تصميم: المنصة

أدوار هامشية للمثقف: اغتراب وتأثير محدود وحلاوة طحينية من ابن خلدون

تنطوي الإشارة إلى ابن خلدون باعتباره مؤسس علم الاجتماع، على رؤية أحادية تضعه في إطار يشكله إنجازه المعرفي وحده، دون التمعن كثيرًا فيما وراء ذلك من سلوك نفعي ودهاء سياسي جعلاه يلعب أدوارًا محورية شكّلت مصائر مدن وحياة سلاطين، مستندًا في كل ذلك إلى ثقله العلمي الهائل.

في مسرحية منمنمات تاريخية يعيد المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس تقديم الحوادث التاريخية بقراءة معاصرة، تنطلق من توظيف الفن ليكشف لنا رؤىً لا يتطرق إليها التاريخ عادة. يعبّر ونوس في قراءته المعاصرة عن رفضه التسليم بأي حدث تاريخي كقناعة سائدة نتناولها دون نظرة ناقدة، أو دون إحالتها إلى الواقع المعاصر، لنجد دليلًا مرجعيًا يساعدنا على فهم ما نعيشه الآن.

تعود بنا المنمنمات إلى عام 1260 عندما سقطت دمشق في يد التتار في فترة تاريخية شهدت أحداثًا مركبة، تصلح أن ننطلق منها في طرح الأسئلة الكبرى حول المواقف الأخلاقية التي ينبغي أن يتخذها المثقف، وحدود علاقته بالسلطة، ومدى حضوره في المواقف المصيرية التي تصنع في التاريخ نقاط التحول الكبرى.

بعيدًا عن المنجز العلمي الراسخ الذي تركه ابن خلدون، يسجل ونوس حضور مؤسس علم الاجتماع في أحداث سقوط دمشق، كعامل أساسي تدخّل بصورة ملتوية ليشكّل جزءًا كبيرًا من مساء الحدث.

أربع علب حلاوة طحينية

أثناء حصار التتار لدمشق، بادر ابن خلدون بزيارة تيمور لنك قائد جيش التتار وقتها، بينما من بقي في المدينة بعد مغادرة السلطان المملوكي الناصر فرج الدين لإخماد محاولة انقلاب في مصر، ما زالت تجادل حائرة بين خياري التسليم أو المقاومة.

خلال زيارات ابن خلدون العديدة لدمشق، أغدق على تيمور لنك بهدايا مثل بردة البوصيري سجادة مصحف، وأربع علب من الحلاوة الطحينية المصرية الفاخرة، أثبت بها ولاءه ومنح نفسه حق مناقشة أمر تسليم المدينة نيابة عن أهلها، ودون موافقتهم.

وحينما اشتد الحصار وضعفت قوة المقاومين وقلّت مواردهم، أقنع ابن خلدون تجّار وكبار دمشق بالتسليم وطلب الأمان، وافق على طلب تيمور لينك بكتاب تفصيلي عن بلاد المغرب، ليكون الورقة الحربية الكبرى عند تيمور لنك لاحتلال هذه المنطقة. سعى ابن خلدون في تسليم المدينة، وهو مؤرخ كبير يعرف كيف يوثق التتار انتصارهم بالعنف المفرط وإسالة الدماء.

حتى بعد سقوط المدينة، لم يتراجع ابن خلدون عن البحث عن منفعته الشخصية، طلب من تيمور لنك أن يكون من حاشيته وأهل مشورته، رفض الأخير، فجلس ابن خلدون يكتب عن فظاعة سقوط دمشق.

وضرب القلعة وطمس معالمها، وصادر أهل البلدة على قناطير من الأموال التي استولى عليها، بعد أن أخذ جميع ما خلفه صاحب مصر هناك، من الأموال والظهر والخيام. ثم أطلق أيدي النهابة على بيوت أهل المدينة، فاستوعبوا أناسيها وأمتعتها وأضرمو النار فيما بقى من سقط الأقمشة والخرقى، فاتصلت النار بحيطان الدور المدعمة بالخشب فلم تزل تتوقّد إلى أن اتصلت بالجامع الأعظم، وارتفعت إلى سقفه، فسال رصاصه، وتهدمت سقفه وحوائطه، وكان أمرًا بلغ مبالغه في الشناعة والقبح، وتصاريف الأمور بيد الله، يفعل في خلقه ما يريد، ويحكم في ملكه ما يشاء" (2)

تتوقف الثقافة عند ابن خلدون على الإنجاز العلمي، لذلك ظل رغم مواقفه المخزية، عالمًا متميزًا مؤسسًا لعلم شامل كعلم الاجتماع. ولكنه على مستويات أخرى من "الثقافة" كمفهوم يتعلق بإدراك دور هذه المعرفة التي يراكمها المثقفون في المجتمع، أي مجتمع، يبدو ابن خلدون في مكان آخر، فلا توجد أية التزامات أخلاقية، بل ينحصر الأمر في استخدام المعرفة لتحقيق المنافع وتجاهل أي تبعات يمكن أن تترتب.

مثقفون على الهامش

ولكن إذا إدراك ابن خلدون الذي توفي قبل نحو 600 سنة لدور المعرفة في المجتمعات مفهومًا في سياقه التاريخي، فإن العالم مر في تلك السنوات بتحولات جذرية عديدة بنت أنساقًا معرفية كبرى وأعادت تفكيكها، وغيرت بالكامل موازين القوى في المجتمعات الإنسانية وانتهت إلى ولادة الدولة الحديثة التي تشكل علاقاتها بمواطنيها على أسس لم يسمع عنها ابن خلدون.

مفهوم "المثقف" لم يكن بعيدًا عن عن هذه التحولات بل تأثر بها بكل تأكيد، وأصبح أكثر تركيبًا ومنح مزيدًا من الاستقلالية، ولكن رغم ذلك، لا زال المثقف المعاصر في مجتمعنا يدور في حلقة مفرغة يحاول فيها إعادة تشكيل نماذج تاريخية سابقة، دون أي محاولات جدية لاستغلال الطابع المؤسسي الحر نسبيا للدولة الحديثة، بل إنه في كثير من الأحيان يحاول دفع عجلة التاريخ إلى الوراء مستدعيًا كل ما يمكن أن يطيح بهامش الحرية الذي توفره الدولة الحديثة، وإن كان مجرد هامش شكلي.

يتبادل المثقف المعاصر مع السلطة عملية الإقصاء من المشاركة الفعّالة في تشكيل الواقع الإجتماعي، حيث يستقطع المثقف جزءا محوريا من التزامه، بينما تمارس السلطة عملية انتقاء تقوم على إدراج مجموعة ما ضمن خطابها وتحجب البقية، على اختلاف أشكال هذا الحجب.

يرى إدوارد سعيد أن أهم ما يميز المثقف هو "الاستقلال الفكري وحرية الرأي وصلاحية السؤال والنقد"، وأن دوره في الحياة هو "اللامنتمي أو الهاوي الذي يعكر صفو الحالة الراهنة"، كما يوضح في كتابه المرجعي المثقف والسلطة.

بالنسبة إلى سعيد؛ فالمسؤولية الاجتماعية عند المثقف هي جزء مركزي من فعل الثقافة، وإعادة قراءة الواقع بطرح الأسئلة على الدوام، والنقد الدؤوب لكل أشكال السلطة، أدوار أساسية تسهم في إحالة التراكم المعرفي إلى خطاب متماسك يصيغ العلاقة مع الآخرين، تبدأ هذه العلاقة من قراءة المثقف للواقع باستخدام السؤال والنقد، ومن ثم يحيل هذه الأسئلة إلى وجود عمومي، معنيّ بالمجتمع وأفراده، مهموم بمحاولات التوعية، والبحث عن تحقيق غايات كونية كبرى، مثل الحرية والعدالة والانحياز للإنسانية.

لا يبدو أي شيء من هذا موجود اليوم. منذ نشوء الدولة المصرية الحديثة وقدرة المثقف على التأثير الاجتماعي على محيطه مجمّدة، وظل معزولًا عن مجتمعه في أغلب الأحيان مغتربًا يعلن انتماءه طوال الوقت إلى حالات تاريخية سابقة كلما عجز عن التفاعل مع ما حوله.

تعتمد الدولة على إقصاء المثقف المستقل، الذي يدير علاقته معها بندية ويستمر في ممارسة النقد والتأثير، وتستبدل به نماذج أخرى لأشخاص راكموا كمًا من المعرفة، مثل ابن خلدون، ولكنهم سخروها لصالح السلطة في علاقة منفعة متبادلة، مثلما فعل ابن خلدون، ولكن في سياقات اجتماعية وسياسية وتاريخية تختلف تمامًا.

غالبًا ما تختبئ السلطة في مجتمعنا، على اختلاف شكلها، وراء فكرة مركزية تضع مفاهيم كالنقد في مساحة معادية للتقدم وإقامة المشاريع الكبرى، وتستخدم هذه السردية أثناء تضييق مساحات استقلالية المثقف. ظلت هذه السياسة وسيلة أساسية في يد السلطة، تشكّل بها المشهد الثقافي من خلال تصدير مجموعة مسوخ ثقافية خطابها يتماهى مع خطاب السلطة ويكسبه ثقلًا أكاديميًا مفترضًا.

يعززّ المثقف المعاصر في مجتمعنا اغترابه عن الواقع وبعده عن نشاطه الاجتماعي، لتلهيه محاولات إقصائه عن إمكانية تكوين أو تطوير خطاب مستقل.

نعاصر الآن مرحلة تغوّل أكبر لسلطة تحاول توسيع مشروعية إقصاء كل خطاب مغاير لا تستطيع تدجينه، من خلال نشاط معنيّ بفكرة مباشرة؛ كل من لا يؤيد ما نفعله بالطريقة التي نفعله بها هو مصدر تهديد. تضخيم الأفكار التي تصدرها مؤسسات الدولة أعطاها حقًا مكتسبًا في قمع كل ما هو آخر، وأصبحت العدائية تجاه الخطاب المستقل مباشرة، تستوجب اللجوء لأدوات القمع في صورتها الحقيقية؛ كثيرون قبعوا شهورًا خلف القضبان فقط لأنهم كتبوا كلامًا.

يشبه هذا عملية التجريف، أو ما يحذر سعيد من خطورته عندما يتحدث عن خطورة "اختفاء المثقف" قائلًا "يلوح لي خطر اختفاء صورة المثقف أو احتجاب مكانته، في خضم هذه التفصيلات الكثيرة، أي النظر إلى المثقف باعتباره أحد المهنيين وحسب، أو مجرد رقم نحسبه في حساب التيارات الاجتماعية".

رغم صعوبة المرحلة الحالية وتحكّم قبضة مؤسسة الدولة من معظم الأدوات المستقلة التي يمكن استغلالها، يعززّ المثقف المعاصر في مجتمعنا اغترابه عن الواقع وبعده عن نشاطه الاجتماعي، لتلهيه محاولات إقصائه عن إمكانية تكوين أو تطوير خطاب مستقل، ليبدو المشهد الثقافي عبارة عن مجموعة من الاتجاهات الدينية/ السياسية القائمة على تبادل العداء ومحاولة الإلغاء، بنفس الطريقة التي تناصب بها السلطة العداء لخصومها وتقصيهم.

يقف المثقفون الآن في ظل أطر ثابتة تجعل منهم جزءًا هامشيًا من مشهد ثقافي تحتله السلطة، بينما يظهرون هم كمسوخ يشبهون ابن خلدون في نفعيته لا في أثره المعرفي، يحملون مثله علب الحلاوة الطحينية، ويقفون بعيدًا عن أي تأثير اجتماعي مفترض.


* الأحداث التاريخية المذكورة عن ابن خلدون أثناء سقوط دمشق مثبتة في كتاب ابن خلدون التعريف بابن خلدون.