بوابة سجن طرة - الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية

أوضاع السجناء في زمن كورونا: تعتيم كامل.. والسماح بإدخال الأدوية والنقود والليمون

على الباب الحديدي للسجن، وقف أحد الضباط بجوار أحد المسؤولين عن تفتيش الزيارة، ووضع منضدة صغيرة أمام الباب الخارجي للسجن، وارتدى الشخص المسؤول عن التفتيش كمامة وضعها على فمه، وقفازًا كان يستخدمه لوضع يده على وجهه من حين لآخر.

كان أحمد سمير يرتب محتويات الزيارة الأسبوعية التي يصطحبها معه في زيارة شقيقه المحبوس احتياطيًا في سجن طرة، عندما صدر قرار تعليق الزيارات في السجون المصرية لعشرة أيام في سياق الإجراءات الاحترازية التي اتخذت لمحاولة الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد.

يزور أحمد شقيقه الذي لم يتجاوز عمره 30 سنة كلَّ ثلاثاء. ولأنه من محافظة الإسكندرية فعادة ما يسافر إلى القاهرة قبل يوم من الزيارة ويبيت ليلته لدى أحد أصدقائه هناك.

بعد سماع الخبر الذي بدأت القنوات التلفزيونية ومواقع الأخبار بثه الأحد الماضي، يقول أحمد "وقفت أبص لحاجة الزيارة ومش عارف هعمل إيه، طيب هدومه النضيفة اللي اتغسلت واللي معندوش غيرها جوة هيلبس إيه وياكل إيه هو وصحابه، والشك بدأ يجيلي ليكون اكتشفوا حالات إصابة جوة وخايفين يقولوا".

حالي لم يختلف كثيرا عن حال أحمد. فموعد زيارتي لزوجي طبيب الأسنان وليد شوقي، المحبوس على ذمة القضية 621 بتهم نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة محظورة، يحل يوم الأربعاء. استقبلت الخبر بخليط من مشاعر الخوف والقلق، لأن الزيارة كانت هي السبيل الوحيد للاطمئنان على زوجي.

يوضح أحمد، الذي يواجه شقيقه نفس التهم التي يواجهها وليد، أنه الشقيق الأكبر لإخوته، ووالده طاعن في السن، فأصبح هو المسؤول عن تدبير وتجهيز الزيارة الأسبوعية لأن والدته متوفية وشقيقاته متزوجات. يفعل ذلك منذ سنتين تقريبًا عندما قبض على شقيقه.

بعد إعلان وقف الزيارات، اتصلت بمحامي وليد أساله عن إمكانية ترك أموال في الأمانات أو ترك طعام ودواء، فوعدني بالسؤال. ردوا عليه بأنه من المسموح ترك الأطعمة والأموال فقط، فأخبرت صديقاتي بتغيير الخطة الأسبوعية ومحتويات الزيارة وفقا للظروف الجديدة.

ذهب أحمد يوم الثلاثاء، وترك جزءًا من الطعام وأموالًا في الأمانات لشقيقه "مرضيوش ياخدوا الأكل كله، خدوا نصه وقالوا أكل يوم واحد بس وفلوس، مفيش هدوم ولا مناديل حتى ولا مطهرات وقالوا يبقى يشتري من جوة من الكانتين".

في اليوم التالي، يوم الأربعاء، ومع بداية انتشار الفيروس على نطاق أوسع في مصر، ذهبت في موعد زيارتي، وحملت ما حضرته لوليد معي؛ طعام وسجائر، وعلبة مناديل وعلبة مناديل مبللة، ومطهر للأيدي، ولبن ونسكافية وبسكويت وعصير.

الطعام ممنوع

على الباب الحديدي للسجن، وقف أحد الضباط بجوار أحد المسؤولين عن تفتيش الزيارة، ووضع منضدة صغيرة أمام الباب الخارجي للسجن، وارتدى الشخص المسؤول عن التفتيش كمامة وضعها على فمه، وقفازًا كان يستخدمه لوضع يده على وجهه من حين لآخر.

كان الطابور قصيرًا وسريعًا، يرفضون دخول شيء سوى الطعام المطهو والسجائر، وسُمِح لي بإدخال المطهر والمناديل المبللة فقط ورفضت بقية محتويات الزيارة، مثلما سُمح لصديقة ترافقني دومًا في الزيارة لزيارة ذويها بإدخال "ربع جبنة رومي"، ولم يُسمح لصديقة أخرى بإدخال نفس الكمية من نفس الجبن.

قرار تعليق الزيارات امتد بعد انتهاء أجله حتى نهاية مارس/ آذار الجاري، وسبقه قرار وقف جلسات المحاكم، ليأتي الأسبوع الثالث لانتشار الفيروس في مصر على أهالي المحبوسين، دون رؤية أهلهم والاطمئنان عليهم.

قبل إعلان مد فترة تعليق زيارات السجناء، انتظرت سلوى عبده لوقت متأخر أي أخبار عن فتح الزيارات مجددا بعد نهاية الأيام العشرة، فهي تتمنى رؤية ابنها في زيارتها الأسبوعية يوم السبت، ولكن علمت بمد فترة تعليق الزيارة، فأحضرت الطعام، والسجائر، استعدادا لزيارة جديدة دون رؤية نجلها.

وصلت سلوى إلى السجن، ووقف أيضا أحد الضباط بجوار مسؤول التفتيش الذي وقف هذا اليوم دون قفاز أو كمامة، قائلًا "خلاص مبقاش في أكل مطبوخ هيدخل، دوا وفلوس وسجاير بس"، فحاولت إقناعة بالسماح بإدخال الطعام تلك المرة وفي المرات القادمة لن تعد أطعمة "فضلت أقوله دخله بس المرة دي أنا وقفت أعمله طول الليل وتعبت فيه ولو رجعت بيه هيبوظ"، فرفض وقال "يا ست لو مبطلتيش هلغي لك الزيارة خالص".

التعليمات الجديدة، جعلت مكونات الزيارة محدودة ومحيرة أيضا، ففي يوم الأربعاء ذهبت بصحبة صديقتي في موعد زيارتنا الأسبوعية، أحضرت إحداهما ملابس نظيفة تأمل إدخالها، وأحضرت الأخرى زجاجة بلاستيكية من الكحول، جلسنا وبحثنا عن أشياء لتقوية المناعة، وقررنا شراء ليمون وعقارين لتقوية المناعة وفيتامين سي، ووقفنا لطابور الزيارة.

في طابور الزيارة أمام باب السجن "بيئة خصبة للوبا"، هكذا قالت صديقتي التي حاولت إقناع الأهالي بترك مسافات فاصلة. بعضهم استغرب وآخرون لم يبالوا واستجاب قليلون لندائها.

وقفنا بعيدًا ننتظر الدور في محاولة للحفاظ على بعض المسافات، والتأكيد على عدم العناق أو السلام بالأيدي، حتى جاء دورنا في الطابور، وهنا نسفت كل الاحتياطات، فأصبحنا على مقربة من بعض بسبب الزحام، الذي يخففه بساطة محتويات الزيارة التي تخضع للتفتيش، فقد كانت تمر ببطء رغم ذلك.

طابور الزيارة أصبح شبيهًا بطابور مدرسي، حتى محتويات الزيارة التي أحضرها الأهل لذويهم كانت موحدة كزي تلاميذ المدرسة، فالجميع اشتري الليمون لتقوية المناعة، واستعان بالعقاقير الطبية أيضا، حيث لا بديل آخر.

ليمون وأدوية

جاء دوري لتفتيش الليمون والدوار وترك الأموال في الأمانات، فسألت المسؤول عن التفتيش عن سبب منع الأكل، فماذا يأكل السجناء بالداخل، ليرد "بنأكلهم أحسن أكل"، كما طلبت منه صديقتي إدخال الملابس لشقيقها "ممكن تدخل له حتى بنطلون علشان من آخر مرة خدته أغسله ومعندوش غيره؟"، فقال لها ألا تشعر بالقلق "جبنا لهم هدوم جديدة متقلقيش".

أتممنا التفتيش، ثم تحركنا نحو السيارة لمغادرة المكان، وأخرجت إحدي صديقاتي "جل"، لتعقييم الأيدي. انطلقت السيارة في طريقها ونحن نتساءل بداخلها "متى يمكننا رؤية المساجين مجددا؟".

على باب السجن، وضعت لافتة مدون بها رقم حساب، يمكن من خلاله تحويل الأموال للمساجين من أي مكتب بريد، ولكن أحد عيوب تلك الطريقة أن الأموال تصل للمسجون بعد ما يقرب من 15 يوما، بحسب إحدى السيدات التي أخبرتنا بمحاولة استخدامها من قبل بسبب وجودها في المنيا، وصعوبة السفر عليها لبعد المسافة "الفلوس بتوصل في نفس اليوم بس هنا في السجن بتفضل 15 يوم على ما تطلع للمسجون".

على باب سجن طرة - الصورة من صفحة المفوضية المصرية للحقوق والحريات

على أنغام أغانٍ شعبية في السيارة، حاولنا التظاهر بالتماسك ونسيان الأمر باعتباره سحابة عابرة ستزول قريبًا، لكننا في الوقت نفسه كنا نداري نظرات الخوف والقلق من المجهول، فللأسبوع الثالث على التوالي لا نعلم شيئا عن ذوينا بالداخل، ولا نعلم هل يأخذون احتياطات التعقيم والنظافة ضد الفيروس، أم أنهم لا يدركون خطورة الأمر باعتبارهم معزولين عن العالم الخارجي؟ أنهينا الحوار بأننا لا يجب أن نستسلم للحزن لأنه يقلل المناعة، ونصبح عرضة للإصابة بفيروس كورونا.

على الرصيف جلست سيدة تبكي لأنهم رفضوا استلام أدوية مضادة للبرد والكحة أحضرتها لزوجها مثلما رفضوا استلام البسكويت؛ "هفضل لحد امتى معرفش حاجة عني هتجنن وأشوفه، وهموت من الخوف، خايفة يظهر أي حالات جوه ومحدش يعلن وتبقى كارثة، وهما لا عندهم مناعة ولا المكان اللي هما فيه مؤهل لحمايتهم".

نعمة هشام زوجة المحامي الحقوقي محمد الباقر، كتبت تفاصيل الزيارة الأخيرة على فيسبوك "النهاردة وأنا بسيب لمحمد حاجته في الأمانات، اترفض دخول التالي كلوركس، ليفة جسم، فرشة أسنان، كمامات وجوانتيات، ووايبس ديتول. أنا حقيقي مش قادرة أفهم ليه، والإجابة اللي بتتقالي لما تفتح الزيارة دخلي اللي إنت عايزاه كأني جايباله تورتة مثلاً! كأن المسجون مش مواطن بيتطبق عليه تعليمات وزارة الصحة الخاصة بالنظافة والحماية من الفيرس. ومفروض يفضلوا قافلين عليهم بالشهور بدون أي نوع من أنواع التواصل لحد ما يفتحوا في الآخر ونكتشف مين عايش ومين مريض ومين مات".

زوجة القيادي بحزب مصر القوية اقترحت حلولًا لطمأنة أهالي السجناء "ممكن مصلحة السجون تنزل بيان فيه الخطوات اللي بتحمي فيه المساجين من كورونا، زي مثلاً إنهم يقولوا إنهم بيعقموا الزنانزين 3 أيام في الأسبوع، ومسموح مثلاً للمساجين شراء الكحول المطهر والكلوركس من الكانتين، ويقولولنا الأكل بيتعمل ازاي وبيتسلم للمساجين ازاي، واللي بيتعاملوا مع المساجين بيبقوا لابسين ايه ومعقمين نفسهم ازاي، واللي بيشتكي من أعراض بيتكشف عليه ازاي، وبيتبلغ أهله لو فيه إصابة ازاي، وهدومهم بتتغسل ازاي، الخ.. شوية تفاصيل كدا وشوية شفافية، ما تأذيش أي حد، وما تنتهكش أي خصوصية أو أي أمنيات، وما تسببش أي ضرر لأي حد، لكنها إجراءات طبيعية بإعتبارهم بني آدمين ومواطنين وليهم حقوق وليهم أهل".

"خرجوا المساجين"

دعوات عدة أطلقها نشطاء وسياسون للإفراج عن السجناء الأكبر سنًا، ومعتقلي الرأي والمحبوسين احتياطيًا ممن لم يتورطوا في إراقة الدماء، ولم تلقَ ردًا من السلطات المصرية عليها حتى انتقلت إلى الشارع عندما نظمت أسرة الناشط والمبرمج علاء عبد الفتاح وقفة احتجاجية محدودة شاركت فيها والدته ليلى سويف وشقيقته منى وخالته الكاتبة أهداف سويف أستاذ مساعد العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية مقابل مجلس الوزراء.

ألقي القبض عليهن وإطلق سراحهن لاحقًا بكفالة بعد اتهامهن بالتجمهر والتظاهر دون تصريح. بعدها، كتبت ليلى سويف وهي أستاذة الرياضيات بجامعة القاهرة عبر حسابها على فيسبوك أن سيارة الترحيلات، وقسم شرطة قصر النيل بيئتان مؤهلتان لانتشار فيروس كورونا بسبب عدم النظافة.

جانب من الوقفة الاحتجاجية لعائلة علاء عبد الفتاح - من صفحة شقيقته منى على فيسبوك

قطاعات الدولة، خرجت ببيانات توضح خلالها الإجراءات الوقائية والاحترازية من فيروس كورونا، منها الجامعات والمدراس، والمصالح الحكومية، وآخرها إلغاء الصلوات في الجوامع والكنائس لمنع التجمعات، لكن لم تخرج بيانات أو توضيح لما يحدث داخل السجون، أو ما هي الخطة التي تتخذها الدولة لحماية السجناء والعاملين بالسجون من الإصابة بالفيروس، أو خطة تطهير أو تعقيم أماكن الاحتجاز بالسجون وأقسام الشرطة.

دويشه فيلله نشرت تقريرا بعنوان "أزمة كورونا.. سجون مصر برميل بارود قابل للانفجار"، تحذر خلاله من زيادة أعداد المساجين، وإمكانية انتقال الفيروس، بسبب ضعف الإمكانيات داخل السجون المصرية المكتظة كما وصفتها.

لاحقًا، نيابة أمن الدولة العليا أمرت بإخلاء سبيل 15 من أعضاء أحزاب وقوى سياسية، بينهم الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية، وشادي الغزالي حرب، وحازم عبد العظيم، و12 آخرين من المتهمين على ذمة التحقيقات في وقائع نشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة محظورة. وجاء قرار إطلاقهم دون أي إشارة لفيروس كورونا أو بدء الاستجابة لمطالبات الإفراج عن المعتقلين.

وتبلغ نسبة التكدس في السجون المصرية وفقًا لتقرير للمجلس القومي المصري لحقوق الإنسان عام 2016، نحو 150 بالمائة وتتجاوز 300 بالمائة في أقسام الشرطة والمديريات.