مبنى بلدية تل أبيب يضيئ بألوان علم الإمارات. الصورة: صفحة إسرائل تتكلم بالعربية

من راس التين على مكة: لماذا تتحالف إسرائيل مع الخليج الآن؟

تلخص إسرائيل تناقضات الشرق الأوسط الذي تشكل خلال النصف الأول من القرن العشرين. فهي تريد من جيرانها السلام ولكن لا تريد أن تكون مسالمة، ثم هي تخشى أن تتعرض لهجوم لكنها تجد أن بقاءها مرتبطٌ بقدرتها على شن الضربات العسكرية الكاسحة. تخاف من السلام لأنها تخشى الذوبان في محيطٍ لا يتحدث لغتها الرسمية، لكنها تسعى للتعاون وتطبيع العلاقات مع كل الدول التي لا تشاركها حدودًا أو لديها مع إسرائيل تاريخٌ من الدم.

هي تقول عن نفسها إنها ديمقراطية وتؤمن بالمواطنة والمساواة ولكن ضمن "يهودية الدولة" ولخدمة مواطنيها اليهود. تجد إسرائيل أن من الصعب تَقبلِ تعذيب مواطنٍ إسرائيلي في مركزٍ للشرطة في تل أبيب، لكنها لا تشعر بالخجل من قصف أحياء سكنية في غزة بالقنابل أو استخدام المدفعية الثقيلة في دك معسكرٍ للأمم المتحدة يحتمي به مدنيون لبنانيون في قانا.

لكن إسرائيل التي قتلت مائة وستة من المدنيين اللبنانيين بالقرب من بلدة قانا في جنوب لبنان عام 1996، لديها حسٌ أدبيٌ رفيع، فقد قتلتهم خلال عملية عسكرية ضد حزب الله اختارت أن تستعير اسمها من رواية الأديب الأمريكي جون شتاينبك "عناقيد الغضب". وإن كان البعض قد قال إن التعبير تم استعارته من سفر الرؤيا في العهد الجديد، وهي الدولة التي لا تؤمن سوى بالعهد القديم. تناقضات إسرائيل المركبة وصلت حتى لأسماء عملياتها العسكرية الغاضبة.

زراعة الصحراء

تدشن إسرائيل اليوم علاقات علنية مع الإمارات، وقبلها كانت قد ارتبطت بعلاقاتٍ ودية مع سلطنة عُمان. في 1996 افتتحت مكتبًا تجاريًا لها في الدوحة، وبعدها تعددت زيارات شيمون بيرز لقطر. قريبًا سوف تدشن علاقةً مع البحرين، فيما تبقى جائزتها الكبرى هي علاقةٌ علنية مع السعودية. لا تبدو الكويت حتى اللحظة هدفًا معلنًا ضمن قائمة الدول المستهدفة "بالسلام" مع إسرائيل. إذا تم إنجازُ القائمة سيتبقى لإسرائيل دولٌ عربيةٌ غارقةٌ في صراعاتها الداخلية مثل العراق وسوريا.

تعتقد إسرائيل أن الكل لم يعد يفكر في القدس كما كان خلال العقود السابقة. الجيل الجديد من الحكام العرب "تخلص" من إرث القضية الفلسطينية.

إنها ترغب أن تكون قِبلةً للأموال الخليجية إما عبر التجارة أو السياحة أو العلاج، وفي المقابل ستعدهم بتصدير أحدث منتجاتها وخدماتها في مجالات السيطرة الأمنية والمراقبة والحرب الالكترونية. ستعدهم بالحماية من الاضطرابات الداخلية ومن التهديدات الإيرانية. وربما تعدهم بالمساعدة في زراعة الصحراء.

تحاول أن تقنع دول الخليج أن عصرًا من الأمان سيأتي معها. تمامًا كما وعدت الولايات المتحدة المصريين أن عصرًا من الرخاء سيأتي من فك ارتباط دولتهم "بالصديق" السوفيتي واستبداله "بالصديق الأمريكي" في مقابل أن يحصل على "أوسع سكة من راس التين على مكة، وهناك تنفد على عكا ويقولوا عليك حجيت".*

العدو المشترك

تشعر تل أبيب الآن أن هدفها الكبير هو تدشين العلاقات العلنية مع دول الخليج، مستغلةً أن تلك الدول تخوض صراعًا فيما بينها، في الوقت الذي تخشى فيه تهورًا إيرانيًا قد يعيدها إلى لحظات التوتر الكبرى مع العراق. وبالتالي فهي تحاول أن تربط أمن دول الخليج بأمنها. فالكل حليفٌ للولايات المتحدة التي قررت الانسحاب من الشرق الأوسط وترك مفاتيحه معها. والكل يعتقد أن إيران هي الخطر الأكبر وأن الحرب معها مسألة وقت. كما أنها تقدم نفسها للدول الخليجية باعتبارها القوة العسكرية الوحيدة في المنطقة التي تستطيع توجيه ضربات دقيقة للمنشآت الحيوية الإيرانية، وبالتالي تستطيع أن تكون عامل ردعٍ خليجي أمام طهران.

بالنسبة لدول الخليج فإن إسرائيل هي القوة الإقليمية التي تستطيع حماية أمنهم من أي تهديد إيراني، بعد أن قررت الولايات المتحدة أن تكون موردًا للسلاح فقط وألا تتورط عسكريًا في المنطقة كما حدث في حرب العراق، كما أن الخروج بالعلاقات العلنية مع إسرائيل للعلن قد يعني بالنسبة للدول الخليجية إمكانية الحصول على أسلحة أمريكية كانت محظورة عليهم بموجب "قيود التفوق العسكري النوعي بسبب الخوف من إمكانية استخدام تكنولوجيا معينة ضد إسرائيل". وأبرز هذه الأسلحة سوف تكون بالطبع المقاتلة إف 35، القادرة على منح الدول الخليجية إمكانية ضرب العمق الإيراني بدون الخوف من مظلة الدفاع الجوي الإيرانية.

الإرث القديم

لم يدّعِ مبارك يومًا أن هدفه تحرير فلسطين أو الكفاح المسلح من أجل حقوق الفلسطينيين. كان يعتقد أن منح حقوق الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة وحصولهم على السيادة في القدس الشرقية سوف يجنّب المنطقة حروبًا قادمة، قد تعطلها عن الازدهار الاقتصادي وعن التركيز على التنمية. لكن حتى مبارك الذي لم يكن يخجل من علاقاته الجيدة بزعماء إسرائيل قال لكلينتون "مفيش زعيم عربي ولا مسلم يستطيع أو يجرؤ أمام شعبه يوافق إن القدس تاخدها إسرائيل".

تعتقد إسرائيل أن الكل لم يعد يفكِّر في القدس كما كان خلال العقود السابقة. الجيل الجديد من الحكام العرب "تخلص" من إرث القضية الفلسطينية ومن محورية القدس كمفتاح لاستعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. يعتقد البعض في الإعلام العربي والغربي أن الشعوب العربية باتت مشغولة بمشاكلها المعيشية والسلم الأهلي أكثر من تفكيرها في تحرير القدس وعودة الأراضي العربية المحتلة بعد 1967.

تخفيف العبء

في أطروحته "السلام الدائم: إطار فلسفي" التي نشرها في عام 1795، يعتقد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أن عالمًا مكونًا من جمهوريات دستورية (ديمقراطية) سيؤدي إلى سلامٍ دائم. تقوم نظرية كانط على افتراض أن الغالبية الكبرى من الناس لن تختار التصويت للذهاب إلى الحرب إلا في حالة الدفاع عن النفس، وبالتالي فإن كل الأمم إذا تحولت إلى جمهوريات دستورية (ديمقراطية) فإن ذلك سيؤدي إلى "نهاية" الحروب لأنه لن يكون هناك معتدون. أطروحة كانط كانت الأساس لنظرية في العلاقات الدولية تحمل اسم "نظرية السلام الديمقراطي" والتي تفترض أنه لا يمكن أن تندلع حربٌ بين دولتين تحكمهما أنظمة ديمقراطية، لأن الناخبين لن يصوتوا للحرب.

إسرائيل التي تؤمن "بيهودية الدولة" وتمارس التمييز ضد مواطنيها العرب لا يمكن اعتبارها ديمقراطية غربية مثل السويد. ودول الخليج لم تدعِ يومًا أنها ديمقراطية. لكن نظرية "السلام الديقراطي" يمكن استعارتها في حالة السلام مع إسرائيل بعد تطويرها ليصبح مفهومها الجديد: الدول الحليفة للولايات المتحدة لا يمكن أن تخوض حربًا فيما بينها، خاصةً وأن تشاركت في عدوٍ واحد.

ترغب إسرائيل أن تكون قِبلةً للأموال الخليجية إما عبر التجارة أو السياحة أو العلاج، وفي المقابل ستعدهم بتصدير أحدث منتجاتها وخدماتها في مجالات السيطرة الأمنية والمراقبة والحرب الالكترونية.

تستمد نظرية "السلام الديمقراطي" أهميتها في الحالة الإسرائيلية بسبب التساؤلات العلنية في الولايات المتحدة حول إسرائيل "كعبء" على الولايات المتحدة. أبرز تلك الانتقادات وأشهرها جاء في مقال نُشر في مارس/ أذار 2006 في مجلة "لندن ريفيو أوف بووكس" كتبه بروفيسور العلوم السياسية في جامعة شيكاجو، جون ميرشيمر، وبروفيسور العلاقات الدولية في جامعة هارفارد ستيفن والت.

في المقال الذي تحول إلى كتاب في 2007، يكتب "البروفيسران" عن دور اللوبي الإسرائيلي المكون من "تحالف غير مترابط من الأفراد والمؤسسات التي تعمل بشكلٍ نشط لتوجيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة في اتجاه المصالح الإسرائيلية". بعد تحليل دور إسرائيل في الحرب على الإرهاب، وإمكانية تعرضها لاعتداء من جيرانها، والمسألة الأخلاقية المتعلقة بالدعم الأمريكي، يستنتج الكاتبان أن إسرائيل أصبحت عبئًا استراتيجيًا وسياسيًا على الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة، وأن الدعم الأمريكي لها قد سبب ضررًا مباشرًا للمصالح الأمريكية.

تعرَّض ميرشيمر ووالت لموجة هائلة من الانتقادات والاتهامات بمعاداة السامية. لكن ما كتباه في 2006 فتح الباب لشخصيات عامة أخرى في الولايات المتحدة للتساؤل والنقاش حول إسرائيل كنموذج أخلاقي. أحدث المنضمين للنقاش هو الممثل اليهودي الذي يحمل الجنسيتين الأمريكية والكندية سيث روجن الذي قال مؤخرًا إنه "كشخص يهودي تلقى حجمًا هائلًا من الأكاذيب حول إسرائيل خلال حياته". اشتكى من أن أحدًا لم يقل له إن الفلسطينيين كانوا يعيشون على الأرض التي تم إنشاء دولة إسرائيل عليها.


اقرأ أيضًا: صفقة القرن: كل شيء لإسرائيل والشتات لـ "السكان الأصليين"


هذه المرة من الصعب على إسرائيل أن تقول عن سيث روجن أنه معادٍ للسامية، فهو تربى في معسكرات يهودية، بل والتقى أبوه بأمه في أحد الكيبوتزات في إسرائيل. الممثل الكوميدي الذي يبلغ من العمر 38 عامًا ينتمي لجيلٍ جديد من الأمريكيين اليهود الذين "تحرروا" من إرث الآباء الذين عاشوا في ستينيات القرن العشرين وكانوا يرون مناصرة إسرائيل واجبًا "لحمايتها من التعرض لتهديدات وجودية من جيرانها، وتكرار ما حدث لليهود خلال الحرب العالمية الثانية".

تدرك تل أبيب التغيُّر العميق داخل بعض الدوائر الأمريكية تجاهها، بعد أن أثبتت أكثر من مرة قدرتها على حماية نفسها والقيام بضربات عسكرية استباقية. كما تدرك تغير نظرة قطاع من الأجيال الجديدة لليهود الأمريكيين الذين يعتقدون أنه من الصعب أخلاقيًا مناصرة حكومة تحاول التخلص من المواطنين العرب داخلها، للوصول إلى شعب يهودي يعيش في دولة يهودية خالصة.

هنا تأتي أهمية صنع علاقات علنية ونشطة مع دول الخليج، لأن ذلك يمنح إسرائيل اندماجًا في المنظومة الإقليمية دون أن يعني ذوبانًا ثقافيًا في محيطها، وبالتالي يجعل إسرائيل قادرةً على تخفيف عبء الحماية الأمريكية، بل وأن تحاول أن تعيد تسويق نفسها باعتبارها نموذجًا أخلاقيًا قادرًا على حماية شعوب المنطقة من أخطار الدول "المارقة" كإيران.


* من قصيدة "شرفت يا نيكسون بابا" لأحمد فؤاد نجم التي كتبها في أعقاب زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيسكون لمصر عام 1974.