تصميم: يوسف أيمن- المنصة

يومياتي مع كورونا| اتطوعت للتغسيل علشان حق الميت

الاسم: محمد حلمي حامد.*
المهنة: خطيب للأوقاف، ومغسّل متطوع لوفيات كورونا.
السن: 41 سنة.


بقالي 25 سنة بغسّل موتى، اللي مات في حادثة، واللي مات مقتول، واللي مات محروق، واللي مات موتة ربنا، بطلع أغسل تبع المشارح والمستشفيات، وللجيران وأهل المنطقة عندي، أخدت موضوع الغُسل ده من أبويا الله يرحمه، والدي كان مغسّل شرعي، وكنت بروح أشتغل معاه مساعد، وأشوفه وأتعلم الغُسل، وأنا عندي 16 سنة أبويا ماكنش موجود، وفي واحد مات وعاوزين يغسّلوه، فقالولي تعالى انت غسّله، ودي كانت أول مرة ليا لوحدي، من بعدها بقا الموضوع عادي، وبقرا كتب كتير تخص الموضوع، عشان حق الميت، خصوصًا وأنا خريج مدارس أزهرية من ابتدائي.

موضوع بقا المبادرة ده جه صدفة، كنت برا منطقة سكني (روض الفرج) وكان في مصاب بكورونا في الشارع، ومات في حوش بيته، و فضلت زوجته تعيط و تصرخ بتنادي على حد يغسّله، ملقوش، كل الناس خايفة تقربله، أفرض اتعديت من الجثة هعدي أهل بيتي، بالعافية لقوا متطوع يكرمه، رجعت وعرفت اللي حصل للراجل ده، حزنت من جوايا، بقيت أسأل اللي اعرفهم ماروحتوش ليه، كانوا بيقولوا خايفين على نفسنا وولادنا، بدأت أفكر أني أتطوع لله وأغسّل كل ضحايا المرض ده.

عملت المبادرة دي كفاعل خير، عشان شوفت بلاوي كتير.

أنا متزوج وعندي 3 بنات، كنت بردو قلقان شوية على أسرتي، عرضت على مراتي الموضوع، متجوزين من 12 سنة، وعارفة إني مغسّل، وبتساعدني وبتقويني أكمل، لقيتها بتقولي توكل على الله، وفاجئتني إنها هتتطوع لتغسيل النساء، موتى المرض، وقرارها ده فرّحني أوي يعني حسيت إني بعمل حاجه مهمة و شجعني، توكلت على الله واتصورت الصورة اللي نزلتها على الفيسبوك دي، وكتبت رقم موبايلي، وإني متطوع للغُسل، قفلت التليفون وخلاص على كده.

الصورة عملت قلبان

جيت أفتح التليفون لقيت الصورة عملت قلبان بقا، وناس كتير نشرتها، وناس بتدعيلي وناس بتبعتلي ناس، ماكنتش متخيل إن الموضوع هيسَّمع كده، أنا قولت اللي هيشوفها أهل المنطقة اللي عندي على حسابي، ولو لاقدر الله حد مات هيقولولي، في أول يومين بس، جالي فوق العشرين طلب، بس طبعًا ماقدرتش أطعلهم كلهم، لأن أغلبهم في محافظات برا القاهره، ومش متوفر معايا عربية أتحرك بها، بس ربنا كان بيقدرنني و أدور في زمايلي وابعتلهم حد.

ولاد الحلال في روض الفرج لما عرفوا المبادرة راحوا جابولي بدل وقاية، الجلد الصفرا دي اللي بيبلسوها الدكاترة، وجالي منظفات وكلور وكمامات وجوانتي كتير أوي تبرعات من أهل المنطقة، الكل بصراحة وقف معانا وساعد باللي يقدر عليه، محدش بخل، كمان في اتنين من الشباب اللي كانوا بيساعدوني في غُسل قبل كده تطوعوا معايا، وقالوا هنطلع معاك مساعدين، وأنا فرحان بهم أوي، أنهم مش خايفيين، محدش دربنا نلبس البدلة ولا حاجه، إحنا مع بعض كده علمنا بعض على خبرتنا الشخصية والتعليمات اللي بنشوفها في التلفزيون عن التعقيم و التطهير.

إحنا قرينا أن الجثة ماتنقلش الفيروس، بس أهو اجراء احترازي عشان اللي هيشيلوا لاقدر الله حد فيهم يتعدي لأي سبب.

أول حالة استقبلتها كان راجل متوفي في القاهرة، الفجر تليفوني رن، برد لقيت صوت بنت مفطورة من العياط، الصوت فزعني، هديتها وحاولت أفهم منها، وأخدت العنوان، و وعدتها أروحلها، كانت بتدور على حد يغسّل أبوها، بس الموقف صعب أوي أوي، يقولك إن الأنسان مش بس مالوش في نفسه حاجة، ده إحنا كمان لوحدنا ولوحدنا أوي، الراجل على سريره ميت وعياله خايفين يقربوا منه، خايفين يودعوه، حاجه صعبة، ومنظر يوجع القلب.

وقفت على الباب حسيت برهبة الموت، بس أنا خلاص هتعامل مع الجثة، واحتسبت الثواب لربنا، وبدأنا نلبس البدلة، وناخد الكمامات والفيس شيلد، وسمينا بالله ودخلنا، الجثة بتتغسل شرعي زي أي جثة، وبعدين بتتكفن بكذا طبقة من قماش الكفن، وبنربط جامد، وآخر حاجه مشمع تقيل بنلف به الميت، إحنا قرينا أن الجثة ماتنقلش الفيروس، بس أهو اجراء احترازي عشان اللي هيشيلوا لاقدر الله حد فيهم يتعدي لأي سبب.

حياة الإنسان غالية

بنخلص ونقلع البدلة، نعقّم نفسنا كويس أوي و نرش كحول على كل جسمها وايدينا، وأنا مروح عيالي ومراتي بيدخلوا أوضة، وأنا بدخل أستحمى وأعقم نفسي وهدومي كويس، وبعدين أخرج، مهما حكيت أد أيه الموضوع صعب محدش هيحس غير اللي عاش الموقف وشاف الناس ميتة والكل خايف يقربلها، خايفين يموتوا هم كمان، حياة الإنسان غالية.

أنا عملت المبادرة دي كفاعل خير، عشان شوفت بلاوي كتير، المغسلين خايفين واللي مش خايف وهيغامر ويروح بيطلب فلوس كتير أوي من أهل المتوفي، فهيبقا موت و خراب ديار يعني، الله أعلم بحال الأسر دي هيعملوا إيه بعد اللي مات لهم، فأنا مؤمن إني لو ماشلتش غيري دلوقتي لو وقعت محدش هيشيلني، ومش بس كورونا، ده لو وقعت في أي ابتلاء من ربنا يعني، عملنا ده واللي هيشيلنا، وأنا أدعي ربنا محدش بموتله حد بسبب المرض تاني أبدًا.


* هذه شهادة تنشرها المنصة بعد التأكد من هوية الكاتب والتحقق من شهادته عبر اتباع الطرق المهنية والقانونية الملائمة، والحفاظ على خصوصية المرضى، مع عدم التدخل في صياغة الشهادة من جانبنا.