بورتريه لشادي حبش من صفحته الشخصية- فيسبوك

17 سؤالا يثيرها تقرير النيابة حول وفاة شادي حبش في السجن

بيان النائب العام حول وفاة المخرج المصري شادي حبش (24 عامًا) يثير عددًا من الأسئلة ربما يتعين الإجابة عنها لاحقًا من الأجهزة التي طلبت منها النيابة مشكورة معرفة مدى اتساق التصور الحالي لملابسات الوفاة مع الواقع، إضافة إلى بيان "مدى صحة الإجراءات الطبية التي اتخذها الطبيبان اللذان وقعا الكشف عليه".

لمن لا يعلم القضية؛ حُبس شادي احتياطيا على ذمة القضية 480 لسنة 2018 بعد أن أخرج فيديو كليب للمطرب رامي عصام اعتبر وقتها مسيئًا للرئيس. وقد مضى عليه في الحبس الاحتياطي أكثر من سنتين لم يُقدم خلالها للمحاكمة.

طبقا لتقرير النيابة الصادر يوم 5 مايو، تم إخطارها مساء الأول من الشهر بوفاة المحبوس شادي حبش. وبعد عرض للوقائع السابقة على زيارة الشاب الأخيرة لعيادة السجن، يقودنا التقرير لاستنتاج أن شادي مات مسمومًا. إذ يشير التقرير إلى أنه ربما تناول عبوتين مما أطلق عليه التقرير "الكحول المسموح به لتطهير أيدي المحبوسين احترازًا من فيروس كورونا"، حجم كل واحدة مئة ملليلتر، بعد تخفيفها بالمياه الغازية. وهو ما دعا الصحف لتصدير عناوينها عن التقرير بهذا الاستنتاج.

يثير التقرير علامات استفهام عديدة ربما يجيب عنها الطبيب الشرعي الذي أحالت النيابة القضية إليه، خاصة ما يتعلق بتعامل منظومة السجن الطبية في هذه المأساة.

إتلاف العصب البصري واحد من أعراض التسمم بالكحول الميثيلي وليس الإيثيلي. وهو كحول يتمتع بسمية عالية ولكنه لا يستخدم للتطهير.

أولا: هناك تضارب واضح ينقله التقرير عن عدد المرات التي قام الطبيب فيها بفحص شادي. إذ يقول التقرير إن المتاعب بدأت في اليوم السابق على الوفاة، أي يوم الخميس وهو ما استدعى فحصه بواسطة طبيب السجن أربع مرات (أو ثلاثة). مرة فجر الجمعة، والثانية (ربما) كانت في العاشرة صباحًا، والثالثة عند الظهيرة، والأخيرة مساء الجمعة.

ما يجعلنا نتردد في القطع بأن شادي فُحص بواسطة الطبيب مرة ثانية في الصباح هو التقرير نفسه. إذ يقول نقلا عن الطبيب إنه "في صباح ذات اليوم أُبلِغ مرة أخرى باستمرار إعياء المذكور وإصابته بقيء، فكشف عليه وتأكد من طبيعية معدلات علاماته الحيوية، ثم حقنه بمضاد للقيء وأعاده لمحبسه".

إلا أن التقرير ينقض القصة بنقله عن شهود عيان من مرافقي شادي في الزنزانة. إذ قالوا إن شادي نقل للعيادة في الصباح وعاد بسبب عدم وصول الطبيب.

يقول التقرير "استمر في التقيؤ وأصيب بهذيان، فاستغاثوا له مرة أخرى مع مطلع النهار، فنقل لعيادة السجن في غضون العاشرة صباحًا ومكث بها قرابة ساعتين ثم عاد إلى محبسه، حيث علموا منه بطلبه من الحراسة العودة إلى محبسه لحين حضور الطبيب الذي لم يكن وصل للسجن بعد".

ثانيا: في كل الزيارات السابقة على زيارته الأخيرة للعيادة ينقل التقرير عن الطبيب أن حالة شادي كانت مستقرة وعلاماته الحيوية جيدة. (العلامات الحيوية: درجة الحرارة، سرعة النبض، معدل التنفس، ضغط الدم)، وهو ما يبدو غريبًا لأي طبيب تعامل مع حالات تسمم كحولي. هل كانت العمليات الحيوية كلها مستقرة في الزيارات الثلاث بالفعل؟ لو كان شادي يعاني من تسمم كحولي أدى لاحقًا للوفاة، يصعب ألا تتأثر العمليات الحوية بشكل مضطرد يزداد سوءًا بما يستدعي رعاية طبية أكثر تخصصًا.

ثالثا: بناء على ما سبق، لماذا لم ينقل المريض للمستشفى بعد تردده على العيادة، ثلاثة مرات في يوم واحد لم يتمكن الطبيب فيها من التعامل مع المشكلة؟

رابعا: ينقل التقرير عن الطبيب أنه في الزيارة الأولى وبعد علمه من المتوفي بتعاطيه للكحول "أعطاه مطهرًا معويًا ومضادًا للتقلصات وأعاده لمحبسه لاستقرار حالته". كيف يصرف طبيب مطهرا معويا لحالة تسمم بالكحول؟ نحن لسنا امام حالة تسمم معوي نتجت عن تناول طعام فاسد وتحتاج لـ"مطهر معوي".

خامسا: في زيارة الصباح الثانية (المشكوك فيها) يقول الطبيب إنه "حقنه بمضاد للقيء وأعاده لمحبسه". هذه أيضا غريبة. القيء رد فعل طبيعي وصحي من الجسم لطرد السموم التي تدخل إليه. لماذا يحقن الطبيب مريضه بمادة تمنع القيء وتسبب استقرار السم في جوفه؟

هذا إجراء يتخذ بعد عمل غسيل للمعدة لإزالة آثار السموم من جوف المريض، لو استمر بعدها في القيء. في حالة شادي لم يجر الطبيب غسيلا للمعدة وإنما بادر بحقن المريض بمضاد القيء.

سادسا: هل مات شادي مسموما بكحول التطهير؟ تعترضنا بعض المشاكل الإضافية للإقرار بهذه الفرضية. كحول التطهير هو الإيثانول بتركيز 70%، وهو ليس سامًا بكميات صغيرة أو معتدلة فهو نفس نوع الكحول الموجود في كل المشروبات الروحية. التسمم بالإيثانول وارد لكن يقتضي الأمر شرب كميات كبيرة منه في فترة قصيرة (ربما لتر). في كل الأحوال لابد أن يسبب هذا ارتباكًا في العمليات الحيوية: انخفاض الحرارة، بطء التنفس وارتباكه، انخفاض ضغط الدم، شحوب أو ازرقاق في الجلد، هلاوس، فقدان الوعي. أما شرب 200 مليلتر فقط من الإيثانول (حوالي كوب) مخففًا بالمياه الغازية، على مدى ساعات، فيصعب أن يتماشى مع السيناريو الذي أقره التقرير استنادا لروايات الأطباء.

سابعا: من التقرير يمكن أن نستنتج بعض "الحقائق". أولها أن كحول التطهير مسموح به في السجن. وثانيها أن هناك نوعا بعينه متوافر بين أقرانه السجناء، فيما كان "كحول التطهير" الموجود في حيازة شادي من نوع آخر. هل هو يا ترى نوع تسمح به إدارة السجن أو تقوم هي بتوزيعه؟ التقرير لن يساعدنا في هذه المسألة.

يقول التقرير "أخذ المحبوسون رفقته في التأكد من مدى نقصان الكحول حوزتهم؛ فتأكدوا من سلامته بينما عثروا بسلة المهملات على عبوتين من الكحول فارغتين سعة الواحدة نحو مائة مللي تقريباً من نوعية مغايرة لم يستخدمها سوى المتهم وحده، إذ وجدوا في متاعه عبوة من ذات النوع".

نفهم أن يحتاج جهاز العدالة أسابيع أو شهور لاستكمال أدلته وتقديم المتهمين للمحاكمة. التمديد حتى سنتين بالتأكيد يجعله قانونًا سيئ السمعة يقتضي المراجعة من أجل الصالح العام.

ثامنا: طبقًا للتقرير وللشهود كانت لدى شادي ثلاث عبوات. عثر في سلة المهملات على عبوتين فارغتين، وبين ملابسه على عبوة ثالثة. أين هي؟ هل تم التحفظ عليها؟ لماذا لم يتم تحليلها والإعلان عن محتواها في الأيام الثلاثة أو الأربعة بين واقعة الوفاة في الأول من مايو وصدور التقرير في الخامس منه؟

تاسعا: هناك ضرورة للتحقق مما ورد في التقرير بخصوص شكوى المتوفى من عدم تمكنه من الإبصار بوضوح. إتلاف العصب البصري واحد من أعراض التسمم بالكحول الميثيلي وليس الإيثيلي. وهو كحول يتمتع بسمية عالية ولكنه لا يستخدم للتطهير. يصبغ الميثانول أحيانا باللون الأحمر لتمييزه والحد من استخدامه في غش المشروبات الكحولية ويسمى "سبرتو". (يطلق على الموقد الصغير الذي يستخدم لعمل القهوة "سبرتاية" لأن السبرتو هو الوقود المستخدم فيه).

خلافا لما يشاع؛ لا علاقة للصبغة الحمراء المُضافة، بسمية هذا الكحول الشديدة والتي تشكل خطرًا على الإنسان بدءًا من جرعات صغيرة لا تتجاوز معلقة متوسطة (10 مليلتر) بسبب تحوله إلى حمض الفورميك في الدم. أما الجرعات القاتلة فتتراوح بين 30 إلى 240 ملليلتر. بينما تناول شادي مئتي ملليلتر.

عاشرا: لو كان ما تعاطاه شادي كحول ميثيلي سينفتح أمامنا باب واسع للأسئلة: كيف حصل شادي عليه؟ لماذا كان ما معه من كحول مختلفا عما بحوزة أقرانه؟ هل يباع هذا الكحول المغشوش في السجن بشكل شرعي أو غير شرعي؟ هل حصل عليه من الخارج.

هذه بعض الأسئلة التي تثيرها هذه المأساة ولكن هناك تساؤلات أخرى تتجاوز واقعة وفاة شاب في العشرينات من عمره داخل السجن، وهي الأسئلة الأكبر وربما تكون الأهم:

11- لماذا لم يتم تقديم شادي للمحكمة على مدى ما يزيد على سنتين؟

12- ما هي الحكمة من تضييع وقت النظام القضائي بعمل جلسات متتابعة كل 15 أو كل 45 يوم لتمديد الحبس الاحتياطي؟ ما الفائدة التي تعود على المجتمع من عدم الحسم في هذا النمط من التعامل مع المحبوسين لو سلمنا بفرضية أن كل القرارات المؤسسية ينبغي أن تنبع من مصلحة المجتمع أولًا وأخيرًا.

13- المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته. والحبس الاحتياطي يعتبر اعتداء على حرية بريء وينبغي أن يطبق كاستثناء وليس قاعدة. هو وسيلة لحماية المجتمع في حال اتهام شخص متنفذ يشكل وجوده في الخارج خطرًا بسبب قدرته على تحدي القانون أو التأثير على القضية أو الإضرار بالناس. لذا يتم حبسه إلى حين استكمال أوراق القضية. ما هي الخطورة التي كان يمثلها شاب في مقتبل العشرينيات على المجتمع والتي اقتضت عقابه دون محاكمة؟

14- هل هناك إمكانية لمراجعة قانون الحبس الاحتياطي لتقليصها بما يتوافق مع حقوق الإنسان؟ نفهم أن يحتاج جهاز العدالة أسابيع أو شهور لاستكمال أدلته وتقديم المتهمين للمحاكمة. التمديد حتى سنتين بالتأكيد يجعله قانونًا سيئ السمعة يقتضي المراجعة من أجل الصالح العام.

15- كون الحد الأقصى للحبس الاحتياطي سنتين لا يعني أن يكون هذا هو المعتاد مع كل من يطبق عليه الإجراء (هو إجراء وليس عقوبة). لماذا لم تستكمل أوراق قضية شادي ولم يتم تقديمه للمحاكمة بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة؟ ما هي مبررات التمديد واستنفاد الحد الأقصى؟

16- لو كان للأسئلة السابقة أية مبررات منطقية، ما هو مبرر مخالفة القانون وإبقاء شادي في السجن بعد استنفاد حد السنتين الأقصى للاحتجاز؟

17- هل هناك إمكانية في ضوء مأساة موت شاب مصري عشريني لمراجعة الفلسفة الأمنية المطبقة حاليًا لدعم منظومة العدالة حتى لا يُعتقد أنها منظومة انتقام وتشف؟ هل من الممكن أن يعاد النظر في القانون وأن يطلق سراح كل المحتجزين دون محاكمة ممن مضى عليهم في السجن ثلاثة أو ستة شهور كحد أقصى على أن تحسم قضاياهم بالبراءة أو بتقديمهم للمحاكمة في أسرع وقت؟


اقرأ مقال هبة أنيس، زوجة السجين وليد شوقي، زميل شادي في الزنزانة:
شادي حبش: ملامح بشوشة تغادر عنبر 4