لقطة من مسلسل الاختيار، إخراج بيتر ميمي، انتاج سينرجي 2020

مسلسل الاختيار بين العبث بعقيدة المقاتل وتكريس الدولة الدينية

أعرف أن أي كلام لا يشيد بمسلسل الاختيار سيضعني في خانة أعداء الوطن والمتآمرين عليه والمشككين في تضحيات شهدائه، وأعرف أن هذه الكلمات ستفتح عليّ النار وسأتلقى إتهامات معلبة من ضيّقي الأفق الذين يخلطون بين ما هو مقدس وثابت، وهو الامتنان لبطولات شهدائنا، وبين طريقة تقديم الشهداء في عمل فني ومدى نجاح صنّاعه في توصيل رسالته. وأعرف أنه ستشن حملة شعواء وممنهجة من اللجان الإلكترونية الموجهة العاملة بأجر.

‎أعرف كل ذلك ولكنني وفاءً لبطولات جيشنا العظيم وشهدائه لا أستطيع كتم شهادتي خوفًا من أي ضرر، وخاصة أن الأمر أراه خطيرًا على الدولة المصرية كما أفهمها، وأعرف أيضًا أنه في مثل هذه الحرب التي نواجهها ضد الإرهاب بحاجة للاحتفاء والالتفاف حول أي عمل فني يروي بطولات شهدائنا لثلاثة أسباب:

الأول: نحن بحاجة إلى جرعة وجدانية ملهمة لمزيد من الصمود ضد هذا الإرهاب الأسود. والثاني: محاولة إيقاف نزيف الشباب الصغير الذي يقع في شرك هذا الفكر التكفيري. والثالث: طريقة تُظهر تقديسنا لبطولات شهدائنا وتخليدها في أعمال فنية هو أمر محبب ويجب الحض عليه.

‎يجب أن نسأل الآن هل حقق المسلسل هذه الغايات الثلاث؟

هذا أمر يحتاج إلى تحليل ونقاش دون تشنج، مع كامل احترامي واعترافي بكل النيات الطيبة لصانعي هذا العمل والواقفين خلف إنتاجه ودعمه بالمعلومات والمعدات والرجال وبالفكر والرؤية وبالمال من أجهزة الدولة.

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نقر حقيقة وهي عندما تتصدى لقضية تريد لها النجاح وأن تصل لهدفك لا تكفيك فقط النيّات الطيبة ولا صدق إيمانك بالقضية. لكن يتطلب الأمر أن يكون الفريق المتصدي لقضية مثل تلك متمكن من أمرين وهما: فهم القضية بعمقها الفكري والسياسي والتاريخي وكذا دراسة للمرجعيات الفكرية والفقهية لكل أطراف الصراع. والأمر الثاني: يجب أن يكون لديك فهمًا دقيقًا لعلم الصورة الدرامية وأدواتها وميكانيزماتها.

والحقيقة أقول أن القائمين على المسلسل جميعًا غير مؤهلين للأمرين معًا.

ألم يسأل صناع المسلسل أنفسهم أن القضية لو كانت كذلك، فما هو دافع الضابط أو الجندي المسيحي للدخول في هذا الصراع؟ ألا يدركون أنهم يعطون بأنفسهم دافعًا لأي ضابط أو مواطن للانضمام للإرهابيين إذا أقنعه أحدهم أن فهم الدولة للدين غير صحيح

‎بالنسبة للأمر الأول هناك إرتباك شديد في المحتوى، بل يصل الأمر لارتكاب جريمة كبرى في حق دولة لها دستور ينصّ على مدنيتها وتحت بصر وسمع بل ودعم أجهزة الدولة.

حاول صنّاع المسلسل، دون إدراك، العبث بعقيدة المقاتل المصري وتبديلها من الدفاع عن الأرض والشعب، بعقيدة أخرى هي قتال الذين يفهمون الدين بشكل خاطئ، وهذه كارثة كبرى لأنها تبديل واضح من الدولة المدنية الوطنية إلى الدولة الدينية، ومن مفهوم دولة المواطنة إلى دولة الطوائف.

والله لولا الملابس العصرية لأعتقدت أن هذا المسلسل تدور أحداثه في دولة الخلافة الإسلامية والصراع على السلطة والخلافة بين فريقين يدّعي كلاهما أنه الأقرب لفهم الدين، وأنه الأولى باستلام السلطة ليحكم بما أنزل الله من وجهة نظره.

ألم يسأل صناع المسلسل أنفسهم أن القضية لو كانت كذلك، فما هو دافع الضابط أو الجندي المسيحي للدخول في هذا الصراع؟ ألا يدركون أنهم يعطون بأنفسهم دافعًا لأي ضابط أو مواطن للانضمام للإرهابيين إذا أقنعه أحدهم أن فهم الدولة للدين غير صحيح، وأن يخرج عليها بسلاحه مثلما حدث بالضبط مع الضابط الإرهابي هشام عشماوي ومَن على شاكلته من الضباط والمدنيين التكفيريين الذين يفهمون القضية كذلك؟

إذا كنّا في دولة مدنيّة بالفعل لماذا تهتمون باحتكار هذه الفئة لتفسير الدين؟ ألسنا نحن بالنسبة لهم نريد احتكار تفسيره؟

هذه القضية لم تحسم من ألف سنة ولن تحسم إلا بتحييد الدين عن أمور الحكم، وإن أردت نشر التنوير والفهم الصحيح للدين فذلك له طرق أخرى غير هذه المعالجة الساذجة و"رميّ كام عنوان من نوعية الحاكمية لله علشان أقول إني عارفها".

لم أفهم مطلقًا ما هذا المفهوم الجديد الذي يطرحه المسلسل للشهادة والثأر. ما أعرفه أن الشهادة أثناء الدفاع عن الأرض أو العرض أو الزود عن الدين هي أمر عظيم له كل التقديس منا في الدنيا وله في الآخرة ثواب عظيم، ولكن أن يتحول الأمر إلى حالة أشبه بالدروشة وهو تمنيها في كل لحظة، بل ووصل الأمر لاتخاذ قرار بها والعزم عليها.

‎‏‎ألم يسمع صناع المسلسل هذه المقولات "خير لك أن تعيش من أجل المبدأ، من أن تموت من أجله"، و"إذا لم يكن من الموت بدّ؛ فأهلًا به"؟

هناك فرق بين أن ترمي نفسك للموت وبين أن تستبسل وتقاوم حتى النفس الأخير.

وما هذا المفهوم المتخلف للثأر والذي نحاربه في مصر والذي يتسبب في مآسٍ مذهلة؟

ألم يدرك هؤلاء أننا نحارب لعشرات السنين لاستبدال مفهوم الثأر بمفهوم العدالة، لأننا في دولة ولسنا في مجتمع قبلي؟ فإذا بهم يكرّسوه أكثر في النفوس وكأننا عدنا قرونًا للوراء. الدولة عندما تحارب الجريمة ومنها الإرهاب تحاربه من أجل إرساء دعائم الدولة المدنية الحديثة وحجر الزاوية فيها الاحتكام لدولة القانون، وتجذير إيماننا ورضائنا بالعدالة، وليس تكريس الثأر في النفوس. وإلا فما الفرق بين الدولة وبين العصابة أو القبيلة التي قُتل أحد أفرادها فتذهب للأخذ بالثأر من العصابة أو القبيلة الأخرى.

أعرف أن الفقرة الأخيرة صعبة على كل الملتاعين لفقدان ذويهم وفلذات أكبادهم ولكن حتمية الإدراك بالفهم الدقيق للدولة إن كنا نريد تقدمًا نحو الحداثة تجعلني أقول ذلك. ألستم تتطابقون بهذه الفكرة مع العصابات الإرهابية التي تثأر لحبس أو قتل أحد أفرادها بقتل أي جندي أو ضابط.

من هذه الفكرة جاء "الذكي" الذي نشر فيديو إعدام الإرهابي هشام عشماوي على اعتبار أن مشاهدة تنفيذ الثأر يريح قلوب أهالي الشهداء ويرهب الجماعات التكفيرية، فارتكب نفس الفعل الدنيء الذي ارتكبته داعش عندما بثت فيديوهات قطع الرقاب.

كل ما نرجوه هو فهم الفرق بين الدولة والقبيلة والعصابة.

‎‏‎أم الكوارث وقعت عندما حاول صناع المسلسل إقناعنا ومعنا التكفيريين أن ابن تيمية هو شيخ الإسلام الذي فهمه هؤلاء الأغبياء خطأ، وأنه بريء من هذا الفهم، وأننا لا بد وأن نعيد قراءته، وأن الاستناد على كل فتاواه في تحليل الذبح والقتل والتدمير والخراب كان فهمًا خاطئًا.

هذا عن المحتوى الفكري للمسلسل، بينما الأمر الثاني وهو الإلمام بفنون الصورة فأقول بضمير مستريح ومن خلال كل ماتعلمته أنه يوجد حالة "خلط كاملة بين علم الإعلام والفن السينمائي أو التلفزيوني"، بل أكاد أقول أيضًا، أن صناع المسلسل مش فاهمين كمان فنون الإعلام بس مش ده موضوعنا.

الدراما السينمائية أو التليفزيونية يا سادة تخاطب الوجدان في الأساس ولغتها لغة المشاعر في الأصل، وهذا المسلسل أهمل الوجدان ولغة المشاعر لحساب خطاب إعلامي، ويا ليته خطاب يدرك طبيعة القضية. لم أشعر وأنا أشاهد بلحظة تعاطف وجداني حقيقي إلا إذا استحضرت ذكرى الشهداء الحقيقيين، وما هو مغروس داخلنا من تقديس وإجلال لبطولاتهم وفدائهم، يمكن استثناء بعض مشاهد الحلقة 28 من هذا الحكم كي أكون أمينًا.

أين هي القصص الإنسانية التي تخلع القلب وتقربنا من مأساة فقد هؤلاء الأبطال؟ أين هي الصراعات في حياتهم كي نشعر أنهم بشر من لحم ودم وليسوا ملائكة؟

لم يتخط تأثير المسلسل علينا تأثرنا لسماع خبر استشهاد أبطالنا أول مرة، والمفروض أن يزيد ويتعاظم بفعل أهم وسائل التأثير في الوجدان وهي الصورة السينمائية، بل إن بعض لقاءات الإعلام مع عائلات الشهداء في حينها خلعت قلوبنا مليون مرة أكثر من أي مشهد في المسلسل ولولا أن الناس تعرف أن القصة حقيقية ما تأثرت.

‎‏‎أين حسابات العلم والعقل إن كنتم لا تدركون لغة المشاعر؟ ألم تتعلموا أن أي عمل درامي لابد له من بناء درامي مكتمل به منطقة شرحية ثم نقطة انطلاق للصراع، ثم الصراع نفسه، ثم الذروة، ثم الحل؟

هذا العمل ليس به شبهة بناء درامي من الأساس ولا به بناء شخصيات تستطيع أن تعرفها وتلمسها وتحسها، ولو استفضت في هذا الشأن وحللت حلقة بحلقة ما انتهيت.

قولًا واحدًا؛ هذا المسلسل يفتقد للبوصلة الصحيحة بشكل عام، ويقدم معالجة بائسة لقضية كبرى بشكل يضر بها ويسيئ من حيث أراد أن يشيد. وإنها لخسارة فادحة أن تفوت هذه الفرصة بلا أية فايدة حقيقية لهدف المسلسل الأصلي، بل وأضيف عليها خسارة فادحة في مفهوم الحرب على الإرهاب ومنطلقاتها، والعبث بالفهم الواعي لعقيدة المقاتل المصري العظيم.

‎السؤال الهام الآن: ماذا خرجنا بعد المسلسل؟ وهل ازداد تمسك الناس بعدائهم للإرهاب الأسود وأخذوا جرعة وجدانية ملهمة تزيد من صمودهم؟ هل ازدادت محبة وتقديس شهدائنا وأبطالنا في قلوبنا؟ هل سيوقف هذا العمل نزيف الشباب الصغير الذي يقع في شرك الفكر التكفيري؟

‎‏‎كل الإجابات على هذه الأسئلة للأسف إجابتها: لا ولا ولا، قولًا واحدًا.

‎يا ليت كلماتي تفهم على وجهها الصحيح إن كان هناك مكان للرشد، وياليت القائمين على مثل هذه الأعمال ومَن يدعمونهم لصناعة أعمال مشابهة يفكرون قليلًا في هذا الكلام دون تشنج لو عزموا على رفع درجة الوعي وأرادوا مصلحة القضية وفضّلوا تلافي أية سلبيات.

بنكلة سياسة، وبتعريفة تاريخ، وبقرشين فن وبتلاتة جنيه إدراك لمفهوم الدولة الوطنية؛ ممكن نعمل حاجات تليق بمكانة بلد كبيرة زي مصر.