المراكز والمدن، ووجهت حملات لإغلاق مراكز الدروس الخصوصية منعًا لتجمع الطلبة، وأخرى على المقاهي الكافتريات لمنع استخدام الشيشة والأكواب الزجاجية، واستبدالها بالورقية أو البلاستيك لمرة واحدة فقط، ووجهت بإغلاق الأسواق الأسبوعية بنطاق المحافظة، ومنع عمل قاعات الأفراح أو تنظيم ندوات أو حفلات.

إغلاق مراكز الدروس الخصوصية

وفي بلقاس، تم إغلاق أكثر من 15 مركز دروس وعددًا من المكتبات، وتخصيص خط ساخن لتلقي البلاغات عن وجود أي تجمعات أو سناتر مفتوحة، كما تم شن حملات لتطهير وإغلاق سوق قرية منشأة بسنديلة بالوحدة المحلية بالزهراء، وسوق قرية 54 بالوحدة المحلية بالحفير والأمل، وسوق مواشي بندر بلقاس الأسبوعي على طريق عمار، منعًا للاختلاط أو التجمعات.

خلال حملة شنتها مديرية الصحة بالدقهلية لتعقيم المنازل. الصورة: مديرية الصحة 

وأوضح نائب المحافظ والمتحدث الرسمي لمحافظة الدقهلية، هيثم الشيخ، في تصريح هاتفي، أن قرار إغلاق الأسواق الأسبوعية لم يؤثر على سكان السماحية، وذلك لأنها قرية صغيرة لا يوجد بها أسواق، ويقضى مواطنوها احتياجاتهم من مدينة بلقاس بشكل طبيعي، كما يوجد محال تجارية منتشرة بالقرية والمركز بها كافة الاحتياجات اللازمة، مفتوحة ولم تغلق، ويتم شن حملات عليها لضبط الأسعار.

وكيل وزارة الصحة، الدكتور سعد مكي، أشار إلى أن هناك خطة محددة من مديرية الصحة ممثلة في إدارة الطب الوقائي، لتطهير وتعقيم كافة المنشآت بالمركز والشوارع والمباني، وتثقيف المواطنين بالمرض، وتعريفهم بالأدوات الوقائية وأهميتها وكيفية استخدامها بشكل صحيح للوقاية من العدوى.

وعلى الرغم من مرور أكثر من أسبوع، إلا أن أصداء وفاة الحالتين مازالت تسيطر على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى الجانب الآخر تواصل أميرة وفريقها أعمال التطهير والتعقيم حفاظًا على حياة جيرانها.