تصميم: المنصة

المنتصر بالله.. أو الإيفيه كرصاصة مباغتة

في أوائل التسعينيات اجتمع عدد من أشهر نجوم الفن آنذاك لتقديم مسرحية شارع محمد علي، ألّفها الاسم البارز في مجال الكتابة الكوميدية بهجت قمر، واختارت لها الشركة المنتجة مخرجًا له باع في إخراج الأعمال الكوميدية، هو محمد عبد العزيز. كانت الأسماء كبيرة، لكنَّ اسمًا بعينه ما زال ينقصها، هكذا رأت بطلة العمل شيريهان التي أصرت ألاّ يبدأ العمل دونه؛ المنتصر بالله، الكوميديان الذي شاركها سابقًا في مسرحية علشان خاطر عيونك. فترك في نفسها والجمهور أثرًا جعل منه تميمة للحظ.

في تلك الأعوام ارتبط اسم المنتصر بالله بأعمال كوميدية لاقت نجاحًا كبيرًا، أفلام مثل يا تحب يا تقب ومسرحيات مثل عائلة سعيدة جدًا، وغيرهما من الأعمال التي ستخلّد اسم الرجل الذي دخل المجال الفني مصادفة لينتزع بأدائه الكوميدي التلقائي ضحكات المشاهد، إلى أن أنهى المرض مشواره الفني منذ 12 عامًا تقريبًا قبل أن ينهي رحلته مع الحياة السبت الماضي عن عمر 70 عامًا، حقق فيها أحلامه الفنية رغم ما لاقاه من مصاعب.

أحلام ممنوعة

لأب من صعيد مصر، حيث "الخَلَف عزوة" لاسيما لو كان المولود ذكرًا، ولد المنتصر بالله رياض عبد السيد عام 1950، بعد معاناة والديه مع موت اختطف منهما ثلاثة أبناء آخرين. ولهذا؛ حمل المنتصر هذا الاسم مثل أخيه الكبير المعتز بالله، ندرًا من اﻷب بأن تقترن أسماء أولاده باسم الله.


اقرأ أيضًا: جميل راتب.. نرد بألف وجه


مرّت السنوات ولم يقترب الموت من المنتصر الذي التحق بكلية الزراعة التي لا يحبها، بعد أن وصل مع أبيه الذي عارض عمله في التمثيل إلى حل وسط؛ افعل ما شئت ولكن لا تعرّف نفسك في البطاقة كـ "ممثل". وفي تلك الكلية التي لم تكن على هواه، وجد الطالب العوض عن المعهد وذلك بفريق تمثيل ضم طلابًا سيصبحون نجومًا فيما بعد مثل محسنة توفيق.

لم يكتفِ المنتصر بالله بالعمل مع الفريق الجامعي، بل قرر تحقيق الحلم الذي عطّله عنه الأب قبل سنوات عديدة، فالتحق بمعهد الفنون المسرحية، ومنه حصل على درجة البكالوريوس ثم الماجستير أيضًا. وبعد تجارب الفريق المسرحي وماجستير المعهد، بدأ المنتصر رحلته مع "الأستاذ" وفقًا لوصفه وأبناء جيله فؤاد المهندس، وذلك في مسلسل عيون عام 1980. ومن هنا بدأت انطلاقته في عالم الدراما والمسرح.

كوميديان بالفطرة

كان المنتصر بالله كوميديانًا بالفطرة تخرج منه النكتة دون مجهود ويطلق الإفّية كرصاصة مباغتة تصيب جميع من حوله. قد يفسر هذا الأمر ما قاله يومًا في تعريف نفسه بإحدى البرامج بأن شخصيته تمتلك منذ الصغر حس النكتة، وهو ما كان يظهر حتى في حواراته التي كان دائمًا ما يخلق فيها مساحة للسخرية، ولو كانت من عيب خلقي لديه كالحول.

هذا الحس الكوميدي مكّن الفنان فيما بعد من غناء وتمثيل النكات، وليس إلقاءها فقط، وهو ما أثبته على مدار 4 عقود قدم خلالها ما لا يقل عن 180 عملاً فنيًا، لم يكن ليقدمهم لولا حبّه الشديد للفن، والذي جعله يجازف باتخاذ قرار قد يرى فيه البعض جنونًا. فالمنتصر هو الموظف الذي قرر ترك وظيفة بدخل ثابت في إحدى الشركات، من أجل العمل في قطاع الإنتاج بوزارة الثقافة، في وظيفة دخلها ما زال غير مضمون، ليبقى رهينة موهبته وقدرته على إثبات اسمه في الوسط.

في ذلك العام البعيد، وحين حاول رئيس مجلس إدارة الشركة إثناء الموظف عن قراره وتذكيره بأن التزامه بالعمل في الشركة لن يستقيم مع العمل الفني، وأن "صاحب بالين كداب"، ليأتي رد المنتصر قاطعًا وحاسمًا بقوله "وإيه عرفك إني أنا ملتزم بالشركة؟ أنا ماعنديش غير بال واحد، التمثيل"، وفق ما حكاه في أحد البرامج.


أمام ذلك الحزم، قرر رئيس مجلس الإدارة منح الموظف مهلة لسنة واحدة، إما يثبت نفسه في مجاله الجديد أو يعود للشركة. وأمام هذه المحبة، لم يخذل الفن المنتصر بالله؛ فانطلق في أعمال منها ما حقق أعلى الإيرادات مثل شارع محمد علي حيث شخصية شلاولو التي يذكرها الجمهور كشخصيات أخرى نجح في حفرها في ذاكرتهم مثل حلاوة في مسلسل أنا وأنت وبابا في المشمش، أو سنجر في مسرحية علشان خاطر عيونك.

سنوات عجاف

سنجر الشخصية التي أدّاها المنتصر بالله؛ فتمسّكت بطلتها شيريهان بوجوده في مسرحيتها التالية شارع محمد علي وهو الصنيع الذي لم ينسه الرجل، وربما خلق لديه في أعوام شيخوخته مقارنة بين جيل عمل معه وجيل حالي عاب على نجومه "عدم الالتزام في العمل" وكذلك "البعد عن العلاقات الإنسانية الطيبة مع المحيطين"؛ فوصفهم بأن "الفلوس عمياهم".

عقد المنتصر بالله المقارنة وهو ينظر إلى زمن لم يعد يتلقى فيه عروضًا للعمل، ما دفعه لاتهام القائمين على الإنتاج اليوم بأنهم "بيدمروا السينما"، مستشهدًا على خطأ منطقهم في استبعاد الفنانيين كبار السن بما يحدث في السينما العالمية من استمرار الفنانين في العمل رغم تقدمهم في العمر، وذلك بمنحهم أدوار تليق بأعمارهم.

لم تمنح السينما ولا المسرح ولا حتى التليفزيون المنتصر بالله أدوارًا تليق بعمره، فكتبوا بذلك كلمة النهاية مع مشواره الفني، في ضربة سبقت الضربة الكبرى التي تمثلت في إصابته بجلطة في المخ أقعدته عن العمل وصارت سببًا لشائعات متكررة عن وفاته، في استمرار ربط الرجل بأحاديث كان منها ما خرج وقت نجوميته عن علاقته بالرئيس الأسبق حسني مبارك، وهو ما أنكره في حوار سابق، أكد فيه تعاطفه معه إنسانيًا ودعمه لثورة 25 يناير.


اقرأ أيضًا: لينين الرملي.. أو السابح بخفة على خشبة المسرح


لكن رغم الضربات المتلاحقة والتي كان منها صدمته في زملاء وأصدقاء ابتعدوا عنه في فترة مرضه التي استمرت قرابة 12 عامًا، استطاع الرجل إيجاد السند والعزاء في زوجته الفنانة المعتزلة عزيزة كساب وبناته الثلاثة هبة ورانيا وسارة، والونس والبهجة في أحفاده، فهؤلاء وقلّة من الفنانين كانوا من رافقوه في رحلته سواء وقت الشهرة أو في سنوات المرض العجاف، حتى أسلم الروح تاركًا رصيدًا فنيًا لن ينساه جمهوره.