تصميم: يوسف أيمن- المنصة

فين باباه؟ رحلتي للحصول على حقي في الولاية التعليمية

حين وصل ابني لسن التقديم للمدرسة عام 2017، استغرقت شهورًا أبحث في الكم الهائل من المدارس المناسبة لأختار من بينها، حتى إنني كنت أمزح بقولي "أي ثلاثة حروف إنجليزية تكتبونها على جوجل ستكون اسم مدرسة". كنت أبحث ببساطة عن مدرسة تحترم ابني وتقدِّم له المعرفة بطريقة تليق بكونه طفلًا.

اخترت ثلاث مدارس لأحاول إلحاق ابني بإحداها، وفي كل مرة يتكرر نفس المشهد بنفس الطريقة؛ نظرة محدِّقة إلى يدي تبحث عن الدبلة يتبعها سؤال يشعرني بالتضاؤل "باباه فين؟". ليس لي أن أحرر ورقة واحدة في ملف ابني إلا بوجود أبيه وبإمضائه، لكن بعدها تتراكم الأدوار عليَّ، سواء إيصالات طلب الأقسام، أو متابعة سلوكه ونظافته و"اللانش بوكس" ومستواه الدراسي، بالإضافة إلى اجتماعات أولياء الأمور ومتابعة الأنشطة والاحتفالات؛ كلها من اختصاصي، أما الأب فدون توقعيه لا تُقبل الأوراق.

بعد ثلاث سنوات، كنت أحتاج لنقل الطفل إلى مدرسة أخرى، ولاستمرار المشكلات مع أبيه، قررت أن أقيم دعوى للحصول على الولاية التعليمية، التي هي حسب ما قاله لي المحامون "أسهل قضية في مصر "، وسأحصل عليها خلال عشرة أيام، على أمل أن أتمكن من إتمام الإجراءات بنفسي دون عقبات بيروقراطية تستلزم وجود الأب.

في اوائل يوليو/ تموز 2020 كان عنواني مسجلًا في البطاقة الشخصية على حدائق المعادي، ولهذا كنت تابعة لمحكمة أسرة الزنانيري، وصلت إلى المحكمة لأستأذن في تسجيل الأوراق، فكان الرد من الشخص الذي يتولى تنظيم دخول مئات السيدات "تعالي بكرة الساعة خمسة" تعجبت جدًا وسألته "خمسة إيه يا أفندم؟" فقال ببساطة مدهشة "خمسة الفجر ". حينها نادتني سيدة لتخفف عني وطأ الصدمة "ما تشديش نفسك، تعالي خمسة ونص، أنا جيت خمسة ونص أهو والحمد لله عرفت آخد رقم".

كانت الساعة 12 ظهرًا، وبينما أهبط درجات سلم محكمة الزنانيري محاولة العبور بين المئات، فوجئت بصراخ السيدات في نفس الطابق الذي كنت به، فتوجهت مسرعة لمكان الصراخ والولولة، وإذا بمحامي رد عليَّ قائلًا "متخافيش، دول بيصوتوا عشان الخزنة قفلت ومالحقوش يدفعوا فهييجوا بكرة تاني".

اتصلت حينها بالمحامي الذي رشحته لى مؤسسة مركز قضايا المرأة المصرية، وشرحت له الوضع، وفي منتصف المكالمة خَرجت من الحجرة سيدة مُطلقةً الزغاريد، وقالت "الحمد لله حددت جلسة ولاية تعليمية، يوم 3 نوفمبر 2020". قلت للمحامي "كيف ذلك وأنا أحتاج الولاية التعليمية قبل بدء العام الدراسي؟ مش دي قضية الولاية التعليمية اللي بتطلع بأمر وقتي كقضية مستعجلة، وبتطلع في 10 أيام؟" فنصحني بتغيير محل الإقامة وتغيير البطاقة الشخصية لمحل سكني في الشيخ زايد، حتى أكون تابعة لمحكمة أكتوبر التي هي "أروق وفاضية".

كانت الساعة 12 ظهرًا، وبينما أهبط درجات سلم محكمة الزنانيري محاولة العبور بين المئات، فوجئت بصراخ السيدات في نفس الطابق الذي كنت به، فتوجهت مسرعة لمكان الصراخ والولولة، وإذا بمحامي رد عليَّ قائلًا "متخافيش، دول بيصوتوا عشان الخزنة قفلت ومالحقوش يدفعوا فهييجوا بكرة تاني".

"مش مهم انتي فين"

بعد عشرة أيام من الإجراءات البيروقراطية تمكَّنت من تغيير عنواني بالبطاقة استجابة لنصيحة المحامي، ما تطلب مني طلب خط تليفون أرضي وتركيبه والحصول على فاتورة لكي أثبت محل سكني، وأستخرج بطاقة جديدة باستمارة VIP لأنجزها في ثلاثة أيام.

اكتمل الملف أخيرًا يوم 21 يوليو/ وبعد طابور طويل في محكمة 6 أكتوبر "الرايقة"، ولدهشتي أخبرتني السيدة المسؤولة عن استلام الملف أن القضية يجب أن تُرفع في بورسعيد، محل سكن الأب. أنا الأم وطفلي معي في مدينة الشيخ زايد، فكيف أتحرك لأطلب حقي في الولاية التعليمية من بورسعيد؟ كانت الإجابة "مش مهم انتي فين، المهم هو فين؟"، ثم استدركت "طيب مدرسة الولد فين؟"، أخبرتها أنها في السادس من أكتوبر، فقالت "محلولة. هاتي بيان قيد من المدرسة، وأنا أخليكي تقدميها هنا".

بدورها، رفضت المدرسة تسليمي بيان القيد لعدم حصولي على الولاية التعليمية (فعليَّ تحضير البيضة قبل الدجاجة) فعدت إلى رئيس النيابة وأخذت منه خطابًا يطالب المدرسة ببيان القيد وتسليمه لي، وهكذا استوفي الملف أخيرًا في 24 يوليو، وأصبحت في انتظار تحديد موعد جلسة نظر الولاية التعليمية.

في تلك الأيام انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي إعلان لمدرسة بعد ظهور نتيجة الثانوية العامة، تقول فيه إنها لن تسلِّم أي من ملفات الطلاب إلى الأمهات، في حين أنها تقبل تسليمها إلى الآباء أو أي شخص من عائلة الأب، على اختلاف درجات القرابة، وذلك وفقًا لقرارات وزارة التربية والتعليم. قادني البحث عن القانون المنظِّم للولاية التعليمية، إلى الكتاب الدوري رقم 29، الصادر بتاريخ 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017 من وزارة التربية والتعليم، واكتشفت أن هذا الكتاب يضمن لي كمطلقة الحق في الولاية التعليمية دون حكم قضائي، حيث ينص على "أنه في حالة انقضاء العلاقة الزوجية، تكون الولاية التعليمية للحاضن دون الحاجة لصدور حكم قضائي بذلك، حيث إن الولاية التعليمية ثابتة بثبات القانون".

وعلى الرغم من وضوح نص القانون فإنه كان عصيًا على استيعاب المنوط بهم تنفيذه، مما جعله حبيس أدراجهم، لأنه أمر لا يصدقه عقل، أن تحصل النساء، ناقصات العقل والدين، على الولاية التعليمية المنظمة لمستقبل أبنائهن وبناتهن، إلا بعد "المرمطة في المحاكم بين الأوراق والأختام" بينما، وبكل أريحية خرج النص المذكور في القرار الوزاري نفسه "الولاية التعليمية حال قيام علاقة زوجية (حتى في حالة وجود نزاع على الحضانة أو الولاية التعليمية) للأب، باعتباره الولي الطبيعي على ابنه القاصر، ولا يجوز للمدارس أو الإدارات أو المديريات التعليمية، التعامل مع غيره من أقارب الصغير، حتى الأم، إلا من خلال توكيل رسمي عام أو خاص بالولاية التعليمية". هذا النص لا ترحِّب به المدارس فحسب بل تنفذه وتنشر بعضها الإعلانات له بكل فجاجة، بل تؤوله بإمكانية سحب الملف من طرف العم أو الجد للأب.

حُدِّدت الجلسة بتاريخ 24 سبتمبر/ أيلول 2020، وهذا كان يعني أن السنة الدراسية ستبدأ دون نقل ابني من المدرسة، أي كنت سألتزم ببقاء الولد في المدرسة نفسها ودفع المصاريف الجديدة، طلبت من رئيس المحكمة تقصير المدة، فوافق على أن تكون الجلسة يوم 7 أغسطس/ آب، ولكن المسألة لم تكن بتلك البساطة أبدًا، فخلال أربع مرات على مدار شهرين أذهب للمحكمة لأفاجئ بتأجيل القضية لأسباب مرتبطة بإجازات القضاء وإشرافهم على الانتخابات البرلمانية، حتى انتهى الأمر بحصولي أخيرًا على قرار الولاية التعليمية في 10 أكتوبر/ تشرين الأول، بعد أن أنقذتني صدفة تأجيل بداية العام الدراسي الى 17 أكتوبر، كإجراء احترازي من الوباء. أربعة أيام كنت أسابق فيها الريح لنقل ابني من المدرسة القديمة إلى الجديدة، والقرار لم يفارق يدي أعرضه على كل موظف وموظفة لاستكمال الإجراءات.

هذا هو حال القانون الذي ينشأ نصًا ليُمارَس داخل المجتمع الأبوي بكل انحيازه للرجال، مؤيدًا مِلكية الآباء راجحي العقل وأصحاب القوامة للأبناء. ولكن هل تأمل هذا المجتمع ممارسات رجاله ونساؤه اليومية؛ تلتزم معظم النساء، وتحديدًا المطلَّقات منهن بكافة أعباء المهمة التربوية والدراسية للأبناء، ليقف الرجال مبتسمين وساخرين من "جروبات الماميز " وتفاهتها، وهي في حقيقتها، رغم كل بغضي لها، فعل التضامن النسائي الذي أتاحته التكنولوجيا للنساء، لمحاولات مقاومة رأسمالية المدارس واستغلالها، وتخلي الآباء عن مسؤوليتهم في رعاية أبنائهم.


اقرأ أيضًا: مطلقات شرعًا ومتزوجات أمام القانون: نساء معلقات بأطراف الألسنة


مئات القِصص عن تطلُّع الأمهات لمستقبل أفضل للنساء، مئات من قضايا الولاية التعليمية، عشرات من قضايا دفع المصروفات المدرسية، الآلاف من قضايا النفقة، وملايين الأحكام القانونية التي تحاول إلزام الآباء بمسؤولية أبنائهم المادية فقط، ملايين الآباء المتنصلين من أي التزام عليهم، تذرعًا بالفقر وادعاء المرض.

فجَّرت حملة مؤسسة المرأة والذاكرة التي انطلقت باسم "الولاية حقي" الغضب الكامن لدى النساء، سواء من ضياع حقهن على ولاية أنفسهن أو ولايتهن على أبنائهن، بدعوتها الموجهة للنساء لمشاركة قصصهن الحياتية ومعاناتهن في ظل القوانين الحالية، من خلال بيانها الصادر في 8 مارس/ أذار 2021 "نوجه دعوة للنساء المصريات، لكل من اصطدمت بتعليمات أو قوانين في تعاملها مع مدرسة أطفالها، أو مؤسسات الدولة، أو البنوك، أو المحاكم، لأن ليس لديها حق الولاية على نفسها وأولادها، بمشاركة حكايتها ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي حتى يوم 13 مارس 2021".

وبالفعل استجابت الكثيرات لدعوة المؤسسة، وأصبح يكفي أن تكتب "الولاية حقي" على أغلب مواقع التواصل الاجتماعي حتى تظهر عشرات القصص التي تصف معاناة النساء، سواء كن قُصَّر أو بالغات أو أمهات أو حتى عجائز.

في واقع الأمر، كنت أعلم جيدًا كنسوية عوار القوانين ومنطقها الذكوري، ولكن الأمر اختلف تمامًا حين تغير الوضع من كوني باحثة أو ناشطة نسوية، إلى أن وجدت نفسي داخل محكمة الأسرة أطلب رفع دعوى ولاية تعليمية.

أتذكر هنا حديث إيمان مرسال في كتابها "كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها" عن الشعور المُلازم بالذنب الذي يتولد مع أول لحظة أمومة، فأصابع الاتهام موجهة دائمًا للأم عن كل ما يخص أطفالها؛ طريقة أكلهم وكمياتها، مستواهم الدراسي، أنشطتهم وهواياتهم، ملبسهم ونظافتهم، كل شيء.. كل شيء.

المسألة ليس كما يصورها القانون رجال في مقابل نساء، أو نزاع على ملكية الأطفال بين الأمهات والآباء، الأمر يسهل حسمه إذا قررنا معًا أن نستغني للحظات عن الأدوار النمطية المعدَّة للنساء والرجال، والانحيازات والامتيازات التي يوكلها المجتمع الأبوي لرجاله، وإعادة تشكيل قناعاتنا وقوانينا بما يوافق الممارسات المجتمعية الحالية لافراد هذا المجتمع رجال كانوا أو نساء.

كأمهات لنا حق حضانة الأطفال حتى المراهقة. هذا الحق في جوهره يعنى حق الأطفال في الرعاية الأمومية، فعلى الأمهات خدمة الأطفال، أما قرارات حياتهم المادية والبدنية والتعليمية فهي للأب، بينما تظل الأمهات بين جدران المحاكم يتقاضين لسنوات للحصول على فُتات حقوقهن البديهية؛ نفقات لا تناسب حاجات الحياة، أو نقل الأبناء بين المدارس، أو فتح حسابات بنكية لهم، أو حتى الحق في السفر مع أطفالهن. تبقى النساء مقيَّدات بحكم القانون إلى رغبات رجال وقراراتهم رغم الانفصال.