تصميم: يوسف أيمن - المنصة

المجلس القومي الذكوري للمرأة

الذكورية مصطلح يستخدم للإشارة إلى مجموعة من الأفكار تقول بتفوق الذكور عن الإناث. هذه الأفكار المتجذرة تترجم عادةً إلى قوانين وأعراف اجتماعية ترسخ التمييز بين الجنسين لصالح الرجل، وهي بالتالي ليست نوعًا اجتماعيًا بحد ذاته، فالمرأة التي تؤمن بضرورة سيطرة الرجال على النساء وحصولهم على حقوق أكثر توصف بأنها امرأة ذكورية.

تخلق الذكورية، بحسب سيمون دي بوفوار في كتابها الجنس الآخر، إرثًا من الاضطهاد ينتقل من الجدة إلى الأم إلى الابنة على شكل ممارسات تمييزية طوال الوقت لتتطبع النساء مع كونهن الجنس الأدنى، وهو ما قد يجعلنا في النهاية نجد نساء يرددن عبارات مثل "معندناش بنات تشتغل"، "هو ولد وإنتِ بنت"، "حرام تضيعي مستقبله"، وهذه الأخيرة كثيرًا ما استخدمتها نساء في محاولات إنقاذ أحد المتحرشين.

يؤدي هذا السياق الاجتماعي إلى ما يمكن أن نسميه بالتحيز الضمني؛ حيث تقوم النساء بتصديق الخرافات الذكورية بكونهن الجنس الأدنى. ينتقل هذا التحيز من جيل إلى آخر حتى يتحول عرفًا سائدًا؛ "لو لم تستفزه لما ضربها"، أو "لو لم تسر في شارع مظلم لما تحرش بها".

لوم الضحية بالنسبة للنساء الذكوريات أسهل كثيرًا من السخط على الجاني الذي يستمتع بامتيازات ميزان القوى المختل في المجتمع. أسهل لأنهن يعتقدن أن التزامهن بالقواعد التي وضعها الذكور سيوفر لهن بعض الحماية، إلا أن ما يحدث هو العكس، فحتى النساء اللاتي يرتدين "ملابس مقبولة" ويسرن في وضح النهار ويرددن على الدوام "نعم" و"حاضر"، لا يسلمن من الاعتداءات، فضلًا عن التمييز.

ولكن النساء الذكوريات في النهاية لَسن جناة بل ضحايا المجتمع الذي عشن فيه، إلا أن الأمر يختلف كثيرًا إذا أصبحت إحداهن في موضع قوة يتيح لها إحداث قدر من التأثير، ومع ذلك ترفض وتختار مواصلة الخضوع؛ هنا يمكننا الحديث عن التواطؤ.

ولعل النماذج على هؤلاء النساء كثيرة، ولكن أهمها كان المجلس القومي للمرأة.

يلجأ المجلس القومي للمرأة إلى الإذعان لا المواجهة، فبينما تؤمن النسويات بأن مشاكل النساء تكمن في النظام الأبوي بحد ذاته، ممثلًا في القوانين والأعراف الاجتماعية والعادات التي ترسخ التمييز ضد المرأة، ليكون الحل في إسقاطه ليكتمل تحرر النساء، يهمش المجلس فكرة "العيب في النظام"، ويستبدل بها نظرية "العيب في الشعب"، في الأفراد، في عم محمد الذي قد يسيء استخدام امتيازاته كذكر، لا في القوانين والأعراف الاجتماعية التي تمنحه هذه الامتيازات من الأساس.

إلقاء اللوم على الأفراد، تمامًا كإلقاء اللوم على الضحية؛ أكثر سهولة، فالمجلس هنا لا يصطدم بنظام اجتماعي ولكنه يلاحق أفرادًا هنا وهناك. تحميل عم محمد كل أزمات المرأة في المجتمع أسهل من إلقاء اللوم على السلطة التي تعمل على ترسيخ هذا النظام الاجتماعي. يقدم المجلس نفسه كمدافع عن حقوق المرأة ومناصر لتحريرها ولكن في ظل آليات النظام الأبوي نفسه، يحسّن ظروف تبعيتها إلى الرجل ولكنه لا يجرؤ على الذهاب إلى ما هو أبعد.

الخضوع الآمن

بعد عن ألقت السلطات في إبريل/ نيسان الماضي القبض على فتيات التيك توك واتهمتهن بـ "التعدي على قيم الأسر المصرية"، بل وأجرت على إحداهن فحوصًا قسريةً للكشف عن عذريتها، رأى المجلس أن هذه مناسبة لتعميم منشورات عن ضرورة التزام الفتيات بقيم الأسرة المصرية وإلا تعرضن للمساءلة القانونية، بدلًا من المطالبة بإلغاء هذا القانون الذي تشوبه شبهة عدم دستورية، والحديث عن الحقوق الشخصية لهؤلاء الفتيات، وحمايتهن بالطبع من أي فحوص تجري قسرًا على أجسادهن.

أحد المنشورات التي نشرها المجلس القومي للمرأة - من صفحة المجلس على فيسبوك

يقدم المجلس إذا رعايته فقط للفتيات اللاتي يلتزمن بمجموعة الأعراف الاجتماعية التي وفر لها القانون حمايةً وأطلق عليها اسم "قيم الأسرة المصرية"، وهي في واقع الأمر مجموعة من القواعد التي يرى الرجال وجوب تطبيقها على النساء ويشرفون على التزامهن بها؛ تتعلق بالملابس المقبولة والمهن الملائمة وطريقة الحديث اللائقة، وتطبق بشكل خاص على النساء الأفقر، ويصبح الإفلات منها امتيازًا طبقيًا قد تحصل عليه النساء الأكثر ثراءً.

إن وصم النساء أخلاقيًا والسيطرة على أجسادهن ومعاقبتهن بسبب ملابسهن هو جوهر الذكورية، والمجلس القومي ساند هذه الممارسات بدلًا من مواجهتها، وهو ما قد ينطوي على بعض الخطورة، فالخضوع لما هو سائد أسهل وأكثر أمانًا.

وبينما اختار المجلس تحذير النساء من ممارسة حرياتهن تحت عنوان الخضوع لـ "القيم الأسرية"، فإنه اختار الصمت التام بعد أن تحولت الشاهدات في قضية اغتصاب فتاة بشكل جماعي في فندق فيرمونت، واللاتي وعد بدعمهن وحماية خصوصيتهن، إلى متهمات بـ "التحريض على الفسق والفجور"، بالتزامن مع نشر حسابات مجهولة على تويتر صورًا خاصة لهن كانت على هواتفهن التي تحفظت عليها النيابة، بينما تداولت عدة مواقع إخبارية أسماءهن.

مرة أخرى يختار المجلس الحل الأسهل، لا بأس من الحماية المجانية لأي فتاة تتعرض لانتهاك أو اعتداء جنسي ولكن إذا كانت هذه الحماية ستكلف صدامًا مع النظام الاجتماعي، فإن الخضوع له سيكون أسهل. ولكن تداعيات هذا الموقف لن تطال ضحية الفيرمونت فقط، ولكنها ستمتد لكل فتاة تعرضت لانتهاك واعتقدت أن هناك قنوات تستطيع من خلالها الشكوى وانتظار العدالة.

الرجل كوحدة قياس

والمجلس القومي للمرأة لا يحاول إنكار ذكوريته بل يحتفي بها، مثلما فعل عندما أعاد نشر كاريكاتير رسمه عمرو سليم في المصري اليوم مكتوب فيه "صحيح هو المجلس القومي للمرأة بس الواحدة منهم بميت راجل"، المجلس اعتبر هذا الكاريكاتير مساندةً لمجهوداته في التصدي لظاهرة التحرش، ورئيسته مايا مرسي أعربت عن "إعجابها وسعادتها به".

التعبير الذي أسعد رئيسة المجلس القومي للمرأة ذكوري، فهو يستخدم الرجل كوحدة لقياس الأفضلية والنجاح، ويراه جنسًا أعلى قد تصل المرأة إليه إذا فعلت أشياء جيدة، بينما في حقيقة الأمر فإن الرجولة ليست وحدة للقياس.


ومع نهاية أغسطس/ آب الماضي، بدأ المجلس حملة لأني رجل، وهي حملة ذكورية أخرى تطلق على الوصاية الأبوية اسمًا مخففًا هو "الرجولة"، وفيها يحمل رجال لافتات مكتوب عليها إنهم سيساعدون النساء في الأعمال المنزلية ويشجعونهم على ممارسة الرياضة ويسمحون لهم بالعمل ويقفون ضد الزواج المبكر.

ولكن ما لا يعرفه المجلس القومي للمرأة أن الاحتفاء برجال يوافقون على عمل المرأة وممارستها للرياضة يعني ضمنيًا أنه يعترف بأن لهؤلاء الرجال حق رفض كل هذا. نحن في القرن الحادي والعشرين ولا زال المجلس القومي للمرأة يرهن عمل المرأة وممارستها للرياضة بموافقة رجل ما، ويحتفي بالرجال الذين يوافقون.

إن تحرير النساء يبدأ من تحكمهن بشكل كامل في عملهن وأجسادهن وملابسهن وحياتهن دون انتظار البركة أو موافقة من أحد.

وهبت عمري للأمل ولا جاشي

ما يقوم به المجلس القومي للمرأة اليوم لا يبدو بعيدًا عما حدث في الولايات المتحدة عام 1970 مع بداية الموجة النسوية الثانية، عندما عملت مجموعة من النسويات على تعديلات في قانون الحقوق المتساوية تجرّم كل تمييز على أساس الجنس. كان هدف الحركة التي كانت جلوريا ستاينم وبيلا أبزج وبيتي فريدن أبرز وجوهها، موافقة 38 ولاية من أصل 50 على هذه التعديلات لتصبح قانونًا فيدراليًا يطبق في الولايات كلها.

ولكن في أوج هذه الحركة التحررية، ظهرت فيليس شلافلي المرأة اليمينية المحافظة، والتي رفضت هذه التعديلات.

نظمت فيليس شلافلي مجموعة أطلقت عليها "stop era" مع غيرها من النساء الرافضين للتصديق على تعديل قانون الحقوق المتساوية؛ كان شعارها "stop taking our privilege" (كفوا عن أخذ امتيازاتنا). نظرت شلافلي وغيرها على أن حصر الدور الاجتماعي للمرأة في الأعمال المنزلية وإعفائها من العمل هو امتياز. لا يهم أن يكون للمرأة عمل أو أموال خاصة بها، فإن وظيفتها الوحيدة هي الخدمة المنزلية.

كانت حجة شلافلي أن النساء محميات بالقوانين الحالية، وتعاملت مجموعتها مع فكرة المساواة على أنها الخطر الآتي لحرمان النساء من الامتيازات التي يمتلكنها، واعتمدت على تصدير البروباجاندا اللازمة لإقناع ربات المنزل المحافِظات من الطبقة المتوسطة اللاتي لم يكن لديهن أي معرفة سابقة بالسياسة، أن حقوقهن في خطر؛ أخبرتهن أن المساواة ستجعل الحمامات أحادية الجنس، وستلغي القوانين التي تجرم التحرش والاعتداء الجنسي، وسيتم إجبار النساء على دخول الجيش وسيحرمن من التأمينات الاجتماعية التي يحصلن عليها بسبب اعتمادهن على أزواجهن.

الحقيقة أن شلافلي، التي يعرض مسلسل Ms.America قصة نشاطها المناهِض لتحرر المرأة، لم تكن ربة منزل على الإطلاق، فقد ترشحت للكونجرس في عام 1952، وأقامت حركات سياسية مختلفة مثل Eagle Forum لمنع التصديق على قانون الحقوق المتساوية، درست القانون ونظمت حملات عديدة، ولديها حياة مهنية سياسية ناجحة.

حصلت شلافلي على امتيازات كثيرة، ولكنها وقفت بضراوة في وجه تمكين بقية النساء.

بسبب ذكورية فيليس شلافلي فشلت حملة النسويات للتصديق على قانون المساواة بفارق ثلاثة ولايات فقط حتى يومنا هذا. تعاني النساء الأمريكيات من فجوة كبيرة في الأجور مقارنةً بالرجال الذين يشغلون نفس المناصب ويقومون بنفس العمل. تعاني 42% من النساء من تمييز على أساس الجنس في أماكن العمل، وهو ما كانت التعديلات ستجرّمه، طبقًا لدراسة نشرها Pew Research Center عام 2017.

ومع عدم إقرار القانون، فإن المحكمة العليا في كثير من القضايا التي رفعتها النساء برفعها بسبب التفاوت في الأجور، رأت أن التفاوت بحد ذاته ليس اضطهادًا إلا إذا كان بنيّة الاضطهاد، ولكن مجرد أن تتقاضى المرأة أجرًا أقل من زميلها الذي يشغل منصبًا مماثلًا لا يعد اضطهادًا إذا كانت تتقاضى في وظيفتها السابقة أجرًا أقل.

بشكل عام، في مصر وفي الولايات المتحدة وفي كل مكان في العالم بنسب متفاوتة، توجد هوة بين القوانين المجردة والواقع الفعلي، ولكن تغيير الثقافة الذكورية السامة يبدأ من تغيير القوانين حتى يفقد التمييز ضد النساء طابعه العادي ويصبح جريمة لا سلوكًا محل جدل، وهذا التغيير يتطلب ألا نجد نماذج مثل فيليبس شلافلي أو عضوات المجلس القومي للمرأة وأمثالهم من النساء اللاتي يعملن بجد على دفع الحراك النسوي إلى الوراء، والحفاظ على امتيازات الذكور في المجتمع بتهذيبها وتحسين شروط النظام الأبوي، بدلًا من العمل على إلغائه لتتحرر النساء.