ألكسندر يولاس بريشة آندي وارهول. الصورة: aiolasfondation- فيسبوك

ألكسندر يولاس: السكندري مكتشف آندي وارهول الذي لا يعرفه المصريون

ربما لا يوجد سوى عدد قليل من الناس الذين كان لحياتهم تأثير عميق على تطور الفن الحديث في القرن 20 مثل ألكسندر يولاس، ومع ذلك، فبعد وفاته في 8 يونيو/ حزيران 1987، سقط في طي النسيان اسم تاجر وجامع القطع الفنية الذي كان له الفضل في اكتشاف الفنان آندي وارهول، من بين إنجازات أخرى كثيرة، فضلًا عن تأسيسه لمعارض فنية مهمة في الولايات المتحدة وأوروبا.

وبعد أكثر من 30 عامًا ، يبدو أنه بدأ يحظى ببعض التقدير عالميًا، من خلال معارض تستكشف حياته ومجموعته الفنية، وصلت إلى حد الإعلان عن مشروع متحف باسمه يتم إنشاؤه في أثينا، ومشروع لنشر أول سيرة ذاتية له باللغة الإنجليزيةتحت اسم يولاس العظيم لـ نيكوس ستاثوليس.

ألكسندر يولاس في شبابه. الصورة: Fondation Privee Des Amis D' Alexandre Iolas- فيسبوك

ورغم أنه ولد بالإسكندرية، عام 1907 لعائلة يونانية ثرية، إلا أننا لا نجد عنه ذِكرًا في أية مواقع أو كتب عربية عن الفن أو تاريخ اليونانيين المصريين. يولاس الذي ولد باسم كونستانتينوس كوتسوديس وغيّره لألكسندر يولاس عند بدء اشتغاله بالفن، حبًا في المدينة التي نشأ فيها، عاش حياة تستحق أن تكتب عنها روايات، ولكن لا يحظى بما ناله آخرون مثل المغني ديميس روسوس أو الشاعر قسطنطين كفافيس من معرفة لدى الجمهور العربي، ربما لهجرته من الإسكندرية في وقت مبكر.

ويذكر ستاثوليس، كاتب سيرة يولاس، في مقال له أن لقاءات جمعت كفافيس ويولاس ابن الخامسة عشر في الإسكندرية حيث عرَّفهما ببعضهما صديق يولاس الشاعر نيكوس نيكوليديس.

في لقائهما الأول، أعطاه كفافيس قصيدة قيصريون مكتوبة على إحدى تلك القطع الصغيرة من الورق التي كان من عادة الشاعر السكندري أن يعطيها لأصدقائه، وعليها أشعاره بخط يده. بعدها تكررت لقاءاتهما.

 قسطنطين كفافيس. من أرشيف كفافيس الذي أتاحته مؤسسة أوناسيس للاستخدام مجانًا

من كفافيس، تعلّم يولاس دروسه الأولى في تواضع الأمراء، الذي ظل أحد سماته وشجعه على السفر، حيث تحدثا عن حاجة الإنسان لفتح جناحيه، والسماح لروحه الحقيقية بالتطور و تجاوز الحدود، ليتمكن من الوصول إلى ذروة الإبداع.

سمع يولاس أصداء نفسه وحواراته مع كفافيس وسافر تاركًا الإسكندرية وعائلته الثرية، وأعمال والده تاجر القطن قسطنطين كوتسوديس، التي كانت تجارته رائجة في ذلك الوقت.

عندما كان في السابعة عشرة من عمره عام 1924 هرب من المنزل، أولًا إلى أثينا حيث درس عزف البيانو على يد الموسيقي الشهير ديمتري ميتروبويوس، الذي تعرَّف عليه من خلال رسالة توصية من كفافيس، أرسلها معه من الإسكندرية، كما بدأ في تعلم الرقص.

يولاس يرقص عند أكروبوليس أثينا. الصورة: aiolasfondation- فيسبوك

بتشجيع من ميتروبيوس أيضًا انتقل عام 1931 إلى برلين ليتبع حلمه في أن يصبح راقص باليه، وواصل دراسته هناك، وتعرف على قمة المشهد الفني في أوروبا في فترة ما بين الحربين وبدء في المشاركة في عروض الرقص والحصول على المال مقابل مشاركاته.

بعدها هرب إلى باريس أثناء صعود هتلر إلى السلطة في ثلاثينيات القرن الماضي، وواصل دراسة الرقص، لكن حركة ومعارض مدينة النور تركت عليه أولى بصمات حب اقتناء وجمع الأعمال الفنية، حيث يحكي يولاس، في أحد حواراته في السبعينيات، عن أول لوحة اقتناها قائلًا "في أحد أيام عام 1933، توقفت أمام معرض في شارع مارينيان في باريس حيث جذبت لوحة غريبة انتباهي، كانت لوحة لجورجيو دي شيريكو، أول لوحة فن حديث رأيتها على الإطلاق.

كانت تبين تمثالًا في المنتصف، وقطارًا يتصاعد منه الدخان في الخلفية. كان عنوان اللوحة كآبة- Melancholy. ذهبت إلى المعرض وسألتهم عن اللوحة فأجابوا، (إنها تحفة فنية من دي شيريكو، يمكنك شراءها مقابل ألفي دولار). ظللت أزور المعرض كلما استطعت، وأعطيهم مبالغ صغيرة وبعد خمس سنوات، كانت أخيرًا لي. كانت تلك الزيارات المتكررة إلى المعرض تزرع داخلي البذور لفكرة فتح معرض الأعمال الفنية الخاص بي ذات يوم".

حزن المغادرة، جورجيو دي شيريكو- 1914. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

انتقل يولاس عام 1935 إلى نيويورك، حيث كان يرقص في أوبرا متروبوليتان وشارك مع جورج بالانشين، أحد أشهر مصممي الرقصات في القرن العشرين، في عرض باليه أورفيوس ويوريديس. ولكن في عام 1944، بعد إصابة في القدم، ترك حياته المهنية كراقص وتوجه نحو الفن التشكيلي. في عام 1946، بمساعدة مالية من سيدة الأعمال إليزابيث أردن ، دخل في تعاون مع قاعة عرض هوغو، التي يملكها حفيد فيكتور هوجو.

أول لقاء مع آندي وارهول فنان البوب آرت

رأى يولاس رجلًا نحيفًا يمشي بجوار المعرض، حاملًا كيسا صغيرًا وأوراقًا تضم رسومات، فقرر أن يسأله إلى أين يذهب، وماذا يحمل؟

واحدة من تصميمات آندي وارهول 

قال الرجل الذي أصبح فيما بعد فنان البوب آرت المشهور آندي وارهول "هذا طعام الغداء، وهذه تصميمات أحذية للمصنع الذي أعمل به في آخر الشارع" وهنا ألقى يولاس نظرة على الرسومات وأخبره أن هذا اليوم هو آخر أيامه في مجال تصميم الأحذية. نتج عن هذه المحادثة أول معرض لآندي وارهول الذي أقيم تحت عنوان "خمسة عشر رسمًا مستوحاة من كتابات ترومان كابوت" في الفترة من 16 يونيو إلى 3 يوليو 1952 في جاليري هوجو الذي كان يديرة يولاس ويقع في الشارع 55 بنيويورك

وفي عام 1955 افتتح يولاس جاكسون - يولاس جاليري بالتعاون مع برووكس جاكسون الراقص السابق، وسرعان ما افتتح بعدها صالات عرض في باريس وميلانو وروما وجنيف ومدريد وأثينا.

آندي وارهول وألكسندر يولاس. الصورة: aiolasfondation- فيسبوك

ونظم معارض لأغلب الفنانين الطليعيين المعروفين في ذلك الوقت أمثال رينيه ماغريت ودوروثيا تانينج وماكس إرنست ونيكي دي سانت فال وإيف كلاين وغيرهم، وحافظ يولاس على صداقاته مع معظم هذه الشخصيات، حيث نظم لهم، لاحقاُ، معرضاً استعاديا كبيراً في باريس عام 1971، حيث أثني "رينيه ماغريت" على تعاونهم، قائلاً "بدأ ألكسندر يولاس في شراء اعمالي في نهاية الحرب، في وقت لم يكن فيه عملي يجد سوقًا حقيقيًا".

يمكن اعتبار يولاس من الجسور الأساسية، التي مرت من خلالها أعمال أبرز الفنانين السرياليين بأوروبا إلى الولايات المتحدة مثل ماكس إرنست ورينيه ماجريت عن طريق تمثيله الحصري لهم والترويج لإعمالهم من خلال معارضه.

كان يولاس قادرًا على جذب العملاء المحتملين وإبهارهم بشخصيته المتألقة وبأسلوب اللباس المثير، الذي دعا فنسنت فريمونت، أحد من ساعدوا يولاس إلى القول لصحيفة الأوبزرفر "إن حضوره في أي مكان كان بمثابة دخول طيف من الالوان المبهجة. كان دائمًا يرتدي أحذية ذات كعوب، لمنحه ارتفاعًا إضافيًا. ويرتدي دائما الفراء، ولديه بذات رسمية، يرتدي عليها المزيد من الأشياء المجنونة والكثير من المجوهرات".

تقرير بعنوان"حيث كل ما يلمع ذهبًا"عن فيلا يولاس في مجلة فوج نشر عام 1982

خطط يولاس أن تكون نهاية رحلته الفنية في أثينا، حيث بنى فيلا عصرية في ضاحية أجيا باراسكيفي، وملأها بالأعمال الفنية والآثار.

لكن الأمور لم تسر على ما يرام، انقلبت الصحف الصفراء اليونانية ضد يولاس وكان ذلك لفصله أحد مساعديه بسبب "إدمان الكحول الحاد وسرقة بعض القطع الصغيرة من مجموعته الفنية، فاتهم هذا الموظف يولاس "بتهريب الآثار، وبيع المخدرات والعمل بالدعارة مع الرجال".

ونشرت صحيفة أفرياني اليومية اليونانية رقم منزل يولاس وحثت القراء على الاتصال به وسبّه. ولدعمه في مواجهة هذه الحملة كتب المخرج اليوناني، كوستا جافراس، رسالة مفتوحة وعريضة لدعم جامع الأعمال الفنية وقع عليها 150 من كبار الشخصيات الثقافية والسياسية، بمن فيهم الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.

مقعد يهوذا

يقول ستاثوليس كاتب سيرته، إن يولاس اتصل ذات صباح من عام 1985، بآندي وارهول وطلب منه إنشاء مجموعة من الأعمال المستوحاة من لوحة العشاء الأخير لليوناردو دافنشي، لعرضها بميلانو في قاعة تقع بالقرب من كنيسة سانتا ماريا ديلي جراسي، المدرجة في قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو لأنها تحتوي على جدارية العشاء الأخير لليوناردو دافنشي، التي هي في غرفة الطعام في دير.

ملصق معرض آندي وارهول العشاء الأخير من تنظيم يولاس

تحمس وارهول للفكرة، وقال "لا أصدق أنك تطلب مني ذلك. أحتفظ دائمًا بصورة صغيرة للوحة العشاء الأخير فوق سريري". وهنا أجاب يولاس "رائع، استمر إذًا. لكن اترك مقعد يهوذا فارغًا. أود أن أضع اليونانيين على هذا المقعد".

وبالفعل في عام 1986، افتتح معرض العشاء الأخير لوارهول في ميلانو، وهو المعرض الذي ضم أكثر من 100 لوحة مستوحاة من العشاء الأخير، وكان بمثابة الرقصة الأخيرة بين يولاس وآندي وارهول الذي صُنِّف من أبرز فناني عصره ورائد حركة فن البوب آرت ليكون لألكسندر يولاس بصمة كبيرة في أول وآخر الخطوات الفنية في مسيرة هذا الفنان، حيث توفي الاثنان بعد وقت قصير من إقامة هذا المعرض.

آخر أيام يولاس

وجه المدعي العام ليولاس اتهامات بالاتجار بالقطع الأثرية، وهي الاتهامات التي اُسقطت في نهاية المطاف، عندما قدَّم الجاليري الذي يملكه دليلًا على أنه كان يعيد الآثار إلى اليونان وليس العكس.

يولاس في أواخر أيامه. الصورة: aiolasfondation- فيسبوك

تدهورت علاقته مع العديد من أصدقائه وأفراد عائلته في نهاية حياته بعد الملاحقات المتتالية واصابته بفيروس نقص المناعة المكتسب الإيدز. ومع ذلك، كرمته فرنسا بوسام جوقة الشرف، وهو أعلى جائزة في البلاد، وتمت دعوته ليكون دليل الرئيس ميتران لمجموعة دومينيك دي مينيل في أحد معارض باريس في ذلك الوقت.

وبحلول عام 1986، كان يولاس قد أغلق صالات العرض الخاصة به، تنفيذًا للوعد الذي قطعه على نفسه، بعد وفاة صديقه الفنان ماكس ارنست. وفي غضون عام، توفي يولاس بسبب الإيدز في مركز كورنيل الطبي في مدينة نيويورك يوم الاثنين 8 يونيو/ حزيران 1987 بعد أربعة أشهر فقط من وفاة وآرهول في نفس المستشفى في نيويورك.

جانب من فيلا يولاس قبل وبعد وفاته. الصورة: aiolasfondation- فيسبوك

وللأسف تم نهب إرثه، وسرقة العديد من المحتويات القيمة من منزله في ضواحي أثينا، فيما لم يتم تنفيذ خطط المتحف المتصور من الحكومة اليونانية، غير أنه تم إدراج فيلا يولاس في عام 1998 كنصب تذكاري تاريخي من وزارة الثقافة، وبعد عامين تم تخصيصها كموقع للأنشطة الثقافية العامة وتم حظر إعادة بيع العقار.

أثار أعضاء البرلمان اليوناني أسئلة حول الحالة المتدهرة لفيلا يولاس، ورغم أن الدولة اليونانية وافقت على الاستحواذ على الفيلا من مالكها الجديد، إلا أن هذا لم يحدث بعد، على الأرجح بسبب الحالة الصعبة لميزانية الدولة اليونانية.


أقام الفنان ويليام إي جونز، الذي طالما أعجب به يولاس، معرضًا في قاعة ديفيد كوردانسكي في لوس أنجلوس لعرض صور وفيلم مدته 30 دقيقة لعرض حياة وإرث يولاس، الذي فقدت الكثير من الأعمال التي جمعها في حياته، لسوء الحظ، بعد وفاته مباشرة ودمرت عائلته وآخرون مجموعته الضخمة، فقد كانت هناك اقتحامات للفيلا كما يقول ستاثوليس "كان القصر من الثراء لدرجة انه احتاج سنوات حتى يتم نهبه".

فيلا يولاس. الصورة: aiolasfondation- فيسبوك فيلا يولاس

أما العناصر الوحيدة التي بقيت في الفيلا فهي القطع الأثرية الثقيلة جدًا، التي لا يمكن إزالتها، مثل الأعمدة الرومانية ولأواني الرخامية الكبيرة.

فيديو مصور بطائرة درون لفيلا يولاس المهجورة



المصادر