أسماء عصام - تصوير: سارة زكريا

السود في مصر: نماذج بشرية لشرح دروس العبودية

يروق للفتاة النوبية أسماء التعاطف الذي يبديه كثير من المصريين مع الاحتجاجات التي اندلعت في الولايات المتحدة وامتدت إلى دول أوروبية، على عنف الشرطة بحق المواطنين السود، ولكنها في الوقت نفسه تبدي دهشةً لأن هذا التعاطف يتناقض مع ما مرت به خلال سنوات حياتها التي تجاوزت العشرين بأربع سنوات عاشتهم في القاهرة.

"هو من أول ما اتولدت كدة ولسه بقول بسم الله وأول سنة لسة في كي جي 1، العيال كانت بتخاف تلعب معايا عشان لوني أسمر أو سودا زيي ما كانوا بيقولولي وكان بيقولوا انتي مسيحية روحي العبي مع المسيحيين. فكنت بروح ألعب مع العيال المسيحية وصدقت إني مش مسلمة لحد ما في البيت عرفوا وراحوا مدرسة وعملوا حوار كده"، تحكي أسماء عصام للمنصة.

تفسر أسماء اعتقاد زملائها أنها مسيحية بأن الكثير من المواطنين الأفارقة الذين يعيشون في مصر مسيحيين، فظنوا أنها ليست مصرية وليست مسلمة.

ولكن بعد تجاوز أزمتها في الحضانة، كانت المرحلة الابتدائية هي الأصعب بالنسبة لها، فلم يكن سواها هي وثلاثة آخرون في المدرسة من السود، فلازمها شعور مستمر بأنها أقل ممن حولها، حتى تخلصت من فترة الطفولة بأحزانها بانتقالها إلى مدرسة جديدة في المرحلة الثانوية، لتمر بفترة أهون وإن لم تخلُ من العنصرية بدورها.

"في الثانوي كانت الدنيا أهون بكتير، كنا سمر كتير أوي مع بعض فاللي هو لما حد بيتعنصر عليه بتبقي عارفه إنك مش لوحدك وحواليكي ناس تانيه شبهك وزيك، لكن في مره مش هانساها حصلت مشكلة بيني وبين بنت تانية عشان خبطها بدون قصد فالموضوع كبر والبنت فضلت تقولي كلام كبير زي إنه أنا ليه قاعدة هنا وامشي ارجعي بلدك إنتوا إيه اللي مقعدكو معانا هنا".

تشعر أسماء أن الناس يتعاملون معها معظم الوقت كأنها ليست مصرية، وتتساءل "حتى لو دي مش بلدي فأنا هبقى قاعدة في بلد بشتغل وبصرف بفلوسي مش بأسرق أو بأذي حد، فليه المعاملة على إني متطفلة؟".

وإذا كانت العنصرية التي عوملت بها أسماء توقفت عند حد التعامل معها باعتبارها لاجئة في بلدها، فإن آخرين يمرون بما أسوأ، مثل هشام عواض الذي استخدمه معلمه في الفصل لشرح درس عن العبودية.

هشام عواض - بإذن خاص للمنصة

يقول هشام (27 عامًا) للمنصة "ما أنساش أبدًا موقف اتعرضت له وأنا في أولى إعدادي. كان الاستاذ بيتكلم عن دور الإسلام في تحرير العبيد ولما اتكلم عن الموضوع ده كل نظره كان عليا في الفصل وحتى زمايلي في الفصل كانوا هما كمان بيبصوا عليا وفي الآخر ضرب عليا المثال إن العبيد كانوا سود زي هشام كدة بالظبط وضحك وكلهم ضحكوا وده سببلي أزمة نفسية ومقدرتش أروح المدرسة أسبوع أو أسبوعين عشان ميضحكوش عليا تاني. مقدرتش أقول لأهلي في البيت عن سبب إني مش عاوز أروح المدرسة ولما رجعت بعد ضغط والدي عليا مبقتش أحب أبص حتى في وش الأستاذ ده وأتهرب من حصصه على الرغم من إني كنت شاطر جدًا ومواظب على الحضور".

استمرت المضايقات والمسميات تلاحق هشام حتي بعد مرور السنين وعمله في مجال الصحافة "كان بيتقال ليا شتايم وألفاظ زي قعر الحلة أو أسود أو شامبانزي/ نسناس ويا عبد أو يا شيبوب، ولحد دلوقتي بيتقال كلمات هي بتتاخد كهزار لأنها ليها خلفية عنصرية زي شيكابالا أو بكار وكأن أي حد بشرته سودا يبقى بكار أو شيكابالا، فلما حد بيقولي كدة في المواصلات ولا الشارع برد وأقول إني بحب بكار/ شيكابالا لكني مش هو الشخص دة فدة مش اسمي".

حصل هشام علي بكالوريوس اعلام وعمل صحفيًا حرًا، كما أنشأ مدونته الخاصة التي ينشر فيها مقالات وقصصًا عن العادات والتقاليد الخاصة بالحضارات والبلاد المختلفة، واهتم بكل ما لا يعرفه الآخرون عن الأقليات والقبائل المغمورة.

"كل السود يطلعولي برة"

عندما كانت وسام فتحي في الصف الثالث الابتدائي تشاجرت مع إحدى زميلاتها، فاشتكت الأخيرة إلى مدير المدرسة. ولأنها لم تكن تعرف اسم وسام فذكرت أن من ضربتها كانت "بنت سودا". في اليوم التالي "وفي وسط طابور المدرسة بعد ما الإذاعة خلصت المدير مسك ميكروفون وقال كل السود الي في المدرسة يطلعوا".

وسام فتحي - بإذن خاص للمنصة

وتضيف للمنصة "بس يعني في الآخر الموقف قلب ضحك عشان البنت دي كانت طويلة جدًا وأنا كنت قصيرة ورفيعة مش باينة والناس كلها بقت هاهاههاها النملة والزرافة أهم، وقعدوا يضحكوا عشان فرق الحجم اللي ما بينا وإنه إزاي هي كبيرة وقوية عني يعني أكون عملتلها حاجه فعلًا".

وتحكي أنه "في مواقف تانية بعد فيلم صعيدي في الجامعة الأمريكية كان ناس بتمشي ورانا في الشارع ويا شوكولاتة يا شوكولاتة ويا بكار بعدها لما كان لسة جديد شوية، وبعدين يا شيكابالا".

العنصرية الموجهة ضد السود لم تبدأ في السينما المصرية مع صعيدي في الجامعة الأمريكية، ولكنها خلال سنوات طويلة ساهمت في تنميط أصحاب البشرة السمراء في مهن ومناصب معينة. في فيلم الانسة ماما يغني ثلاثة خدم ببشرة سوداء "أنا خدام تراب رجليكي وأنا محسوب ضوافر إيديكي".


استمر هذا التنميط وصولًا إلى 2018 في مسلسل عزمي واشجان الذي تقوم فيه الممثلة إيمي سمير غانم بدور كوميدي تدعي فيه أنها خادمة غير مصرية يعذبها رب عملها لتكسب تعاطف رجل آخر ينجذب للنساء السمراوات، وفي 2019 خرجت العنصرية من سيناريوهات الأفلام إلى تصريحات الفنانين عندما حكى ماجد المصري في إحدى حلقات برنامج شيخ الحارة ما اعتقد أنه موقف طريف.

المصري ذكر أن أحد أصدقائه رتب له "مقلبًا" عندما أخبره أن هناك ثلاث فتيات يرغبن في التعرف عليه ورتب موعدًا بالفعل "اتنين بالليل كنت واقف في ميدان روكسي"، وتابع "فتحوا العربية وركبوا، ومخبيين نفسهم، طب نشيل؟ شالوا ولقيت تلاتة أفارقة، اللي جه عليا إني لقيت نفسي بقولها إنزلي إنزلي إيه دا؟".

استدعاء لاعب الزمالك شيكابالا لممارسة سلوكيات عنصرية عانت منه جهاد أشرف "يا شيكا يا شيكا يا شيكا، أكتر حاجة بتتقال وبتنده بيها مش عارفة إيه شيكا يعني، بس تمام أنا أصلًا معنديش مشكلة الراجل جميل وبنحبه وأنا أصلا زملكاوية، بس هم بيقولوها لغرض الإهانة مبيقولهاش لغرض إنهم بيمدحوا فيا يعني إنه أنا لون شيكابالا، لا بيذموا".

قضت جهاد طفولتها في أسوان، وهناك لم تتعرض لتنمر بسبب لون بشرتها، ولكن عندما جاءت إلى القاهرة لتستكمل تعليمها وتحاول اقتناص فرصة عمل بعد تخرجها من كلية الحقوق اختلف الأمر، فالكثير من المواقف التي واجهتها في شوارع القاهرة بسبب السخرية من لون بشرتها دفعتها للبكاء والحزن.

 جهاد أشرف - تصوير: سارة زكريا

الأمر لم يقتصر فقط على المصريين، فصالح عبد الكريم، الذي وفد إلى مصر قادمًا من بلده بنين ملتحقًا بجامعة الأزهر، لم ينجُ منها، إذ يقول للمنصة بعربية مكسرة "ذات يوم ذاهب إلى منطقة الإنبي في الحي العاشر، ولقيني بعض الشباب وبدأوا يقولوا يا حمار يا حمار. قلت لهم إنت الحمار فضربوني بالحديد". صمت قليلًا ثم أضاف "لا أريد أحكي لأحد".

جاء صالح لمصر في 2015، ومنذ ذلك الوقت وهو يحارب لأجل البقاء واستكمال تعليمه، يتعرض طوال الوقت لسخريه والنكات خاصةً من زملاءه في العمل حيث يعمل في شركة خاصة لتغطية مصروفاته، وأحيانًا في الجامعة.

المضايقات العنصرية التي يواجهها الأفارقة في مصر لا تتعلق فقط بحالة صالح، ففي عام 2005 فضت الشرطة اعتصامًا سليمًا لنحو 3500 لاجئ سوداني أمام مقر للأمم المتحدة في ميدان مصطفى محمود القاهرة، وقتلت أثناء فضه 25 سودانيًا من بينهم أطفال، وتعرض عدد كبير للإصابة.

وبحسب دراسة أجراها موقع insider monkey استنادًا إلى استطلاعات رأي وبيانات مخزنة مسبقًا، حلت مصر في المركز الخامس من بين 25 دولة هي الأكثر عنصرية وعداءً تجاه السود، حيث لاحظ 39.7% من المشاركين سلوكيات عنصرية في أحياءهم.

أولوية في خدمة "البيض"

يدرس أحمد بطران التاريخ في كلية التربية بجامعة الأزهر قادمًا من قريته أبو هور النوبية في أسوان عندما كان في المرحلة الثانوية، ومن هنا بدأ صراعه مع العنصرية. كان طفلًا لا يملك وعيًا كافيًا، يحاول الاندماج مع محيطه ويخلق صداقات وعلاقات اجتماعية، ولكنه صدم بتعليقات وتعرض لمواقف لم يفهم مبررها بينما كان لا يزال طفلًا.

وتوضح الأخصائية النفسية أن الأمر ببساطة يشبهه عدم تقبل الرفض في وظيفة ما وقبول متقدم آخر، فيكون المبرر الذي يستخدمه عقلنا "إنه المدير عايز واحدة شكل مش واحدة شاطرة زيي مثلاً"، ما تسميه "محاولة إنكار الواقع الذي يقلل من قيمتنا المجتمعية".

يقول أحمد للمنصة "في الهزار بقا لما نقعد شباب مع بعضينا يقولي يا عم دا انتوا 'الزنوج' مش عارف إيه، اللي هو بيلقح إننا جامدين وكويسين في حاجات معينه يعني، أو لما ييجي حد يهزر بزيادة قوي بقى ويقولك متعرفش واحدة كذا، يعني كلمة مش كويسة إنه واحدة لأغراض معينة، ويقولي أصل إنتو السمر بتطلعوا الرطوبة من الجسم، أنا ببص للناس دي وبشعر إني عايز أرجّع ومشمئز جدًا".

ويوضح أن السود في مصر "لينا الأولوية في وظائف وأشغال كتيرة بس للأسف المجتمع المصري بيشوفها متدنية، يعني مثلا البواب والسفرجي والسواق والحارس والطباخ ومديرة المنزل والحاجات دي كلها وظايف في بلاد العالم كلها ناس بتحترم إلا إحنا في مصر، النوبيين البوابين السفرجيه اللي معرفش ايه".

ويعتقد أحمد أن "لكل وظيفة لها مؤهلات، لو إنتي بتشتغلي صحفية لازم تبقي مثلًا خريجة اعلام بتفهمي في شغلتك والكتابة وكده، إحنا بقا فيه منا مؤهلاتنا وخبرتنا الفطرية اللي اتخلقنا بيها هي الأمانة والصدق والوفاء والنظافة وطيبه القلب، عشان كده حد بيآمنا على بيته على عرضه بيشغلني بواب. حد بيثق فيّا إني أودي بنته أو ابنه المدرسة فا بيشغلني سواق، حد واثق من نظافتي الشخصية فا بيأتمني إني أعمل أكل وأطبخ في بيته. دي أنا بشوفها مؤهلات".

ولكن في بعض الأحيان تستخدم عقولنا تفسيرات من الممكن أن تكون غير صحيحة لتبرير الواقع عندما لا يكون عادلًا، بحسب المتخصصة في علم النفس للصدمات النفسية مارينا رويس التي قالت للمنصة إن "إنكار الحقيقة = البقاء على قيد الحياة".

وتوضح الأخصائية النفسية أن الأمر ببساطة يشبهه عدم تقبل الرفض في وظيفة ما وقبول متقدم آخر، فيكون المبرر الذي يستخدمه عقلنا "إنه المدير عايز واحدة شكل مش واحدة شاطرة زيي مثلاً"، ما تسميه "محاولة إنكار الواقع الذي يقلل من قيمتنا المجتمعية لأسباب لا نستطيع تقبلها، فتتحايل أذهاننا لتغيير الحقيقة لتتفق مع معتقداتنا الراسخة، لأن السبب الحقيقي يهدد نظرتنا للعالم ونظرتنا لأنفسنا، فتحاول عقولنا النجاة بخلق آليات دفاع تحمينا من الحقيقة".