شادي حبش - بورتريه ذاتي

شادي حبش.. ملامح بشوشة تغادر عنبر 4

لا تغيب ملامحه البشوشة عن الذاكرة، ولا ابتسامته التي كان يطل بها كلما خرج من باب الزيارة للقاء والدته وشقيقته في سجن طرة تحقيق، حيث بدأت معرفتي به زميلًا لزوجي الطبيب وليد شوقي في زنزانة 2/2 عنبر 4 لنحو سنة ونصف، قبل أن يحل الموت ضيفًا ثقيلًا ويختطف شادي حبش بعد سنتين قضاهما محبوسًا دون محاكمة.

صورة شادي دائمًا حاضرة، خاصة عندما كانت الزيارة تتحول لتجمع عائلي قصير لأسرتينا نتجاذب خلاله أطراف الحديث، ويقضي وقتًا في اللعب مع ابنتي نور، وكانت تستجيب له.

قبل سنة ونصف التقيت بشادي للمرة الأولى عندما ذهبت لزيارة وليد بعد القبض عليه في أكتوبر/ تشرين الأول 2018. ورغم اختلاف القضيتين اللتين حبس على ذمتيهما وليد وشادي، إلا أن التهم كانت واحدة؛ نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة محظورة. يومها قال لي وليد "شادي دا أقرب واحد ليا في الزنزانة".

يواجه شادي هذه الاتهامات، وفقًا لتصريحات نقلتها سي إن إن عن محاميه أحمد الخواجة "لاشتراكه في مونتاج وتركيب الصوت على الصورة بأغنية ساخرة عن النظام خاصة بالمطرب رامي عصام، وضمت القضية 7 متهمين تم إخلاء سبيل 5 منهم ما عدا شادي حبش ومتهم آخر يدعى مصطفى جمال كان مسؤولاً عن توثيق الصفحة على مواقع التواصل وكتابة الكلمات".

وكما توطدت علاقة وليد بشادي داخل الزنزانة توطدت علاقتي بأسرته خارجها، فخلال سنة كاملة كانت والدة شادي وشقيقته رفيقتيَّ في رحلة الزيارة الأسبوعية أيام السبت إلى أن تغير موعد زياراتي لوليد إلى يوم الأربعاء، ولكن التواصل مع أسرة شادي لم ينقطع.

في زيارات طرة الأسبوعية كان وليد يذكر دائمًا أن شادي "مالوش في السياسة"، تكررت العبارة ذاتها في إحدى مكالماتي الهاتفية مع والدته "ماكانش ليه في السياسة أصلًا وكان بيعمل شغله عادي زي أي شغل وماكانش يعرف إن ده اللي هيحصل".

شادي حبش - صورة من حسابه على فيسبوك

استمرت المكالمات الهاتفية والرسائل المتبادلة مع والدة شادي طيلة الفترة الماضية حتى تعليق الزيارات في السجون منذ مارس/ آذار الماضي، كإجراء احترازي في مواجهة انتشار فيروس كورونا، وهو الإجراء الذي تسبب في انقطاع الصلة تمامًا بين المساجين وأهلهم ليقتصر الأمر على ترك بعض الأموال في الأمانات وطعام وأدوية على باب السجن الخارجي.

في آخر اتصال مع والدة شادي قبل نحو ثلاثة أشهر، تبادلنا حديثًا قصيرًا حول جلساتنا القادمة لنظر أمر التجديد في القضيتين، ودعوات بإخلاء سبيلهما، ولكن ما حدث كان نقل وليد إلى زنزانة أخرى قبل نحو من شهرين، في نفس العنبر الذي تقع فيه زنزانته القديمة، لتقتصر لقاءاته بشادي على أوقات التريض.

قضى شادي سنتين وشهرًا في زنزانة 2/2 عنبر 4 بداخل سجن طرة تحقيق، واجه خلالهم الكثير من التساؤلات الكئيبة عن عبثية حبسه دون مبرر وتوالي التجديدات كل 45 يوما في قضية لا يعلم عنها شيئًا. كان يعتقد أنه فقط يؤدي عمله، حسبما كرر لوليد غير مرة في الزنزانة، وحسبما أخبرتني والدته كذلك.

ظلت أخبار السجناء مقطوعة منذ وقف الزيارات في 10 مارس وحتى صباح السبت الماضي، عندما استيقظنا على نبأ وفاة شادي بعد ساعات من التعب والاستغاثة بالضباط والعساكر لفتح الزنزانة ونقله للمستشفى بعد تدهور حالته الصحية حتى فارق الحياة. جاء الخبر ككابوس لا يمكن تصديقه؛ كيف مات شادي؟ ولماذا مات دون أن تراه أمه أو تعرف أخباره لأكثر من شهرين؟ لماذا لم ينقل إلى الى المستشفى فور استغاثة زملائه؟ بماذا كان يشعر قبل وفاته؟ ما الذي كان بحاجة إليه ليبقى على قيد الحياة؟ ماذا فعل زملاء زنزانته في لحظاته الأخيرة؟

تساؤلات كثيرة تحاول إجاباتها رسم صور لمشاهد النهاية، لأن صورة شادي ما زالت حاضرة.

بعد وفاته، أصدرت التنسيقية المصرية للحقوق والحريات بيانًا أكد الوفاة حدثت بعد وعكة صحية الجمعة. حاول المعتقلون في الزنزانة إسعافه في ظل "تعنت" الأمن في الاستجابة لنقله للعيادة حتى توفي في الثانية بعد منتصف الليل.

جمع عنبر 4 وخاصة زنزانة 2/2 مشاعر واحدة ربطت بين المساجين فيه كما ربطت بينهم جدران السجن، مشاعر خوف من الوحدة وخوف من السجن أيضا. مشاعر بدت واضحة في رسالة شادي الأخيرة من داخل السجن في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

السجن مبيموتش بس الوحدة بتموت، أنا محتاج دعمكم عشان مموتش. في السنتين اللي فاتوا أنا حاولت أقاوم كل اللي بيحصلي لوحدي عشان أخرج لكم نفس الشخص اللي تعرفوه بس مبقتش قادر خلاص.. مفهوم المقاومة في السجن إنك بتقاوم نفسك وبتحافظ عليها وإنسانيتك من الآثار السلبية من اللي بتشوفه وبتعيشه كل يوم وأبسطها إنك تتجنن أو تموت بالبطيء، لكونك مرمي في أوضة بقالك سنتين ومنسي ومش عارف هتخرج منها امتى؟ أو ازاي؟ والنتيجة إني لسه في السجن وكل 45 يوم بنزل عند قاضي وبتكون نفس النتيجة -تجديد 45 يوم- من غير حتى ما يبصلي أو يبص لورق القضية اللي كل اللي فيها مشيوا من 6 شهور.. محتاج لدعمكم ومحتاج تفكروهم إني لسه محبوس وإنهم ناسيني وإني بموت بالبطيء كل يوم لمجرد إني لوحدي قدام كل ده وإني عارف إني ليا صحاب كتير بيحبوني وخايفين يكتبوا عني أو فاكرين إني هخرج من غير دعمهم ليا.. أنا محتاجلكم ومحتاج لدعمكم أكتر من أي وقت.

الحداد على رحيل شادي لم يقتصر على منزل أسرته فقط، ولكنه امتد إلى منزل مصطفى جمال صديقه في الزنزانة، وصديقه في نفس القضية، وهو الوحيد الذي ما زال محبوسًا على ذمتها. مصطفى تجاوز السنتين حبسًا في مارس الماضي.

تقول شقيقته هند للمنصة، إن شقيقها أصبح "راجل البيت" بعد رحيل والده وهو في السجن. لم يستطع مصطفى البقاء مع أبيه في لحظاته الأخيرة، فضلًا عن حضور الجنازة أو الوقوف لتلقي العزاء. تضيف هند "مصطفى أخويا الصغير بس هو كبير البيت بابا فضل تعبان فترة طويلة ومكنش بيعرف يزوه ولا يعرف أخباره لحد ما مات وهو كان بيتمنى يشوفه بس للأسف محصلش، ودلوقتي بقيت أنا وماما محتاجين مصطفى معانا. إحنا منعرفش هو بيدفع تمن إيه بالظبط".

مصطفى جمال - صورة من حسابه على فيسبوك

عبارة "ملوش في السياسة" تكررت أيضا مع مصطفى، على لسان هند "إحنا ملناش أصلا في السياسية لا معاها ولا ضدها، والجو بتاع السجون والحبس والكلبشات ده كله مينفعش مصطفى يكون فيه، هو كان بيعمل شغله عادي وعمره ما كان ضد البلد أو فكر يعمل حاجة ضدها".

الشاب الناجح في عمله تحول لشخص بين "أربع حيطان" تحيط الكلبشات بمعصميه دون مبرر كما ترى هند التي تحكي كيف استقبلت والدتها نبأ وفاة شادي بالصراخ والعويل "شادي كان زي مصطفي مش بس علشان في قضية واحدة بس كمان علشان بقالنا أكتر من سنتين سوا وحسينا فعلا إنه بقى واحد مننا".

في مكالمة هاتفية لم تخل من الرهبة والخوف، قالت هند "منعرفش دلوقتي مصطفى عامل إيه ولا حاسس بإيه لما شاف صاحبه بيموت قدامه، نفسيته عامله إيه، كل دي حاجات منعرفش عنها حاجة ولا عارفين ممكن يكون في تواصل امتى بيننا وبينه علشان نقدر نطمن عليه ونواسيه هو وزمايله ونهون عليهم اللي شافوه".

هالة دومة محامية مصطفى جمال، قالت للمنصة إن موكلها قبض عليه في مارس 2018، بسبب توثيقه صفحة رامي عصام على فيسبوك عام 2015، ولم يكن يعلم شيئا عن الأغنية، وتلك هي المرة الوحيدة التي تعامل خلالها موكلها مع رامي عصام. كان مصطفى، حسب محاميته، يؤدي عمله في مجال السوشيال ميديا، ولا علاقة له بأي محتوى تقدمه الصفحة.

كانت القضية رقم 480 لسنة 2018 المعروفة إعلاميا بـ "قضية بلحة" تضم سبع متهمين، أخلي سبيل خمسة منهم وبقي شادي ومصطفى وحدهما. لم يكن أمام شادي سبيل سبيل لمغادرة السجن سوا بمغادرة الحياة كلها، ليظل مصطفى سجينًا وحيدًا على ذمة هذه القضية.

ردود الفعل على وفاة شادي غاضبة بسبب وفاة شادي في سجنه، نشطاء وسياسيون يطالبون بإعادة النظر في أوضاع المحبوسين احتياطيًا، وبتحسين الرعاية الصحية للسجناء، الأمم المتحدة تطالب بفتح تحقيق حول ملابسات الوفاة، وحدها وزارة الداخلية صامتة، ولم يخبرنا أحد حتى الآن، لماذا مات شادي؟