سجن طرة. صورة برخصة المشاع اﻹبداعي: ويكيبيديا

صحفيون خلف الجدران: وقائع مختلفة وتهم متشابهة

ألقت قوات الأمن القبض على عدد من الصحفيين خلال الشهور الثلاثة الماضية، على ذمة قضايا مختلفة بتهم مماثلة وهي نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة محظورة، دون أن تعلن نقابة الصحفيين عددهم.

عضو مجلس نقابة الصحفيين، محمود كامل، قال للمنصَّة، إن هناك خمسة صحفيين ألقي القبض عليهم في خلال شهر واحد في ظروف مختلفة، وهم هاني جريشة وعصام عابدين والسيد شحتة من صحيفة اليوم السابع، مشيرًا إلى أن اﻷخير مصاب بفيروس كورونا، وألقي القبض عليه من منزله، وهو موجود حاليًا في مستشفى العزل ببلبيس، ثم ألقي القبض على إسلام الكحلي الصحفي بموقع درب أثناء تغطيته لواقعة مقتل إسلام الأسترالي في منطقة المنيب، وبعد أيام ألقى القبض على الزميلة الصحفية بسمة مصطفى، وجميعهم يواجهون تهم مماثلة حول نشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة محظورة.

كامل أوضح أن هناك حوالي 20 صحفيًا ألقي القبض عليهم خلال الأشهر الأخيرة، من 15 أعضاء بنقابة الصحفيين، قائلًا "الأعداد غير رسمية، لأنه لا يوجد حصر كامل بأسماء الصحفيين المعتقلين، وعند القبض على أحد الصحفيين يجري التواصل مع النقابة لتمكين أحد المحامين من حضور التحقيق معه، كما أحاول أيضًا الحضور مع الزميل المقبوض عليه، وعادة تنتهي تلك المحاولات بالرفض من قبل النيابة".

وتابع "عند القبض على صحفي غير نقابي يصبح من الصعب التواصل مع النقابة وطلب حضور أحد محاميها معه، وأحاول الحضور مع الزميل والمتابعة مع أسرته، لكنه في أغلب الأحوال ترفض النيابة حضوري مع الزميل، ويصبح التواصل من خلال أسرته لمعرفة التطورات".

مصاب بكورونا

لمياء محمد، زوجة السيد شحتة، الذي يواجهة اتهامات بنشر أخبار كاذبة والانضمام لجماعة إرهابية، قالت للمنصَّة إن زوجها كان مصابًا بفيروس كورونا، وقت القبض عليه في 30 أغسطس/ آب الماضي، حيث فوجئت باقتحام قوات الأمن للمنزل والقبض عليه "خدوا اللابتوب والتاب والتليفونات وكل حاجة، ومفتاح عربيتي وبطاقتي وفيزتي بدون مبرر، واقتادوه لمكان غير معلوم، وفي اليوم التالي عرفنا انه اتحجز في مستشفى بلبيس العام بسبب تدهور حالته الصحية، ولحد دلوقتي مش عارفين هو مقبوض عليه ليه، ولا عارفين نشوفه أو نطمن عليه".

عند القبض على صحفي غير نقابي يصبح من الصعب التواصل مع النقابة وطلب حضور أحد محاميها معه.
- محمود كامل، عضو مجلس نقابة الصحفيين

تابعت "لحد دلوقتي مش عارفين التهم الموجهة لزوجي ولا إيه الجريمة اللي ارتكبها علشان يتقبض عليه بالشكل ده ونتعرض للإساءة قدام ولادنا، ولا عارفين نتطمن عليه ولا نشوفه. جوزي كل اللي بينشره على صفحته الشخصية مقالات متعلقة بشغله وملهاش أي توجه سياسي، كمان قبل القبض عليه بيومين عمل مسحة كورونا وكانت إيجابية، فإزاي ممكن يتقبض على شخص في الحالة دي، ولما كنا بنسأل قوات الأمن لما جت البيت هما عمل إيه كان الرد اسكتوا".

وأجرى الصحفي مسحة كورونا بعد ظهور الأعراض عليه وجاءت إيجابية، بحسب زوجته "كان عنده أعراض قبل القبض عليه بيومين، وبعد القبض عليه ودوه المستشفى وعمل مسحة طلعت إيجابية، ولسه لحد دلوقتي في مستشفى العزل لا عارفين نشوفه ولا نطمن عليه، وعرفت إنه عمل 4 مسحات نتايجهم إيجابية، وحالته بتدهور وعنده إعياء شديد طول الوقت".

التغطية الصحفية تقود للحبس أحيانًا

إيهاب الكلحي المحامي وشقيق الصحفي إسلام الكلحي، قال في تصريحات لموقع درب إنه تم القبض على شقيقه في 9 سبتمبر/ أيلول من منطقة المنيب أثناء تغطية مقتل إسلام الأسترالي بقسم شرطة المنيب، موضحًا أنه قدم مذكرة للنيابة تفيد أن شقيقه كان يؤدي عمله أثناء القبض عليه، ووفقًا للقانون لا يجوز حبس الصحفيين أثناء ممارسة عملهم، كما أنه لم يرتكب أي جرائم من قبل لتبرر حبسه على ذمة القضية 855 لعام 2020، بتهم الانضمام لجماعة إرهابية ونشر وإذاعة أخبار كاذبة، وإساءة استعمال وسائل التواصل الاجتماعي.

تقابل أجهزة اﻷمن الأحداث التي تشهد جدلًا بالقبض على صحفيين، فبعد ما يقرب من شهر على واقعة إسلام الاسترالي في المنيب، والتي عملت على تغطيتها الصحفية بسمة مصطفى، شهدت الأقصر واقعة قتل مواطن، وهو ما دفع مصطفى للسفر للأقصر لتغطيتها ولكن ألقي القبض عليها هنا فور وصولها، وقال محاميها كريم عبد الراضي للمنصة، إنها خضعت عقب ظهورها بنيابة أمن الدولة العليا لتحقيقات استمرت ساعة تمت بشكل غير رسمي ولم يسمح لمحاميها الحضور معها، وخلال التحقيقات سئُلت بسمة على تغطيتيها لقضيتي إسلام الاسترالي، وفيرمونت، ثم قرر النائب العام إخلاء سبيلها على ذمة القضية 959 لسنة 2020.

وأصدرت النيابة العامة بيانًا، أكدت خلاله إخلاء سبيل بسمة، بعد استجوابها فيما هو منسوبٌ إليها من اتهامات، واستئناف التحقيقات في الواقعة، وذكر البيان "اتُّهمت المذكورة باستغلال حسابها الشخصي بأحد مواقع التواصل الاجتماعي لنشر وترويج أخبارٍ كاذبة من شأنها تكدير الأمن والسِّلْم العام، فأنكرت المتهمة ما نُسب إليها مقررةً إجراءَها تحقيقاتٍ صحفيةً، باعتبار عملها ببعض المواقع الإخبارية، حولَ موضوعاتٍ اجتماعيَّةٍ وقضايا تشغلُ الرأيَ العام، منها ما شهدتْهُ البلادُ خلال جائحة فيروس كورونا، وقضايا أخرى".

كامل قال إنه لا يوجد حصر بأسماء وعدد الصحفيين المقبوض عليهم في الفترة الأخيرة، وهو الأمر الذي أكده عمرو بدر، عضو مجلس نقابة الصحفيين، والرئيس السابق للجنة الحريات، مشيرًا إلى أن عدم وجود حصر ومتابعة لأسماء وموقف الصحفيين المعتقلين كان سببت لتقدمه باستقالته من رئاسة اللجنة.

"أخبار كاذبة"

وفي 12 مايو/ أيار الماضي ألقى القبض على الصحفي هيثم حسن في القضية رقم 586 لعام 2020 حصر أمن دولة عليا، بتهم بمشاركة جماعة إرهابية مع العلم بأغراضها والترويج لها، وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الشائعات ونشر وبث وإذاعة أخبار وبيانات كاذبة، وقالت والدته ماجدة مبارك، إنه تم مهاجمة المنزل بدار السلام، من خلال قوة أمنية سألت على هيثم، وطلبت من شقيقه الاتصال به والذي كان متواجدًا أسفل المنزل، وادعت القوة الأمنية أن هيثم كسر حظر التجوال وسيتم اصطحابه لقسم دار السلام للتحقيق معه، لكن تم التحفظ عليه، على ذمة قضية سياسية.

أخلت النيابة سبيله بضمان محل إقامته، وبعد أيام توفي داخل مستشفى العزل بالعجوزة، عقب إصابته بفيروس كورونا.

في يونيو/ حزيران الماضي ألقت قوات الأمن القبض على الصحفي سامح حنين وخمسة آخرين، بتهمة تصوير أفلام دعائية مسيئة للبلاد، والاشتراك مع جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها، وبثت اعترافات مصورة للمقبوض عليهم عبر وسائل الإعلام المصرية، وفي 15 يونيو ألقى القبض على الصحفي الراحل، محمد منير، رئيس تحرير جريدة الديار، بعد مكالمة هاتفية له مع قناة الجزيرة، وتعليقه على غلاف لمجلة روزا اليوسف اعتبرته الدولة مسيئًا للكنيسة، وبعد حبسه ما يقرب من شهرين بالقضية 535 لعام 2020، بتهم بمشاركة جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام موقع التواصل الاجتماعي، أخلت النيابة سبيله بضمان محل إقامته، وبعد أيام توفي داخل مستشفى العزل بالعجوزة، عقب إصابته بفيروس كورونا.

ماما وبابا فين؟

من بين الزملاء الذين مر عليهم عام في محبسهم على ذمة قضايا، الصحفية سولافة مجدي وزوجها المصور حسام الصياد، اللذان تقدم المحامون عنهما بمذكرة للمطالبة بالإفراج عن أحد الأبوين لرعاية طفلهما، وفقًا لما ينص عليه القانون، وهو ما لم يحدث، وفقًا لنبيه الجنادي محامي سولافة وحسام، رغم التقدم بمذكرة لنيابة أمن الدولة العليا في سبتمبر 2019، استنادًا الي مبدأ المصلحة الفضلي للطفل، وهو مبدأ مستمد من المادة الثالثة من إتفاقية الأمم المُتحدة لحقوق الطفل، والمُوقع والمُصدق عليها من جمهورية مصر العربية، وكذا المادة 488 من قانون الإجراءات الجنائية، للمطالبة بالإفراج عن أحد الأبوين لرعاية الطفل.

تغريد زهران والدة سولافة روت للمنصَّة ما تشعر به من غضب وحزن عقب مرور أكثر من عام على القبض على ابنتها وزوجها "سنة وشوية عدوا على القبض على بنتي وجوزها، مروا عليَّ كأنهم عمر بحاله من ألم وعذاب، بعيش كل يوم وبتنفس بس ولا كأني عايشة، بحلم بلُقا بنتي اللي متستحقش كل ده"، وتؤكد والدة سولافة أن ابنتها وزوجها لا علاقة لهما بأي عمل سياسي، كما أنه تم القبض عليهما من على أحد المقاهي بمنطقة الدقي.

"ماما وبابا فين؟"، سؤال يطرحه خالد نجل سولافة وحسام يوميًا على جدته "خالد عارف إن مامته وباباه مسافرين، بس الإجابة دي مبقتش ترضيه لما المدة زادت، خاصة إن مفيش جوابات بتوصل من سولافة ولا عارف يتصل بيها، وبيفضل يكتب لها جوابات هي وباباه وبنقوله إنها بتوصلهم وقريب هيرجعوا له، بس أنا بطمن الطفل وأنا مش عارفة إمتى الغياب ده هينتهي، أو حتى يسيبوا واحد منهم لطفل صغير ملوش ذنب".منظمة العفو الدولية قدرت عدد الصحفيين المحبوسين في مصر نحو 37 صحفيًا، وفقًا لتقرير نشر في بي بي سي، وذكر التقرير أن هناك 20 صحفيًا تم القبض عليهم أثناء عملهم بشكل مباشر، فيما يقول المرصد العربي لحرية اﻹعلام إن عدد الصحفيين المقبوض عليهم وصل إلى 78، حتى نهاية سبتمبر الماضي. وتحتل مصر المركز رقم 166 في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تصدره منظمة مراسلون بلا حدودواحتلت مصر المركز رقم 166، في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تصدره سنويا منظمة مراسلون بلا حدود.

معاداة الصحفيين

الناشط الحقوقي جمال عيد، المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، قال للمنصَّة، إن القبض على بسمة والكلحي، وكذلك القبض على حتى بعض المقربين من السلطة، يوضح عداء السلطة لكل الآراء المختلفة والناقدة وفي القلب منها الصحفيين، وتابع عيد "وحتى الإفراح عن بسمة يوضح أن القانون مجرد غطاء للخلاف الشديد الذي يصل لحد الكراهية ضد حرية التعبير، وأن السياسة هي المتحكمة في حبس وعدم حبس المختلف، لكن حسب الثمن الذي تستعد السلطة لدفعه".


اقرأ أيضًا: اعتقالات وسيطرة إعلامية وحجب مواقع


منظمة العفو الدولية طالبت السلطات المصرية، في بيان لها، بوضع حد لما وصفته بـ"قمعها المتواصل لوسائل الإعلام"، وضمان التدفق الحر للمعلومات، وقال مدير البحوث وأنشطة كسب التأييد للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيليب لوثر إنه "منذ 2016، أخضعت السلطات في مصر عشرات الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام الآخرين إلى مجموعة من الانتهاكات لمجرد قيامهم بعملهم أو التعبير عن آرائهم، فقد تم احتجاز عشرات الصحفيين بشكل تعسفي بتهم باطلة متعلقة بالإرهاب، أو تم مداهمة أماكن عملهم.

وتابع "يجب على السلطات المصرية السماح للصحفيين بالقيام بعملهم دون شعور بخوف من الانتقام. كما يجب عليها الإفراج فورًا، ودون قيد أو شرط، عن جميع الصحفيين المحتجزين لمجرد قيامهم بعملهم، أو ممارسة حقهم في حرية التعبير، والتحقيق في جميع ادعاءات الاختفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة للصحفيين".