خفاش فوق المدينة. التصميم الأصلي: ويكيميديا. تلوين: المنصة

خفافيش وبشر: حوار مع عالم الأنثروبولوجي الفرنسي فردريك كِك عن "كورونا"

فيروس كورونا الخفّاشي يطرح علينا هذا السؤال: ما هي درجة الحرية الأدنى التي تجعلنا مختلفين عن بقية الحيوانات.


هذا الحوار مُترجم من مجلة "لاندي ماتان، أو صباح الاثنين" الإلكترونية الفرنسية بعد الحصول على إذن بالترجمة من الناشر، والباحث فريدريك كِك.


بين شائعات "شوربة الخفاش" وتسببها في نشر وباء عالمي، وإجراءات الحجر المنزلي وحظر التجوال في العديد من بلدان العالم كرد فعل على انتشار الفيروس الذي لا نعرف له دواءً حتى الآن؛ تأتي أهمية الحوار مع عالم الأنثروبولوجي ومدير البحوث في المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي فريدريك كِك، المهتم بمناطق ظهور الأوبئة وبالسياسات الصحية في العالم، والمتخصص في مجال الأمن الحيوي للبشر والحيوانات، وأشكال التنبؤ بالكوارث الصحية والبيئية.

الحوار الأصلي منشور في مجلة صباح الاثنين الإلكترونية الفرنسية، ورأينا أن نُبقي على شكل الحوار في صورته الأصلية مع بعض التصرف لشرح أو تعريب بعض المعلومات العلمية في الحوار، وإضافة روابط خارجية توضح بعض المصطلحات أو الأوبئة لمَن يريد تفاصيل أوسع.

في هذا الحوار يشرح كِك ما الذي تسبب فيه اقتراب البشر الشديد من عالم الحيوانات التي يعتبر بعضها خزانًا للفيروسات، وكيف أثّر هذا الاقتراب في حياتنا، مع نظرة تأملية عن استعداد الصين لسيناريو الوباء، الذي تعتقد هي أن الغرب صممه لإذلالها، لكنها قلبت الآية لتُذلّ هي الغرب الذي يجد نفسه الآن في مواجهة أسئلة صعبة تتعلق بالحريات والتواصل بين البشر. مستخلصًا بعض الدروس من اجتياح كورونا للعالم باعتباره قد يخلق فرصة لتبادل السرديات المُؤسِّسة للثقافتين الغربية والصينية عبر مزاوجة التقليد الليبرالي المُدمِّر للبيئة مع التقليد الصيني الأكثر انتباها لدورات الطبيعة.


تميّزتَ بأبحاثك في علم الأنثروبولجي وعلم الثقافات المقارَن للأمراض ذات الأصل الحيواني والجائحات. كيف عشت جائحة فيروس كورونا بشكل شخصي، منذ شهر يناير وحتى إجراءات الحجر المنزلي المُصرَّح عنها منذ أيام؟
في اليوم الأول من شهر يناير، وفيما كنّا نحتفل برأس السنة، وصلتني رسالة قصيرة من زميل بريطاني يعمل معي في علم أنثروبولوجي الأوبئة يقول "هل رأيت تلك الحالات في ووهان؟ قد يكون هذا بداية جائحة" لم أصدّقه، لأنني أتلقى هذا النوع من الرسائل مع كل فيروس صاعد. حدث هذا سابقًا مع أنفلونزا الخنازير سنة 2009، والذي ظهر بأنه أقل فتكًا مما كان منتظرًا حتى لو كان ينتقل بين البشر، ثم متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، ميرس (MERS) في 2012، والذي اقتصر نشاطه على شبه الجزيرة العربية وكوريا الجنوبية، حيث كان ينتقل من الإبل.

لكن هذه المرّة؛ فإن سيناريو الانتشار الواسع الذي تجسّد سابقًا في وباء سارس في آسيا وتورونتو سنة 2003؛ يتحقّق الآن. فكّرتُ في تحليل هنري برجسون لإعلان حرب 1914: قرأتُ العديد من النصوص حول سيناريو الاجتياح الوبائي منذ 15 عامًا، حتى أنّه لما تحقّق؛ شعرتُ بأن الجائحة كانت دائمًا هنا، مثل حضورٍ مألوف. بهذا المعنى يصير الافتراضي آنِيًا.

يبدو أننا نعيش لحظة تاريخية من كل وجهات النظر: عدوى على المستوى العالمي، وإلغاءٍ للحياة اليومية، وخسائر اقتصادية واجتماعية. يبدو المستقبل مُعلّقًا، هل هذا هو انطباعك أيضًا؟
نعم. أظن أن المقارنة مع 1914 صحيحة، حتى لو أننا لا يجب أن نُبالغ في التصريحات الحربية والمظاهر العسكرية. في 1914، كانت فرنسا تعرف بأن الصراع الاقتصادي والعسكري مع ألمانيا قائم منذ العام 1870، بل ومنذ الثورة الفرنسية، التي يعتبرها الألمان تجلِيًا وتهديدًا، سيفجّر حربا عالمية دخلَتها فرنسا وكأنها منّومة مغناطيسيًا. اليوم؛ الولايات المتحدة كانت تعرف بأن المنافسة مع الصين ستحدث على الميدانين الاقتصادي والصحي منذ 2003، وتدخل هذه المواجهة بنظام مُشتَّت. الصين تعلمت من درس وباء سارس لتضع حدًا لقرنين من إهانة الغرب، عندما جهّزت مستشفيات فعّالة وتكنولوجيا حيوية متطوّرة. لا نتحدث هنا عن نظرية المؤامرة ولكن جملة "الصين تحاربنا اليوم بالفيروسات" تعني أنها اغتنمت فرصة فيروس انتشر على أرضها لقلب سيناريوهات مبنيّة لإذلالها حسبما تقول، وأنها استطاعت قلب السيناريو لتصبح الجائحة وسيلة لإذلال الغرب.

هل تبدو لك جائحة فيروس كورونا مختلفة مقارنة بالجائحات الأخرى التي درستها؟
المعدلات العالية لانتقال فيروس كورونا المستجد مذهلة وتبقى غامضة، فيما لا تزال قوة فتكه منخفضة وحمضه النووي ثابتًا. فيروسات كورونا، وعلى العكس من فيروسات الأنفلونزا، لا تنتقل كثيرًا لأنها أكبر حجمًا. كون هذا الفيروس يمكنه الانتقال غير مصحوبٍ بأعراض لمدة طويلة تمتد لأسابيع؛ فإن هذا الأمر مختلف عن وباء سارس الذي تظهر أعراضه التنفسية بعد 48 ساعة. بهذه الطريقة، فإن كورونا هو المرشّح المثالي لإطلاق سيناريو جائحة عالمية.

حيوان البانجولين أو آكل النمل، الذي يُعتقد أنه الحلقة الأولى في نقل الفيروس للبشر. الصورة: ويكيميديا- رخصة المشاع الإبداعي

حسب الفرضيات الأولى، فإن كورونا المستجد، كوفيد-19، انتقل إلى البشر عن طريق حيوان البانجولين ( آكل النمل الحرشفي) أو خفّاش. ما هي خصائص الأمراض ذات الأصل الحيواني، وكيف تنتقل؟ وبماذا نفسّر قابليتها للتحوّل إلى وباء أو جائحة عالمية؟
الأمراض ذات الأصل الحيواني (الزونوز) تنتقل بين الحيوانات قبل الإنسان مُسَبِّبَة أمراضًا قوية لأننا لا نملك مناعةً ضدّها. هذا ما يشرح تحرّك السلطات الصحّية العالمية ضد هذه الأمراض منذ أكثر من 30 سنة، بالتحديد منذ نهاية الحرب الباردة التي شهِدت تقاطع بيئة الأمراض المعدية الصاعدة مع الخوف من الإرهاب البيولوجي.

الطيور مثلًا تُعتبر خزّانًا لفيروسات الأنفلونزا وذلك لأنها تنشر الفيروس بتنقلاتها، فمثلًا البط لا يظهر عليه أعراض أنفلونزا لأنه "ينفضُ" عنه الفيروسات خلال طيرانه. الخفافيش أيضًا تعتبر خزّانًا لعدد كبير من الفيروسات مثل السُعار، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، وفيروس كورونا المستجد، وسارس المستجد SARS-CoV2، وفيروس هينيبا، وفيروس نيباه. تنتشر هذه الفيروسات بين الخفافيش لأنها تعيش في مستعمرات تختلط فيها عدّة أنواع بعد أن طوّرت نظامًا مناعيًا فعالًا للغاية للطيران مع بقاءهم قريبين منّا بوصفهم ثدييات، بجانب قطع الغابات الذي جعلها تعيش بالقرب من المُدن.

تقول في مؤلّفِك راصدو الجائحات، الذي سيصدر قريبًا، بأنّ الجائحة الحالية كوفيد-19 ستقودنا من جديد لعتبة التدجين، حيث يمكن هندسة العلاقات بين البشر والحيوانات من جديد. ماذا تقصد بهذا المصطلح؟ وهل ترتبط الجائحة التي نعيشها بالشكل الحديث لعلاقات البشر والحيوانات البرية؟
بدأت هذه الجائحة بمجموعة حالات التهاب رئوي غير مألوف في سوق حيوانات ووهان في ديسمبر 2019. تركيب فيروس كورونا المنتقل بين البشر قريب للغاية من فيروس يصيب الخفافيش تمّ رصده في ووهان عام 2018. لا نعرف بالضبط ماذا كان يُباع في هذا السوق، ولكن في الغالب هو أن بائعي حيوان البانجولين (آكل النمل) نقلوا الفيروس القادم من الخفافيش، حتى لو لم يثبت هذا الاتصال بعد كما حصل مع حيوان القط السقطري الذي نقل وباء سارس في مقاطعة كانتون الصينية سنة 2003.

اليوم؛ تقفُ منظمة الصحة العالمية على بعض الممارسات القديمة في سوق بوسط الصين، حيث يخلطون بين حيوانات برية وأخرى أليفة وداجنة وطرائد، تجد هناك مثلًا حيوان بانجولين يُربّى لأجل فوائده في الطب الصيني التقليدي ويُباع في السوق السوداء لأنه علي وشك الانقراض. علينا أن نفهم بأن ما يحدث في أسواق الحيوانات هذه؛ يتّفق هذا مع السرديات الكبرى مثل التي طرحها جارد دايمند رابطًا الأمراض المعدية الجديدة بالتحولات الكبرى للعلاقات بين البشر والحيوانات منذ ثورة العصر الحجري، والتي حصل بعدها أن نقلت الحيوانات المدجّنة للإنسان أمراضًا بحكم الاقتراب الكبير بينهما، وتقديره بأن ثورة التربية الصناعية للحيوانات (livestock revolution) في ستينيات القرن 20، أحدثت أثرًا مشابهًا في إنتاج أمراض جديدة.

مزرعة إنتاج حيواني صناعية في نيويورك. الصورة: ويكيميديا، رخصة المشاع الإبداعي

أنت تُميّز بين طريقتين للتحكم في الشكوك الصحّية في العلاقات بين البشر والحيوان: "تقنيات الصيد من أجل الاستعداد" و"تقنيات رعوية للوقاية"، هل يمكنك شرح هذا التمييز، ولماذا تبدو منحازًا للتقنيات الغابية*؟
اقترحت هذا التمييز لتوضيح النقاشات حول مبدأ الوقاية الذي صاغته ألمانيا في سبعينيات القرن الماضي وتمّ اعتماده في الدستور الفرنسي سنة 2005، والذي يبدو لي أنه يخلط بين هاتين التقنيتين في تسيير المخاطر حيث تشكلت الأولى منذ حوالي قرن، والثانية منذ حوالي قرنين. وبما أنها مدة قصيرة للغاية في تاريخ البشرية؛ أقترح فهم كيف تعملان انطلاقًا من التقنية التي استحدثها البشر منذ زمن طويل للتحكّم في علاقة الشك تجاه الحيوانات في الصيد (هل توافق الفريسة أن تُقتَل؟)، وفي الوسط الرعوي (هل سيقبل القطيع أن يُضحّى بواحد منه لأجل الصالح العام؟).

باعتمادي على تحليل علماء الأنثروبولجي والمؤرخين أضع فرضية تقول بأن الاستعداد (للكارثة) يعتمد على قُدرة بشرية، طوّرها بالخصوص شامانات (كهنة) سيبيريا والأمازون، تستشعر أجزاء لامرئية تتنقّل بين الأنواع (وهو ما يسميه فييلب ديسكولا الروحانيات)، والوقاية بقدرة بشرية، تلك التي طوّرتها الإمبراطوريات والدول الحديثة بوضع نظام خلال وقت الأزمة يرتّب الأفراد في أصناف تحدُّ من الانتشارات الاجتياحية (ما يسميه فيليب ديسكولا التناظرية). أطوّر في كتابي النظريات المتعلّقة بالتقنيات الغابية للتحضير، والتي وضعها أخصائيو الفيروسات عند تتبّعهم لأعراض الأمراض التي تنتقل من الحيوانات للبشر. هذا المجال لم يلق اهتمامًا كافيًا مثل الاهتمام بالتقنيات الرعوية المتّبعة من طرف أخصائيي الأوبئة. هؤلاء يبنون نماذجَ للتنبؤ بأثر أعراض المرض وسط البشر، في حين أنّها أكثر ذكاء في التعامل مع المسائل البيئية التي تطرحها الجائحات. رأينا هذا في الاختلافات بين آراء عملاء الفيروسات المنشورة مع بداية وباء كوفيد-19 الذين حاولوا رسم الأصول الحيوانية والاهتمام بالآثار البيئية للوباء على الإنسان وعلاقته بالحيوان، وبين آراء علماء الأوبئة المنشورة لاحقا لتبرير الحجر المنزلي وسياسات العزل.


*المترجم: يُمكن القول بأن التقنيات الغابية للتحضير أو للاستعداد تقترب في دراسات فريدريك كِك من إعادة التفكير في علاقة البشر مع الحيوانات والتعامل مع الجائحة كفرصة لإعادة ترتيب أولويات البشر. أمّا التقنيات الرعوية للوقاية فهي تقترب من النهج الذي تمارسه الدول اليوم، على خُطى الصين، من حيث حجر "القطيع البشري"، وعزل المرضى، ثم في مرحلة متقدمة: الاختيار بين مَن سيعيش ومن سيُضحّى به تحت وطأة الضغط على المستشفيات.


ماذا تقصد عندما تقول وبطريقة "عكسية" بالنسبة لعلماء البيئة، بأن وباء كوفيد-19 هو مسألة بيئية؟
اختُرِعتْ إيكولوجيا الأمراض المعدية في السبعينيات من قبَل علماء الأحياء مثل الأسترالي من أصل بريطاني فرانك ماكفارلان بارنت، والأمريكي من أصل فرنسي رينيه دوبو. وتُنذرنا بصعود أمراض معدية جديدة بسبب التحوّلات التي يفرضها البشر على محيطهم مثل الإنتاج الحيواني الصناعي، وتدمير الغابات، وإفقار الأرض، لم نكن نتكلم آنذاك عن الاحتباس الحراري، الذي يسبّب جائحات مثل فيروس زيكا أو حمى الضنك، ويقود أسراب من البعوض للانتقال خارج بيئتها الطبيعية. كنت قد درست الطُرق التي استنسخ بها أخصائيو الفيروسات وأخصائيو الأوبئة هذه الإنذارات كسيناريوهات كوارث بمناسبة بعض الأزمات في الصين.

يبقى علينا أن نفهم بأن الجائحة الحالية تُجبر الإنسانية ليس فقط على تغيير نمط حياتها عبر إبطاء حركة البشر والسلع؛ وإنما بتسريع تطبيق سيناريوهات الكوارث التي بُنِيت على ظواهر إيكولوجية أخرى أخافت الحكومات. يمكننا القول بأن الأوبئة الجديدة تجبرنا على طرح المسائل الإيكولوجية، بشكل جمعي، والتي كانت مناقشتها محصورة حتى وقتٍ قريب بين أوساط ضيقة.

هل تتشابه التقنيات الحديثة في الاستعداد للكوارث، في حالة الوباء وفي حالة الاحتباس الحراري، بانقراض الكائنات؟
التوقيت ليس واحدًا: يُجبرك الوباء على التحرّك في وقت قصير جدًا، لأنّه يتطوّر في سنة واحدة مع وجود إمكانية حقيقية للتدخّل. بينما يحدث الاحتباس الحراري وانقراض الكائنات على مدى زمني أطول بكثير، مع وجود فرصة (مؤكدة) للتدخل. فرضيتي هي أن "الدجاجة المزكومة" أو "الخفاش الحامل لفيروس كورونا" هما مشغلّين جيّدين (أستعير هذا المصطلح من كلود ليفي شتراوس في كتابة الفكر المتوحّش) لجعلنا نفكّر في المسائل الإيكولوجية على مستويات زمنية مختلفة. تقنيات الاستعداد للكوارث ليست متشابهة في المستويات الزمنية المختلفة، ولكن هذان "المشغلّان" يسمحان لنا بمقارنة هذه الكوارث في سياقات محليّة، حيث تُغيّر هذه المستويات الزمنية العلاقات بين البشر وغير البشر (لاستعادة مصطلحات فيليب ديسكولا).

ما هي "دروس" الأوبئة السابقة التي يمكنها أن تفيدنا اليوم مع جائحة فيروس كورونا؟
الصين جعلت من فيروس سارس لحظة مُؤسّسِة مثلما هي الثورة الفرنسية أو قضية درايفوس بالنسبة للفرنسيين: قصص أبطال يضحون، ووزراء مرتشون يستقيلون، وعلماء ينتصرون للحقيقة. لم نفهم نحن في فرنسا لحظات مماثلة لأنه لم تصلنا سوى أصداء مكتومة عن طريق أزمات مثل حمّى الشيكونجونيا. علينا تأليف سرديات لمنح المعنى لهذه المحنة الصحية الاقتصادية والعسكرية، خاصة أننا نملك موارد غير متوفرة في الفضاء الصيني، مثل نافخي الصفافير (المبلغين عن الفساد) المحميين مثلًا.

ربما ستصير تضحية لي وينليانج طبيب العيون الصيني الشاب الذي مات بالكوفيد-19 في فبراير بعد أن أطلق الإنذار في ديسمبر وعالَج المرضى في يناير، منعطفًا في حماية المبلغين عن الفساد في الصين. ربما ستكون هذه الجائحة فرصة لتبادل السرديات المُؤسِّسة لنبني سويًا سياسة إيكولوجية متوائمة مع الأمراض الجديدة، مثلا مزاوجة تقليدنا الليبرالي المُدمِّر للبيئة مع التقليد الصيني الأكثر انتباهًا لدورات الطبيعة.

حسب رأيك لماذا تأخرت منظمة الصحة العالمية في تصنيف فيروس كورونا كجائحة بينما قامت بذلك في وقت أبكر مع سارس؟
في 2003 اغتنمت منظمة الصحة العالمية فرصة سارس لتفرض نفسها على المستوى العالمي في حين كانت الأمم المتحدة قد أُهِينَت بسبب التدخل الأحادي للولايات المتحدة في العراق. قامت منظمة الصحة العالمية بذلك مستغلة فترة انتقال سياسي لم يكن ممكنًا خلاله للحكومة الصينية أن تتعاون معها، الأمر الذي رأته الصين استمرارًا لإهانتها المستمرة منذ قرنين والتي يعطى فيهما الغرب دروسًا صحّية للصين. بهذا نُفسِّر تغيير الصين لموقفها في أبريل 2003 عندما أخذت الإجراءات المفروضة للتحكم في الوباء.

في 2006، ساندت بكّين بشدّة ترشيح مارجريت تشان على رأس منظمة الصحة العالمية، وهي التي أدارت أزمات أنفلونزا الطيور وسارس في وزارة الصحة بهونج كونج، وعبّرت وقتها بكين عن رغبتها في اتّباع القواعد الصحّية العالمية ذات المعايير الواضحة في التعامل مع الجائحة. بكّين أيضا تحكّمت في انتخاب (الإثيوبي تيدروس أدهانوم) خليفة لتشان على رأس المنظمة، لأنها تملك مصالح اقتصادية كبيرة في إثيوبيا. يمكننا إذًا القول، ودون الخوض في نظرية المؤامرة، بأن الصين فهمت بأنه يتعيّن على منظمة الصحة العالمية أن تكون في صفها بدلًا من أن تكون ضدّها إذا ما أرادت فرض نفسها كزعيمة كونية. لذلك نجد المنظمة متسامحة مع الصين منذ بداية الوباء، فمثلًا التقرير الذي نشرته المنظمة في 28 فبراير يصوِّر الصين حرفيًا، وكأنها نموذج للمعايير التي يجب تطبيقها في مواجهة الجائحة.

من زيارة المدير العام لمنظمة الصحة العالمية إلي الصين في يناير 2020. الصورة: فليكر- مفتوحة المصدر

منذ بداية 2020، لا تكاد تمرّ ساعة دون ظهور معلومات جديدة عن الوباء. هل يعتبر كوفيد-19 أول وباء يُعاش على الهواء؟
كان سارس أول وباء يُعاش بالبث المباشر من قبَل العلماء. كان هناك جهدًا حقيقيًا لمشاركة المعلومات وللتشبيك مع منظمة الصحة العالمية بفضل تطور الإنترنت. اليوم تُمكننا الثورة الرقمية من متابعة الوباء على الهواء مباشرة. الإنترنت هو في نفس الوقت الترياق والسم في انتشار الجائحة: سنعمل عن بُعد لجعل الحجر المنزلي مُمكنًا، ولكن الأخبار الكاذبة تقود لتصرفات تعرقل إجراءات التعامل مع الجائحة. بالتوازي مع هذا الوباء الفيروسي، هناك "وباء"، فيروسي هو الآخر، لكنه معلوماتي، إذ أصبح نشاط أو "ڤيرلة" المعلومة مع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي ملمحًا مجتمعيًا لعصرنا، منذ أن سمحت تكنولوجيا الاتصال الجديدة للمعلومة بأن تدور بسرعة بل وأن وتتكاثر.

هل هناك رابط بين هذين الشكلين من النشاط أو "الڤيرلة"؟
الفيروس هو قطعة معلومات جينية تبحث عن التضاعف، أو كما يقول أخصائي المناعة بيتر مداور عن الفيروس "هو خبر سيء في غلاف فيروسي"، في أغلب الوقت تتضاعف الفيروسات في خلايانا دون أعراض، وفي بعض الأحيان يُخرجون آلة التضاعف عن مسارها مسبّبين هلعًا مناعيًا أو انهيارًا للنظام. ما يحدث على مستوى الجزيئات له صدى كذلك على المستوى الماكرو-سياسي.

أي دور يلعبه ما تسميه المراقبون ونافخو الصفافير في حركة المعلومات حول الفيروس؟
ينتبه المراقبون أو الخفراء للأعراض المسبّبة للمرض ما إن تنتقل بين حدود الأنواع، مثل الإبلاغ عن وجود حيوانات موجودة في أماكن مُرشّحة لانتقال الفيروس بشدّة كالدواجن غير الملقّحة وسط الأكواخ، أو الأقاليم المرشحة لانتشار الفيروسات مثل هونج كونج أو تايوان أو سنغافورة في حالة أنفلونزا الطيور، أو ووهان مع فيروس كورونا. في المقابل يحمل نافخو الصفافير هذه الإشارات إلى الفضاء العام لأخذ الإجراءات الصحية اللازمة. الدكتور لي وينليانج لعب دور "نافخ الصفارة" مع كوفيد-19، مثلما فعل سابقًا الجغرافي المناضل مايك دايفس الذي لعب دورًا مماثلًا في الولايات المتحدة مع أنفلونزا الطيور. المراقبون ونافخو الصفافير هما نوعان مختلفان من المبلغين عن الفساد ولكن عليهما العمل سويًا. المجتمع الصيني طوّر نوعية من المراقبين وبدرجة أقل نافخي الصفافير، نحن هنا (فرنسا، الغرب بشكل عام) لدينا العكس.

يبدو أن الحكومات وجدت نفسها بين حتميتين من الصعب التوفيق بينهما: الحفاظ على الاقتصاد أو حماية الصحة، الأمر الذي يخلق ردود أفعال مختلفة، حتى أننا نرى اليوم انحيازًا للنموذج الصيني. كيف تفسّر التفاوت الزمني بين فرنسا والصين، مثلا؟
في الحقيقة أوجدت الصين نموذجًا يصير فيه من السهل التوفيق بين حماية الاقتصاد واتباع الإجراءات الصحية المشددة لأنها تملك وسائل التدخل بسرعة وبكثافة في حالة وجود حاضنات وبائية جديدة. أما تقليدنا الليبرالي فيذهب عكس هذا النوع من الحوكمة الصحية، لأننا نفضّل حرية التنقل والفوائد السياسية التي تنتج عنه. علينا أن نجد في تقليدنا الليبرالي الوسائل التي تُبرّر الإجراءات الصحية المشددة التي ستفرض نفسها في مواجهة أوبئة جديدة تتسبّب فيها التحوّلات الإيكولوجية.

هل يمكن إيجاد نوع من التصرف الحمائي في مواجهة فيروس كورونا، ولكنه في ذات الوقت لا يعني فرض المزيد من الرقابة والتحكّم في البشر؟
هذا هو رهان الأسابيع القادمة: جُهد انخراط جماعي لا يعتمد على المراقبة العسكرية وتحكم الدولة، بل على يقظة صحية ومشاركة للمعلومات بين المواطنين.

في يناير، كان فيروس كورونا مجرد "دور زكام" صغير، واعتبرت فرنسا أن إهمال للحكومة الصينية هو سبب انتشار الوباء. اليوم تبدو الصين نموذجًا لإدارة الأزمة الصحية، بجانب تجاوز الجائحة البلدان الأوروبية، و"الخبراء" الصحيون أو العلميون في فرنسا يدلون بتصريحات مثيرة للمخاوف. ماذا يمكن قوله عن هذا التحوّل للخطاب السياسي والعلمي؟
هذا يخبرنا بالكثير عن الصعوبة التي تواجهها فرنسا في شغل مكان مركزي على رقعة شطرنج جيوسياسية متقلّبة، بعد دخول الصين قبل 40 عامًا، ويخبرنا عن صعوبة حكم دولة عندما تخلق التغيرات الإيكولوجية أمراضًا غير متوقعة مثل فيروس كورونا المتسجد.

أعلن رئيس الجمهورية الفرنسي اتخاذ إجراءات مشددة لم يسبق لها مثيل لاحتواء هذا الوباء. ما هي الرهانات، حسب رأيك، خلال الأسابيع، الشهور، السنوات القادمة؟ ما الجديد مع هذه الجائحة؟
كل المسألة هي هل الحجر المنزلي، والذي يعتبر إجراءً غير مسبوق في فرنسا في حين أن الصينيين يستعدون له منذ عام 2003، يتواءم مع تقاليدنا الليبرالية؟ انتقدنا كثيرًا انتهاك هذه التقاليد، والأزمة الحالية هي إحدى آثاره، ولكننا سنرى في الأسابيع القادمة ما هي أدنى درجة حرية نتمسك بها. الحيوانات الأليفة لها قدر قليل من الحرية: لأننا حجرناها منزليًا وفي بعض الأحيان نضربها لحماية أنفسنا منها أو لنتغذى عليها. فيروس كورونا الخفّاشي يطرح علينا هذا السؤال: ما هي درجة الحرية الأدنى التي تجعلنا مختلفين عن بقية الحيوانات.