لافتة منددة بالسلطة الأبوية - صورة مفتوحة المصدر لـ doubichlou14 من فليكر

إعادة تدوير الأبوية: مجتمع الميم وإشكاليات "محاسبة" هشام سليم

- بنتي نورا بقت ابني نور.

- إزاي؟

- إزاي ده ربنا.

هكذا بدأ الفنان هشام سليم سرد قصة عبور ابنه الجنسي أثناء حواره مع المخرجة/ الإعلامية إيناس الدغيدي في برنامج شيخ الحارة والجريئة على قناة القاهرة والناس مطلع هذا الشهر، وقد بدا طوال ست دقائق استغرقتهم القصة، مرتبكًا مترددًا، قبل أن يصفه الكثيرون لاحقًا بالجرأة والشجاعة.

ومع تجاوز الطريقة السذاجة التي حاولت بها الدغيدي إقناعنا بأنها فاجأت ضيفها بسؤاله عن عبور ابنه الجنسي، فإن أغلب الظن أن سليم اختارها تحديدًا لجرأتها المعتادة في تناول هذه المواضيع، وتعاملها مع إعلانه هذا بدعم لا بنقد لاذع كما يتوقع من مذيعات أو مذيعين آخرين.

أصبحت الحلقة، بطبيعة الحال، حديث الساعة على منصات التواصل الاجتماعي التي انقسمت كعادتها بين المحافظين الذين اتهموه بتغيير خلق الله والتعدي على قدراته ومشيئته، وأولئك الذين اعتبروه بطلًا جسورًا صنع بقوله هذا تغييرًا حاسمًا في قضايا العبور الجنسي في مصر.


سؤالي وقتها كان عن نور ذاته، أين هو؟ هل قرر مع أبيه كشف هذه التجربة من حياته للإعلام؟ لماذا جلس سليم مع إيناس يتحدثان عن حياة هذا الغائب أحيانًا بضمير المؤنث وأحيانًا أخرى بضمير المذكر وهو لم يتدخل حتى بمكالمة هاتفية؟

ولكن سرعان ما حصلت على الإجابة، عندما ظهر نور مع أبيه بعد عدة أيام في برنامج جعفر توك على قناة دويتشه فيلله الألمانية. كان واضحًا اتفاقهما الكامل على أن يشارك نور بنفسه تجربته برضىً كاملٍ للجمهور، إذ أجاب سليم حين سأله المذيع عن سبب حديثه للإعلام عن تجربة ابنه "أنا قلتله هيسألوني عن الموضوع وهو قالي قول الحق". أما نور نفسه فقد ذكر عدة مرات أنه ليس معنيًا بتغيير رأي الأشخاص في المثلية الجنسية حيث قال "أنا مش عايز أغير رأي حد ومش عايز أفكر في حد. أنا عايز أعيش كويس".


من البداية حرص الاثنان على التطرق إلى الموضوع بصيغته الفردية، باعتبارها تجربتهما بكل ما فيها من ارتباك وقبول ورفض وأزمات وانكسارات وانتصارات، لا كخطاب حقوقي موجه يدافع عن صاحبات وأصحاب الهويات الجندرية أو الجنسية المتعددة. فهشام ليس لديه ما يقوله للجمهور ولا نور قدم نفسه كناشط حقوقي داعم للعابرين والعابرات جنسيًا. بل وبكل بساطة، عبر الفتى عن صعوبة تجربته في مصر واعيًا بامتيازاته التي من أهمها انه "ابن هشام سليم اللي لما وقف ورق بطاقتي طلعهالي في أسبوع"، بل وبوضوح حين ذكر جعفر تاريخ نضال العبور الجنسي والمثلية الجنسية قال هشام "أنا مش عايز أخليها مثليين ومثليات".

هذه المقتطفات من الحوار مهدت في رأيي اجابته المتوقعة عن سؤال جاء من الجمهور عما كان سيحدث لو أن الأمر كان معكوسًا وعبور نور سيكون من ذكر لأنثى. كان هذا هو السؤال الذي أربك هشام ورد عليه بأن "الحال كان سيكون أصعب مع مجتمع يعتبر الولد ضهر للعيلة ومستقبلها، فالحمد لله، مع إني شايف إن الاثنين زي بعض". وفي نهاية اللقاء قال لابنه كلمة من كل قلبه كما طلب المذيع "أنا أبوك غصبًا عنك وأنا موجود على شانك. إنت حياتك كانت صعبة وهتبقى صعبة ومحتاجة راجل وشخصية وهدف".

بتلك الكلمات انتقل هشام سليم في عيون الكثيرين من موقع البطل المتحرر المغوار إلى موقع الرجعي المدان بذكوريته، وانهالت مئات المنشورات بل والمقالات التي انتقدته، لعل آخرها مقال مهى محمد وهي كاتبة عابرة جندريًا ماذا كنت تقصد بالضبط يا عم هشام؟ والذي أنهته قائلةً "أنا أخاطبك بلقب العم لأنك في جميع الأحوال قد صرت الآن واحدًا من أهالينا، فابنك بمثابة أخ لنا، وبالتالي فأنت بمثابة عم، ومثلما قلت لنور (أنا أبوك غصب عنك) فأنت الآن صرت عمًا لنا غصب عنك برضه، وصار لديك بالتالي مسؤولية ما تجاهنا في كل ما تقول.. شفت؟!.. مصيبة!!".

في رأيي، توجيه الخطاب والمسؤولية لفنان قرر مشاركة جزء من حياته الشخصية، وتحميله ما لم يرد تحمله، هو المصيبة ذاتها. وحديث مهى يفسره مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور حين يتحدث عن الذوبان في الجماعات المغلقة والاحتماء بالاسرة والعشيرة كحيل دفاعية. فالجماعة تتعرض الى قهر وينغلق أفرادها على انفسهم متعصبين لأنفسهم وصانعين مع الجماعات المجاورة علاقات صراع وعداء وحذر واضطهاد. فكل ما داخل الجماعة هو مصدر الخير والأمان والانتماء وكل ما خارجها هو مصدر الشر والخطر. من هذا المنطلق سألت مهى سليم هشام "أنت عمنا فهل معنا أم علينا؟".

على مدار سنوات، تميز نضال مجتمع الميم بالتخلص من هذه الدوجمات الفكرية والثنائيات المتضادة، والتغاضي عن الطريقة النمطية لتقديمهم في السينما والدراما، والتي لم تخلُ من وصم، فهم إما مادة للسخرية أو في أحسن الأحوال مرضى نفسيين، وهو ما عكس إدراكًا سباقًا بأن حركة التغيير على الأرض هي، وحدها، التي ستخلق توجهًا جديدًا ومختلفا لدى المجتمع كله، بما فيه الفنانين، لمقاربة قضايا مجتمع الميم.

وحتى مع تكرار حوادث القبض والتشهير وهجمات التعذيب الكبرى التي شنتها الدولة في لحظات تاريخية مختلفة بحقهم، واجهوها بخطاب مفاده نحن موجودون/ات وسنستمر رغم كل هذا. وأيضًا فإن الفكر النسوي ساهم في تشكيل حركة فكرية أيقنت -حتى وإن كانت ممنوعة من الانتشار- أن لب أزماتها مع الأبوية، وحاربتها بكل سبلها بداية من اللغة وحتى توازن علاقات القوى في المجتمع.

تبدو محاسبة سليم على مواقفه من أمور لم تحدث واختباره آيديولوجيًا، إعادة انتاج للمجتمع الأبوي باستخدام نفس أدواته التي تتمركز حول الوصاية والإنقاذ العشائري والعائلي.

تُعرّف الأبوية على أنها "نظام اجتماعي يمتلك فيه الرجال السلطات الأساسية في المجتمع، مما ينتج عنه امتيازات عديدة للرجل وسيطرة على حقوق الملكية، هذه البنية الاجتماعية التي تضع الرجال في مكان أعلى من النساء وغير مُعرّفي النوع الاجتماعي، تسيء إلى كل الأطراف. ومن أشكال إساءة النظام الأبوي للذكور هي تجريم ورفض كل ما هو أنثوي أو كل ما يتعارض مع الصورة النمطية الجندرية للرجال".

هذا التعريف كافٍ لفهم ما مر به سليم ونور، ولفهم أن المخاوف التي ساورتهما في حال كان العبور معكوسًا واستيعاب العبور من أنثى إلى ذكر بديهية بالنسبة إلى شخصين لم يختارا دعم مجتمع الميم كآيديولوجية وقضية تغيير اجتماعي، ولكن نحتت تجربتهما أفكارًا الجديدة تقبلاها بمعاناة على مدى سنوات.

لذلك، فإن محاسبتهما على كلامهما كصناع رأي وطرح أسئلة واحتمالات لم تحدث لاختبارهما آيديولوجيًا، تبدو أمورًا غير مفهومة وجدالات بلا فائدة ولا نهاية، بل هي إعادة انتاج للمجتمع الأبوي باستخدام نفس أدواته التي تتمركز حول الوصاية والإنقاذ العشائري والعائلي ومعاقبة المختلفين على اختياراتهم وإقصائهم.

كنسوية، لم أعد أفاجأ بالتصريحات الذكورية والرجعية التي تخرج علينا يوميًا من فنانين وفنانات، تؤيد التعدد أو تمنح الرجل حقوقًا كالتحكم في ملابس زوجته أو منعها من الظهور الإعلامي أو تشير إلى أهمية التزام الفنانات بأدوارهن الاجتماعية داخل المنزل، كما لم أعد أفاجأ بالتصريحات "المتحررة" التي تدور في فلك مواضيع تحدث الضجة مثل الخلع والزواج لـ 11 مرة. إنه مجال للنميمة تتسابق عليه صفحات الأخبار الخفيفة، وليس مؤشرًا ولا دافعًا لأي تغيير اجتماعي جذري. لذا، فما لي عند الفنان هي أعماله، أستمتع بها أو أنصرف إلى غيرها، لأن بطولة العمل الفني لا تعكس أي بطولة في الحياة الحقيقية.

نحن لسنا بحاجة لأن يكون هشام سليم عمنا ولا أن تكون الفنانة المطلقة السعيدة أختنا لنحتذي بها ونقايض المجتمع على دعم قضايانا.

إشكالية الخطاب في قضايا مجتمع الميم

يضرب مجتمع الميم صلب النظام الأبوي ويهدد مؤسساته التي استقرت بوجوده. فخروج الشخص عن نمطه ودوره الجندري المعد له مسبقًا من قبل المجتمع أمر في غاية الصعوبة، ومهدد لعلاقات القوى والملكية التي نظمها المجتمع بين جنسين فقط أقر وجودهما هما الرجال والنساء، وهما بدورهما أدوات إعادة إنتاج الأسرة والطبقة والجندر.

ولكن تتضاعف صعوبة العمل العام في قضايا مجتمع الميم، لمرور أفرادها بلحظات عنيفة ومحورية في البحث والتحقق من هوياتهم في مجتمع ينزع عنهم أي امتياز ممنوح لرجاله ونسائه، وفي مواجهة بناء رأسمالي ودولة معنية بتحقيق سياق أخلاقي وديني يسمح للأغلبية بالتسيّد.

رحلة مقاومة عنيفة من أقصى الداخل الى أقصى الخارج تتداخل فيها محاور شخصية واجتماعية واقتصادية وسياسية وحتى لغوية، ولعل تأمل قصة واحدة كملك الكاشف، وهي العابرة جنسيا من رجل الى انثى كفيل بأن يشرح لنا مقولتها في حوارها مع مدى مصر "أن العبور لتكون امرأة هو مواجهة لكل أطراف السلطة" .

أتوافق مع قول جوديث بتلر في كتابها مشكلة الجندر حين تقول إن "الهويات الجندرية تؤدَّى ويحفظ وجودها بفعل تكرارها، لذا فمن شأن تكرار الأفعال والسلوكيات الفردية المقاومة للتمثيلات الجندرية السائدة أن يؤدي إلى التغيير".


لقراءة حوار المنصة مع ملك الكاشف: حكاية عن أجنحة السجينة وصندوق أحمر للعبور الجنسي


ولأنني نسوية، أعرف أن التحرش لن ينتهي باستجداء رجل بكوني كأمه أو أخته أو زوجته، بل لأنني مواطنة لي كامل الأهلية ويحق لي تقاسم المجال العام معه بشكل آمن، لذا فنحن لسنا بحاجة لأن يكون هشام سليم عمنا ولا أن تكون الفنانة المطلقة السعيدة أختنا لنحتذي بها ونقايض المجتمع على دعم قضايانا، بل علينا تأمل تاريخ حركات التغيير وبالتحديد تاريخ نضال مجتمع الميم الملهم وتسليط الضوء على النماذج التي اختارت ان تراهن بحياتها حد الموت، لتصنع خطابًا حقيقيا للحركة رغم التضييقات المميتة على المجال العام.

خطاب ينطلق من حرية الفرد الكاملة في جسده/ها أيًا كانت توجهاته/ها الجندرية أو الجنسية، والضغط لتحقيق مساحات استيعاب دستورية وقانونية لاختيارات الافراد على اختلافهم، ودعم أفراد مجتمع الميم بتجارب ومسارات من سبقوهم، وهي الطريقة نفسها التي ستفتح نقاشًا أوسع مع ذويهم باعتبارهم الدائرة الاقرب والأكبر تأثيرًا في رحلة العبور أو التغيير ومن ثم تتشكل دوائر أكبر من الداعمين سواء كانت أسباببها فردية تخص تجارب شخصية، أو عكست رؤىً جمعيةً -قد تتقاطع مع رؤى اجتماعية أخرى- تؤمن بالمساواة والتنوع دون الاستسلام لعداءات مختلقة.

حكاية نور مهمة في سياق تكرارها لا لمحاسبته ومطالبته بدور لم يستعد لبذله، بل لفتح ملفات ونقاشات حقيقية حول القضية في عمومها وتوصيل الدعم لمن هم بلا برامج تلهث وراء تصريحاتهم .