الدكتورة هالة زايد تتفقد مستشفى النجيلة للعزل مطلع فبراير الماضي. الصورة: وزارة الصحة المصرية- فيسبوك

مكافأة تائهة: كيف تراجعت "الصحة" عن وعدها بـ 20 ألف جنيه لفريق عزل كورونا؟

"إحنا إشتغلنا أول 15 يوم في فبراير أخدنا عنهم مكأفاة العشرين ألف متجزأة بعد ما اشتكينا، ومن وقتها ما أخدناش أي فلوس".
- طبيب في مستشفى النجيلة للعزل الطبي للمنصة

كشف أطباء وأعضاء هيئة تمريض أن وزارة الصحة تراجعت عن وعدها بمنح المخالطين المباشرين لحاملي فيروس كورونا المستجد مكافأة قدرها 20 ألف جنيه في الشهر من الأطقم الطبية والتمريض، قائلين أن المكافأة انخفضت إلى الرُبع تقريبًا. وأوضحت شهادات أطباء من مستشفيات العزل الصحي حضروا اجتماعًا مع وزيرة الصحة هالة زايد بالفيديو يوم السبت الماضي أن الوزيرة قالت إن مكافأة الـ 20 ألف جنيه كانت مخصصة للأطباء الذين ذهبوا إلى مستشفى النجيلة في البداية لاستقبال المصريين العائدين من مدينة ووهان الصينية يوم 4 فبراير الماضي.

وأضاف أطباء حضروا لقاء الفيديو مع الوزيرة في 4 شهادات منفصلة للمنصة أن الوزيرة قالت ضاحكة "كان فيه شوية أشرار حواليّ قالوا لي الدكاترة هيتكلموا معاكي في موضوع الفلوس، بس أنا فوجئت إن محدش كلمني. أنا عاوزة أعرّفكم أنه بالنسبة لموضوع الفلوس، الناس اللي راحت النجيلة في الأول دي كانت رايحة مهمة عمل، لكن أنتم دلوقتي مش في مهمة عمل، أنتم في معركة، والناس اللي في الأول كانت في مهمة وأخدت عليها مكأفاة ونزلت خلاص، لكن أنتم دلوقتي في معركة ومش عارفين هتخلص إمتى، ولو هيبقى فيه فلوس هاتبقى من صندوق تحيا مصر، ويكفينا فخرًا أن الرئيس زوّد لنا بدل المهن الطبية، إحنا عارفين أنه 300 جنيه بينا وبين بعض، بس 300 جنيه في ظروف البلد الي إحنا فيها دي كبيرة أوي".

وأقر الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم 29 مارس/آذار الماضي بدل المخاطر الطبية بنسبة 75% لتتراوح قيمتها بعد خصم الاستقطاعات بين 250 إلى 400 جنيه بحسب تفسير أمين عام نقابة الأطباء إيهاب الطاهر، للقرار الصادر في تصريحات لصحيفة الشروق.

ووصل للأطباء معلومات من الوزارة أن المكافأة انخفضت لتصبح 350 جنيه في اليوم لمخالطي المرضى من الأطباء والتمريض وعمال النظافة، و175 لغير المخالطين مثل الصيادلة وفنيي الأشعة والمعامل، وبذلك يتقاضى عضو الفريق 4900 جنيه في 14 يوم عمل، دون احتساب الـ 14 يومًا الأخرى التي يقضيها مقدمو الخدمة الطبية في الحجر الذاتي، وتصبح مكافأة غير المخالطين للمرضى 2450 جنيهًا عن نفس الفترة.

تواصلت المنصة تليفونيا مع المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة الدكتور خالد مجاهد صباح أمس مرتين، وأرسلت له رسالة طويلة بمحتوى هذه الشهادات والمعلومات على هاتفه الشخصي لمنحه حق الرد، والاستفسار منه عن المعلومات الواردة للأطباء في مستشفيات العزل، إلا أنه لم يعلّق حتى نشر هذا التقرير.

المكافأة التي تحدثت عنها الوزيرة في لقائها المغلق مع الأطباء وأنها كانت مخصصة للفوج الأول الذي استقبل المصريين العائدين من مدينة ووهان الصينية مطلع فبراير الماضي في مستشفى النجيلة بمطروح، تم صرفها بالفعل على مراحل، لكن توقف صرف أي مكافآت بعد ذلك، بحسب شهادات متعددة وصلتنا من أطقم طبية وتمريض في عدد من مستشفيات العزل على مستوى الجمهورية.

يوضح طبيب في مستشفى النجيلة للعزل بمطروح في تصريحات للمنصة "إحنا إشتغلنا أول 15 يوم في فبراير أخدنا عنهم مكأفاة العشرين ألف متجزأة بعد ما اشتكينا، ومن وقتها ما أخدناش أي فلوس. لما قالوا لنا كملوا شغل بعد كدا علشان محتاجينكم متأخرناش. بس عيب يقولوا لنا 20 ألف وبعد ما نشتغل يرجعوا يقولوا أقل من 5 آلاف للمخالِط المباشر، يعني بتاع المعمل والأشعة وفني الأشعة والتعقيم يعتبروا غير مخالِطين مباشرين للمرضى وبالتالي هاياخدوا أقل من 3 آلاف جنيه"، مضيفًا "ممكن الناس تستكتر الـ 20 ألف علينا، لكن إحنا بنشتغل في المستشفى لمدة 14 يوم وبعدها بنقعد كمان 14 في الحجر المنزلي يعني إحنا معندناش أي مصدر دخل لشهر كامل".

هذا الطبيب لم يصبه الفيروس، إلا أن زميلته الطبيبة في نفس المستشفى أصيبت، تقول في رسالة مكتوبة للمنصة "أنا عندي طفلتين واحدة ثلاث سنوات والتانية سنة ونصف سايباهم عند والدتي، وجيت أنا وزوجي نشتغل في مستشفى العزل من أول فبراير لحد دلوقتي، وتقاضيت مستحقات أول 14 يوم بس (مكافأة الـ 20 ألف جنيه). الكلام كان حلو أول ما جينا، والوزيرة جابتنا وقالت لنا اقعدوا هنا واللي هايتصاب منكم له 250 ألف، واللي هايموت له نصف مليون جنيه. دلوقتي أنا مصابة ومحجوزة في العزل في نفس المستشفى، وربنا يستر على زوجي، هروّح أصرف على عيالي منين، ده إذا عدّيت (تعافيت) يعني، أنا والله حتى لو قالوا لي بقيتي كويسة خايفة أروَّح لأولادي ووالدتي ووالدي وأعديهم".

مصابة أخرى بقيروس كورونا المستجد من فريق التمريض في مستشفى النجيلة انضمت للفريق منتصف شهر فبراير/ شباط بعد انتهاء عزل الفوج الأول القادم من الصين، تقول للمنصة في شهادة مكتوبة "أنا ممرضة هنا في النجيلة من نص فبراير، ومن وقتها ما أخدناش حاجة من المكافأة اللي قالوا عليها. أنا مصابة وحاليًا في العزل. واللي حصل إني كنت من مجموعة اشتغلت إنعاش قلبي ورئوي لحالة ماتت من أسبوع، ودا سبب إصابتي".

أطباء في مستشفى 15 مايو بحلوان، جنوبي القاهرة، أمدوا المنصة بملخص حوار مدير التطوير المؤسسي بالإدارة المركزية للرعاية الحرجة والعاجلة بديوان وزارة الصحة الدكتور محمد مصطفى وهو يعدد للأطباء الذين حضروا هذا الاجتماع المغلق البنود والمزايا التي سيحصلون عليها إذا قبلوا العمل في مستشفيات العزل يوم الأربعاء 11 مارس الماضي، متعهدًا بحصولهم على مكأفاة العشرين ألف جنيه، قائلًا للحضور أن الكلام ده من رئاسة الجمهورية والمكافأة سيتم تحويلها في حسابات الفرق الطبية يومي 25 و7 من كل شهر.

مرت أسابيع وعندما تأخر صرف المكافأة مع حديث عن تخفيضها بشدة؛ تحدث أطباء من نفس المستشفى مع نفس المسؤول، فأكد لهم أنه سيتم صرفها ولكن ليس الآن. يقول طبيب في مستشفى 15 مايو تحدث مع مسؤول الوزارة هاتفيًا "لما اتصلنا بيه قال إنه ليس مسؤولًا عن موضوع الفلوس. الوزيرة قالت العشرين ألف زي ما همّ، إحنا هاندفع مفيش مشكلة لكن دلوقتي مفيش فلوس للكلام ده. البلد مش مستحملة والمليارات اللي بتتصرف حاليًا عملناها السنوات اللي فاتت علشان نبقي دولة وأهي بتتصرف على المرض" بحسب الطبيب الذي أَطلَع المنصة على المكالمة.

في الوثيقة التالية يوضح القرار الصادر يوم 17 مارس أن المكافأة أصبحت بحد أدنى 5 آلاف وحد أقصى 10 آلاف جنيه وصرفها لجميع العاملين من مديري مستشفيات العزل والعاملين، وموّقعة من مساعد وزيرة الصحة والسكان للشؤون المالية والإدارية اللواء وائل رفعت الساعي.

وثيقة من وزارة الصحة توضح استحقاق العاملين بمستشفيات العزل مكافأة تتراوح من 5 إلى 10 آلاف جنيه. الصورة: المنصة

بعد إصدار هذه الوثيقة بأقل من 10 أيام، صدرت أخرى تطلب من جميع مقدمي الخدمة الطبية في مستشفيات الصدر تقديم بياناتهم البنكية تمهيدًا لصرف هذه المكافأة الاستثنائية، دون تحديد قيمتها وذلك في يوم 26 مارس الماضي، موقعة من رئيس قطاع الرعاية العلاجية بالوزارة الدكتور مصطفى غنيمة.

وثيقة تطلب من مقدمي الخدمة الطبية في مستشفيات الصدر تقديم بياناتهم البنكية تمهيدًا لصرف المكافأة. الصورة: المنصة

التراجع عن هذه الوعود لمقدمي الخدمة الطبية؛ دفع العشرات منهم في أكثر من مستشفى للتقدم بالتماسات تطلب صرف المكافأة بعدما وصلتهم أنباء عن صرفها للأطباء، وهو ما أثار استياء ممرضات وممرضي مستشفى دسوق العام من العاملين في العزل الصحي الذين أمدوا المنصة بالطلب التالي يشتكون فيه من استثنائهم من صرف المكافأة ومنحها للأطباء فقط (ظللّنا أسماءهم، وإن كانت معلنة لدى السلطات الصحية).

خطاب من طواقم تمريض مستشفى دسوق العام يطلبون المساواة مع الأطباء في صرف المكافأة. الصورة: المنصة

ما يعتقد طواقم التمريض أنه يستثنيهم من قرار المكافأة وصرفها للأطباء وحدهم، يتضح أنه ليس موحدًا على جميع الأطباء أيضًا، إذ اشتكى أطباء وطبيبات في نفس المستشفى من عدم صرف المكافأة، مع قولهم أنها تتراوح بين 5 و10 آلاف جنيه، حسبما توضح الرسالة التالية.

خطاب من الطواقم الطبية لمستشفى دسوق العام يطلبون صرف المكافأة أسوة بزملائهم. الصورة: المنصة تظلم طاقم التمريض في مستشفى دسوق العام من العاملين في العزل الصحي. الصورة: المنصة

هل هو صراع نقود فقط؟

يشرح أطباء وطبيبات وممرضين وممرضات أن سعيهم لهذه المكافأة يأتي رغبة منهم في تأمين أموال لذويهم حال وفاتهم أو عجزهم عن العمل لفترات طويلة بعد الإصابة. طبيب من مستشفى العزل في الأقصر يقول للمنصة "همّ لو قالوا من الأول عاوزين ناس تطوع والله كنا روحنا تطوعنا من غير فلوس، لكن يقولوا عشرين ألف وبعدين يرجعوا في كلامهم، دا مش كويس. كده إزاي نثق فيهم لو أُصبنا أو مُتنا إن حد من الوزارة هيسأل في ولادنا".

يشرح عضو من فريق الطب الوقائي بالأقصر "أنا واحد من أوائل الناس اللي تعاملت مع حالات كورونا في مصر. يوم 6 مارس الماضي تشكل فريق ضم 14 عضوًا، تفصيلهم كالتالي: 4 أطباء و3 صيادلة و4 مراقبين صحيين و2 فنيين وممرضة لمرافقة نزلاء المركب السياحي بعد تأكيد إصابة 12 حالة منهم، وأخذنا عينات من الطاقم والنزلاء، وبعدها بيوم تأكد إصابة 33 آخرين، وكملنا الفترة كلها على المركب وعملنا فيها 3 عيادات وصيدلية، وبعد شفاء المرضى الأجانب أرسلوا لنا إيميلات شكر وامتنان، لكن الوزارة بعد ما وعدتنا بالعشرين ألف جنيه لم نتقاض مليمًا منها حتى الآن، رغم انتقال العدوى لـ 6 من الفريق، تعافوا بعدها".

قصص شفاء المصابين على متن الباخرة السياحية في الأقصر وجدت طريقها للاحتفاء الرسمي والشعبي، مثل هذا التقرير الصادر يوم 15 مارس الماضي في صحيفة الدستور، يحكون فيه تجربتهم الإيجابية مع الطواقم الطبية من لحظة اكتشاف إصابتهم وحتى الشفاء الكامل.

شهادة ثالثة من عضوة بهيئة التمريض في مستشفى 15 مايو، يقول فيها "إحنا كنا في الفرقة الأولى هنا، ولما قضينا الفترة (14 يومًا) وأخذوا العينات للتحليل أبلغونا بشكل شفهي أن النتائج سلبية وطلبوا نرجع بعد يومين لأخذ عينات أخرى وقالوا أنها سلبية أيضًا، وبعد ساعات كلموا زميلة ممرضة معانا قالوا لها نتيجتك إيجابية وتعالي اتحجزي، وأصلًا كلنا مش واخدين ولا جنيه من المكأفاة اللي وعدونا بيها، بس البنت دي اللي قعدت كده من الشغل هتصرف منين".

تكاد تتطابق الشكاوى من أعضاء الفرق الطبية من مستشفيات العزل بالجمهورية والتي استطعنا الوصول إليها، مثل مستشفى العجمي بالإسكندرية وأبو خليفة بالإسماعيلية وتمى الأمديد بالدقهلية وملوي بالمنيا، والأقصر، والنجيلة بمطروح.

ليست مستشفيات العزل فقط هي ما تواجه هذه المشكلات مهع وزارة الصحة؛ وإنما يطلب مقدمو خدمة طبية من أطباء وطواقم تمريض في مستشفيات مخصصة لفرز الحالات المشتبه بها، بالمساواة مع مستشفيات العزل، مثل أطقم مستشفى حميات العباسية الذين لم يتقاضوا أية مكافآت حتى تاريخ نشر هذا التقرير، وهو نفس الأمر الذي وصلنا قي صورة شكاوى عاملين في مستشفى صدر أسيوط الذين يستقبلون الحالات المشتبه بإصابتها.

ويصل عدد المستشفيات المخصصة لعزل الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجد 10 مستشفيات على مستوى الجمهورية.


اقرأ أيضًا للدكتور أحمد حسين تفنيد لشعار "الجيش الأبيض": في هذا المقال