الدعوة لتأسيس سوق سريع للخضراوات جاءت عقب عودة سكان قرية قاطية. الصورة: حساب أحد سكان القرية- فيسبوك

العودة بالدم: هكذا استقبل أهالي 4 قرى في بئر العبد منازلهم بعد طرد "داعش"

"بالروح بالروح.. سينا مش هتروح" كان هذا هتاف المئات من سكان 4 قرى تابعة لمركز بئر العبد، شمالي سيناء، وهم في طريق عودتهم إلى منازلهم التي خرجوا منها بعد تمركز مسلحي تنظيم ما يسمى بولاية سيناء، داعش، قبل 82 يومًا. وأمضى السكان هذه الفترة نازحين في القرى المجاورة. عودة الأهالي لمنازلهم لم تمر بسهولة؛ إذ قتل منهم 9 وأصيب 5 بسبب العبوات الناسفة التي زرعها مسلحو التنظيم قبل أن تطردهم قوات الجيش من القرى بعد اشتباكات متفرقة امتدت لنحو 3 أشهر.

آخر حوادث الانفجارات وقع صباح اليوم وأسفر عن مصرع مواطن وإصابة اثنين.

يوم السبت الماضي عاد أهالي قرى قاطية والمريح والجناين، وبعدها بيوم لحقهم أهالي أقطية، ليدخلوا قراهم حاملين أعلام مصر مستبدلين بها الرايات السوداء لتنظيم ولاية سيناء المرفوعة في القرى منذ 21 يوليو/ تموز الماضي عقب هجوم على معسكر أمني في قرية رابعة المجاورة، قبل لجوء المسلحين إلى القرى الأربعة المجاورة ليتمركزوا فيها، وهو ما دفع غالبية الأهالي للنزوح خوفًا من استهدافهم.

يقول أبو محمد، وهو واحد من العائدين إنه دخل مع الأهالي قرية قاطية من جهتها الشمالية سيرًا على الأقدام و"كان المشهد مهيبًا ومخيفًا في نفس الوقت" حسبما يصف، "نظرًا للدمار الذي حل بالممتلكات، وآثار الدماء على واجهات البيوت والمتاجر، وما تبقى من الزراعات المهمَلة". يضيف "كانت السيدات يطلقن الزغاريد وتمر من حولنا سيارات الأهالي مسرعة ترفع أعلام مصر، كما توقفت على جانبي الطريق مدرعات ودبابات للجيش، كان البعض منّا يلوح لهم بإشارات النصر، ولكن الجميع كان يسرع الخطى للوصول إلى منزله".

بدد صوت انفجار قوي فرحة عودة سكان قاطية. أسرع بعضهم لاستطلاع موقع الانفجار ليتبين أنه في بيت يعود لأسرة من عائلة الزقازقة، حيث وجدوا سيدتين غارقتين في الدماء وفي الجوار رجل مصاب بجروح بالغة.

التأكد من هذه المعلومات احتاج من المنصة الاستماع لأكثر من رواية لمعرفة ما حدث، لكن المشترك بين الروايات جميعًا أن جسمًا غريبًا كان داخل دولاب ملابس، انفجر أثناء تنظيف السيدتين للبيت وإعادة ترتيبه.

المنصة اتصلت بمستشفى بئر العبد المركزي لتوثيق رواية وقوع قتلى ومصابين. وكشفت مصادر بالمستشفى أسماء القتيلتين وهما منى حميد، 40 عامًا، ومنى عامر، 40 عامًا، فيما أصيب سليمان كمال، 37 عامًا، في هذا الانفجار.

على نفس المسار؛ سارع سكان قرية الجناين المجاورة للوصول إلى بيوتهم، وبدأوا في نشر صور وفيديوهات مباشرة أثناء فتح المنازل للمرة الأولى منذ 3 أشهر. وبنفس الطريقة انفجر جسم غريب في سيدة وابنتها ليقتلهما. حصلنا على اسميهما من مستشفى بئر العبد، وهما: وردة حسن سالم، ونجلتها هبة محمود.

أهالي قرية أقطية عادوا متأخرين يومًا عن نظرائهم في القرى الثلاثة؛ فتكرر نفس الحادث: عبوة ناسفة تطيح بعدد من القتلى والجرحى.

اتفقت عدة روايات أهلية أن عبوة ناسفة انفجرت في سيارة ملاكي أثناء السير داخل طرقات أقطية، لتسفر وفقًا للبيانات الطبية الرسمية، عن مقتل 4 سيدات بينهن طفلة، والقتيلات هن: فاطمة نصر عبد اللطيف 25 عامًا، ولمياء عيد حرب 17 عامًا، ووفاء سليم محمد 28 عامًا، والطفلة سمية أنور عيد، عامان، فيما أصيب قائد السيارة أنور عيد حرب 26 عامًا، وطفلة ثانية عمرها 9 أشهر.

صباح اليوم الأربعاء، وبنفس الطريقة؛ انفجرت عبوة ناسفة في قرية المريح لتسفر عن مقتل كمال محمد سلامة، 40 عامًا، وتصيب اثنين هما سليمان غانم سالم، 58 عامًا، وابنه شريف سليمان، 28 عامًا، بشظايا متفرقة في الجسم، ونقلوا جميعًا إلى مستشفى بئر العبد المركزي.

ارتفاع حدة العمليات المسلحة في شمال سيناء عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013، تسبب في "مقتل 1004 مواطن من سكان المحافظة"، بحسب نص تصريحات محافظ شمال سيناء اللواء محمد عبد الفضيل شوشة، لبرنامج صباحنا مصري على القناة الفضائية المصرية يوم 8 أكتوبر/ تشرين الأول.

ويعتبر هذا الإحصاء الرسمي هو الأول من نوعه الذي يكشفه مسؤول تنفيذي كبير في الدولة.


تصريحات محافظ شمال سيناء عن قتلى العمليات الإرهابية في المحافظة

الضحايا من القتلى والمصابين "ثمن كبير جدًا" بحسب أبو عماد أحد سكان قرية قاطية، إلا أنه يستدرك "هذه التضحيات من وجهة نظري أفضل مليون مرة من جحيم النزوح والشتات" هذه القناعة كوّنها أبو عماد بسبب ما وصفها بـ "مرارة النزوح"، يضيف "سنبني قرانا ونزرع حقولنا تاني رغم كل الخراب الكبير. ولو تكرر الأمر لن أغادر قريتي مرة أخرى، سأفضّل الموت فيها على أن أجرّب مرارة النزوح في بيوت الآخرين مرة أخرى".

وفي مسار إعادة تطبيع حياتهم في القرى؛ قرر شباب قرية قاطية الدعوة لإقامة سوق خضروات بشكل عاجل لتمكين الأهالي من شراء الطعام. هذه الدعوة وجدت استجابة فورية من تجار القرى المجاورة الذين أحضروا بضائعهم لعمل سوق سريع قرب مسجد القرية.

وفيما كانت النساء تنظف المنازل ليسقط منهن قتلى بسبب العبوات الناسفة المزروعة في المنازل؛ بادر الرجال في تنظيف مساجد القرى مما ألمّ بها من أضرار نتيجة الاشتباكات، وانشغل آخرون في دفن ضحايا الانفجارات في مقابر القرى.

من جانبها؛ دفعت المحافظة بمجموعة من فنيي شركة الكهرباء لإعادة إنارة القرى الأربعة وإصلاح ما تضرر من أعمدة الكهرباء.

محاولات التعايش لم تسكّن خوف الأهالي من العبوات التي خلّفها مسلحو التنظيم، إذ أحجم كثير منهم عن الذهاب للمزارع خشية وجود عبوات أخرى بين الأشجار، مكتفين بالبقاء في منازلهم في الوقت الراهن. وأشار بعض من تحدثت إليهم المنصة عن "راحة أو هدنة" من "آلام النزوح" قبل أن يخرجوا لاستطلاع حدائق الفاكهة والحقول، منتظرين انتهاء إجراءات التعويض الحكومي ليعودوا إلى حياتهم الطبيعية بشكل كامل.


اقرأ أيضًا: القصة الكاملة لخروج الأهالي من القرى الأربعة