تصميم: يوسف أيمن - المنصة

من يوسف شاهين إلى كزافييه دولان: لذة الانغماس في الذات

رغم اختلاف السياقات الزمنية والاجتماعية، ثمة لمحات تنتمي إلى عالم يوسف شاهين يمكن ملاحظتها في أفلام المخرج الكندي الشاب كزافييه دولان؛ خاصة تلك المتعلقة بافتتان المخرجين بأبطال حكاياتهما وتحايلهما على الأنماط الاعتيادية لقصص الحب الغيرية بين الرجال والنساء، كما امتازا بصراحتهما المتقنة، والتي كانت في رأي البعض غرورًا وتعاليًا في حين أنها ستبدو للمدقق جزءًا من هوية الواحد منهما.

ولكن مع مظاهر الشبه هذه بين المخرجين فهناك أيضًا أوجه للاختلاف؛ فبينما تمتع الأول بقدرة تقنية ورؤية فنية مكّنته من تقديم أفلام تنوعت بين السياسي والاجتماعي والسيرة الذاتية والفيلم الحربي، فقد انغمس الثاني في ذاته حتى غرق -مع فيلمه قبل الأخير- فيها، إلا أن الفرصة ما زالت أمامه للانعتاق من هيامه بذاته وصنع "فيلم لا دولاني" إذا جاز التعبير، منطلقًا إلى عالم أكثر رحابة من ذاتية الصانع نفسه، مع إمكانية أن ينسخ روحه في تفاصيل الأفلام كلها.

عندما شاهدت أول فيلم لكزافييه دولان Heartbeats، ثم انتقلت إلى عمله الأكثر نضجًا Lawrence Anyways، شعرتُ بأنني أمام مخرج شديد الأهمية سيكون له مستقبل مبهر في عالم السينما والإخراج، تتماس أفلامه مع بعض ما تركه يوسف شاهين، الذي يعد واحدًا من أهم مخرجي التعبير الذاتي، رغم خروج معانيه وهواجسه بشكل أقل تماسكًا من صورته، إلا أنه ترك بصمته على خارطة الإبداع السينمائي.


يوسف شاهين هو "الولد الشقي" أو enfant terrible كما يطلق الفرنسيون على الطفل الذي تخرج من فمه الفظاعات ويضع والديه دائمًا في مواقف محرجة أمام أفراد العائلة، ففي الوسط الفني قبل أن يصبح شاهين، الذي تنتمي عائلته أصلًا إلى لبنان، رمزًا مصريًا للعبور الفني للغرب، كان "ولدًا شقيًا"؛ تشاجر مع ممثليه، ومع موظفي الدولة، ومع المنتجين، وحتى مع نفسه إلى أن أصيب بالأزمة القلبية الشهيرة أثناء تصوير فيلم العصفور، وهي الأزمة التي فجرت بداخله قوى التعبير الذاتي، وسمحت له بالبحث عن جرحه ليبدأ سلسلة سيرته الذاتية، الأروع من بين أفلامه في نظري.

على الجانب الآخر، أثار دولان، الذي ولد في كندا عام 1989 للمُدرّسة الكندية جينيفيه دولان والمهاجر المصري مانويل تادرس، الكثير من الجدل والمتاعب عندما اهتم بتصوير العلاقات المضطربة بين الذكور وأمهاتهم، والعلاقات المثلية في المجتمع الكندي، والعابرين جنسيًا غير المكترثين بتعريف ذواتهم وفقًا لإطار الجندر كما في Lawrence Anyways.

منذ فيلمه الأشهر I killed my mother يحصد ابن مقاطعة كيبك الجوائز والهجوم الذي لا يتساهل معه بل يواجهه بقسوة "غير لائقة" بالمعايير الدبلوماسية التي يرتدي نجوم اليوم أقنعتها. فمثلًا يهاجم دولان المطربين الذين يرفضون منحه حقوق استخدام أغانيهم في شرائط صوت أفلامه، ويشتبك كثيرًا مع النقاد الذين يتناولون أعماله كمخرج مثلما ما سبَّ ناقدًا وصفه بالنرجسية بعدما شاهد فيلم Tom at the Farm، بتغريدة دعاه فيها إلى تقبيل "مؤخرتي النرجسية".

ليس هناك ما يمنع هيام الصانع بذاته المصنوعة، فأكثر أفلام يوسف شاهين نضجًا هي التي خرجت تحمل التيمات الرئيسية لمسيرته الفنية؛ الهوس، والمثلية، والطريقة الأمثل للتصالح والتواصل مع الآخر. ودولان لا يختلف عنه كثيرًا، فمع تراجع مستوى أفلامه الأخيرة، اتضح جديًا مدى تأثير ذاته على مسيرته، فما إن نضب بئر الإبداع الخاص بذاته حتى تشتت أعماله، وخفت تأثيرها.

كزافييه دولان.. ليه؟

مع نشأة الموجة الكويرية الجديدة في مطلع التسعينيات والتحرر من عباءة المعيارية الغيرية heteronormativity التي تعتمد العلاقات الغيرية كـ "علاقات طبيعية" وما دونها غير مستحب، تلاقت أفلام مخرجين مثل ديب ميهتا وجان مارك فاليه وباتريشيا روزيما مع صعود تيار جديد للإخراج السينمائي قادم من قلب مدينة تورونتو الباردة. تشكل وعي دولان على أبناء وطنه يحصدون جوائز وإشادات نقدية في أعرق مهرجانات العالم.

تعتمد سينما دولان على الأمومية أو الماتريركية بقدر ما تعتمد عليها سينما شاهين، بل وربما يكون الكندي الصغير قد ذهب أبعد في تحليله التفصيلي للعلاقات الملتبسة بين الابن وأمه، ففي الوقت الذي يدين فيه يوسف شاهين الأم حينًا كما في حدوتة مصرية ويتعاطف معها أحايين أخرى مثل فيلم العصفور، يطعن دولان العلاقات الأوديبية، ويصورها مشوهة، ملتبسة في أفلام مثل Mommy وI killed my Mother. وحتى في فيلمه الأخير The Life and Death of John F. Donovan يظهر مشهد صفع الأم ناتالي بورتمان لطفلها مثل صفعة على جبين المشاهد الغربي غير المعتاد على رؤية الإهانة الجسدية للأطفال على يد أهاليهم ولو حتى في عالم افتراضي.

أعرب دولان عدة مرات عن كراهيته لمصطلح "السينما المثلية" نظرًا لأنها تضع العلاقات المثلية في إطار "غير العادي". لا تُعرّف الأفلام التي تضع علاقة الرجل بالمرأة في قلب أحداثها كسينما غيرية لكي نصف الأفلام التي تتناول علاقة بين مثليين بأنها سينما مثلية.

أفلام دولان تتعامل مع العلاقات الجنسية المثلية وقصص الحب بين رجلين على أنها أمر واقع، لا تمهد له أو تصنع حوله هالة رومانتيكية كما في أفلام أخرى –جيدة بالمناسبة- مثل Moonlight أو بورتريه امرأة على نار، فدولان هو ابن عالم ما بعد حداثي، هدم مفهوم الجندرية والجنسانية وثوابتهما فيما يُسمى المرونة الجنسية pansexuality أو fluid sexuality.


تيمات فنية وهواجس

تشابهت أفلام يوسف شاهين ودولان في تخلصهما من الصورة الأبوية المميزة للسينما المعتمدة على الذكورية في التصوير والتعبير، وإن كانت أفلام يوسف شاهين تتفوق بحكم نضجه وامتلاكه أدوات تعبيرية شديدة التميز عن الصراع الأبوي-البنوي بصورة أكثر تفصيلًا وديناميكية. أما دولان فقد تخلص من الأب كليًا، وكعادة أبناء جيله لم يهتم حتى بتحليل العلاقات حتى يصل لجذورها، بل حذفها من الخارطة لتصبح الأمومية هي التيمة المسيطرة في غالب أفلامه.

في مسيرته الفنية، تحدد تيمات معينة مسيرة كزافييه دولان السينمائية، أزمة منتصف العمر عند النساء بالذات، العلاقات الملتبسة بين الأمهات والأبناء، المثلية الجنسية لا كقالب اجتماعي بل كحالة من الانجذاب والاستكشاف الجنسي، الهوس بالآخر وبالذات، وهذا يذكرنا بشاهين.

في باكورة أفلام دولان I killed my mother يبدو البطل الرئيسي هوبير مهووسًا بذاته التي يؤرخ لتفاصيلها عبر كاميرته اليومية، وهو في هذا لا يختلف عن بقية أبناء جيله والجيل اللاحق له، المهووسين بتدوين حياتهم اليومية عبر تطبيقات الإنترنت المختلفة من إنستجرام وحتى تيك توك، وفي تصويره لشخصية الأم، تجلت رغبة دولان في تمزيق تلك الصورة المثالية للأم المضحية الطيبة التي تمنح بلا مقابل. يبدو اشمئزاز هوبير من ذوق أمه المتدني وطريقتها الفظة في تناول الطعام واضحًا، كما لا تتقبل هي مثليته الجنسية برحابة صدر.

أما في فيلمه الأشهر Mommy تبدو علاقة ستيف بدايان ملتبسة، مبنية على الانفعال الزائد وعدم قدرتهما على التأقلم مع بعضهما البعض، يرسم دولان شخصية دايان الفوضوية والوقحة بصورة تجعل من الصعب التعاطف معها. حتى في فيلمه قبل الأخير The Life and Death of John F. Donovan تتجاهل سام أحلام ابنها روبرت وما يعانيه في المدرسة بل وتعنفه عند اكتشافها مراسلاته لممثله المفضل جون دونوفان ما يدفعه للثورة ضدها.

شاهين بدوره ثار على نموذج الأم المثالية في أفلامه، تأثره بهاملت ومواجهته لأمه بخطاياها في مونولوجه الأشهر في إسكندرية.. ليه؟! يكاد يحاكيه مشهد مواجهة يحيى لوالدته في فيلم حدوتة مصرية أثناء محاكمة يحيى للنساء في حياته، وتصويره للعلاقة الأوديبية الشهيرة من خلال الأم التي تهيم بابنها في فيلم الآخر متمثلةً فيه الكمال الذكوري، ومتمسكةً من خلاله بانتصارها الغربي على الرجل الشرقي الذي وقعت في هواه.


أما هوس دولان بالآخر فيبدو في فيلميه المميزين Heartbeats من خلال مثلث الحب الذي يحتل نيكولاس مركزه ما بين الصديقين ماري وفرانسيس اللذين هاما به حبًا، وLawrence Anyways من خلال قصة حب فريدريك ولورانس التي تتحدى الخط الفاصل ما بين النوعين الجنسيين المحددين سلفًا؛ لورانس تعشق فريد قبل حتى أن تمر برحلة العبور المؤلمة من رجل لامرأة، وفريد التي تتألم لفقدان لورانس حبيبها الذكر، تظل تهوى لورانس حتى وهي تتغير لامرأة تحمل عبق رجل عرفته يومًا.

في The Life and Death of John F. Donovan يبدو هوس روبرت بممثله المفضل جون دونوفان ليس سوى غطاء لرغبته في إفشاء السر الذي قد يشجعه على التطهر، وهو في حقيقة الأمر مرآة لهوس المخرج دولان بممثله المفضل في مراهقته ليوناردو دي كابريو. ألا يذكرُّ ذلك بتقديم شاهين قصة هوسه الأثيرة بممثله المفضل ومصدر إلهامه محسن محيي الدين في إسكندرية كمان وكمان؟ وإن كانت تجربة شاهين الناضجة قد أخذت من اعتصام الفنانين ضد قرارات نقابة المهن السينمائية في التسعينات خلفيةً لتحطيم بيجماليون تمثاله الأثير محسن، وهيامه الجديد بالممثلة الشابة، ببراعة مخرج مخضرم أجاد التحكم في أدواته، على عكس دولان الذي وقع في حب قصته هو فاهتم بها على حساب العناصر الأخرى في الفيلم.

اعتمد چو أيضًا الهوس منهاجًا لتعبيره عن الذات أو الآخر، هوسه بالجسد، بالعشق، بالجنسانية، هوس الأم بابنها في فيلم الآخر، هوس مخرج بملهمه ومن بعدها ملهمته في إسكندرية كمان وكمان، هوس زوجة قائد بعبد صغير السن في المهاجر، هوس أعرج عاجز بامرأة متفجرة الأنوثة في باب الحديد، لم يخلُ فيلم من أفلام يوسف شاهين من تيمة الهوس والشبق، علاقاته كانت متمردة عن الجنس المغاير، تتخطى حدود التعبيرية الجنسية الاعتيادية والتي تنتهج فكرة الصياد الذكر والفريسة الأنثى –تتغير الأدوار في بعض الأحيان، لكن الصيادة الأنثى غالبًا تلقى جزاءها، ففي أفلامه تجلّى مفهوم الكويرية التي لا تُخضِع العلاقات الجنسية والعاطفية للتصنيف المعتاد؛ غيرية أو مثلية، بل كان سبّاقًا إلى تبني موقف محايد أمام عشق الرجل والمرأة كل على حدة.

كان لشاهين السَبق في تغيير المفهوم الجنساني على الشاشة من المرأة إلى الرجل، قد يكون المخرج العربي الوحيد الذي استخدم أجساد الرجال كأداة جنسية للتعبير عن الفيتيشية، بغض النظر عن موضوع الفيلم. فاختار أبطاله الذكور وسيمين بعيدين عن الصورة النمطية للرجل الشرقي القوي، مثل محسن محيي الدين وخالد النبوي وهاني سلامة وحتى من قبلهم عمر الشريف وهو نفسه عندما أدى قناوي في باب الحديد، وله في طريقة تصويرهم واعتماده على نظرات العينين والطريقة التي يعبر بها البطل الذكر عن مشاعره الجياشة -حتى لو كان شاهين نفسه- نموذجًا سطر به اسمه كمخرج يغرد خارج السرب.

خالد النبوي مؤديًا رام في فيلم المهاجر

وفي هذه الدراسة، يمكن اكتشاف ملامح أكثر لاستخدام شاهين للتقنية الإخراجية المدروسة في إيصال رسائله للمشاهد الذكي المتعمق في قراءة أفلامه.

شاهين ودولان فوق المدينة العظيمة

لن يكون دولان بنفس تأثير شاهين، غزارة إنتاجه في السنين الأولى من حياته كمخرج بدأت تتعثر بعد نجاحه المبهر في فيلم Mommy واقتسامه جائزة لجنة التحكيم بمهرجان كان مع العظيم جان لوك جودار، أحد أعمدة الموجة الفرنسية الجديدة، والسينما ما بعد الحداثية.

"أنا لم أفعل شيئًا سوى كتابة أفلام شخصية، ولا أستطيع أن أبدع شيئًا مغايرًا، ولا أشعر أنني جدير بالمنافسة في نطاق كتابة أفلام بعيدة عني تمامًا.
- كزافييه دولان

يبدو أن دولان نفسه لم يستوعب نجاحه المطرد، توقف للحظة وداعبه حلم هوليوود كما داعب شاهين من قبله، وفي افتتان كل منهما بهوليوود، اختلف منظور أحدهما عن الآخر، فدولان افتتن بهوليوود أكشن التسعينات، وأفلام الرومانسية الناعمة، والتي مهدت لأجيال من الدريم بويز، الفتية المنعمين ناعسي النظرات أمثال جوني ديب في بداياته وإدوارد فيرلونج وديفون ساوا وريفر فينكس ومعشوقه الأكبر ليوناردو ديكابريو، تحديدًا في فيلم تايتانيك. أما شاهين، فعرف هوليوود الخمسينيات بأفلامها الاستعراضية الضخمة، والغناء والرقص والديكورات المبهرة هي ما جعلته يتخيل نفسه طائرًا فوق المدينة العظيمة كما وصف نور الشريف على لسان الأنا الأخرى أو الشخصية التي يعبر المخرج بلسانها عما في مكنونه يحيى شكري مراد في فيلم حدوتة مصرية.

لم يستطع شاهين اختراق هوليوود في حياته، لم تصل أفلامه للأمريكيين، ولكنه مات بعد حقق أقصى ما يصبو إليه فنان عربي مقتنصًا جائزة التميز في مهرجان كان، لكن مؤخرًا بدأت شبكة نتفليكس عرض أفلامه المرممة دون حذف، واكتشفتُ على تويتر مدونين أجانب يغردون عن أفلامه، وتحديدًا باب الحديد والذي وصفه معظمهم بالتحفة السينمائية، وفيلم نوار مثير لكنه أيضًا واقعي وإنساني، كما أبدوا هيامهم بالتصوير السينمائي والكادرات واللغة التي استخدمها شاهين للتعبير عن الهوس الجنسي. تخيلت شاهين يضحك في طفولة وهو يستمع لتعليقات الجماهير في بلاد أخرى بعيدة، ربما لمسوا في أفلامه ما لم يستطع أبناء بلده في وقتها.


أما محاولة دولان لاختراق هوليوود مع فيلم The Life and Death of John F. Donovan فقد باءت بالفشل وانتهت بالنقد اللاذع ووصف بأنه أسوأ أعمال دولان الإخراجية. في هذه التجربة الأكثر ذاتية عن الهوس، وقع دولان في فخ مغازلة الجمهور الأمريكي -كما وقع فيها من قبله يوسف شاهين مع أحد سقطاته الإخراجية إسكندرية نيويورك- لكن مأساة دولان لم تكن في ساعات عرض الفيلم المبالغ فيها ولا في اللغة الإنجليزية المتصنعة التي يتكلم بها أبطال الفيلم، لكنها في هيامه الزائد بفيلمه، والذي وصل لدرجة الاهتمام بالموضوع على حساب التنفيذ فخرج الناتج النهائي مشتتًا ما بين هوس دولان الشخصي بليوناردو دي كابريو التسعينات والذي ظل قيد الخيال، وهوسه المتخيل بجون دونوفان الذي أطلق فيه العنان لقصة غير معقولة عن مراسلات حميمة بين ممثل مشهور وطفل يبدأ طريقه في عالم الفن.

هل دولان امتداد لشاهين؟

هل يمكننا قياس نجاح مخرج بآخر؟ ربما من الأفضل أن نعرض مشواريهما جنبًا إلى جنب، فكلاهما غاضب، حساس، متحيز لفنه ولاختلافه وتمرده عمن حوله، كلاهما عبر عن الهوس بعيدًا عن النمطية الذكورية الإخراجية، وتشييء النساء على الشاشة، في احتفاء دولان وشاهين بالجمال الذكوري على الشاشة، واستخدام الرجال كأداة للهوس مثلما تستخدم المرأة أيضًا.

لم يتمردا فقط على الغيرية الجنسية ولكن على المفروض، وما يمكن اعتباره جمالًا أو قبحًا. بسبب العمر وحجم التجربة لا يمكننا بعد مقارنة فيلموجرافيا دولان المتواضعة والمفرغة من المضمون السياسي بمحتوى شاهين القيم وأفكاره القومية الوطنية الواضحة، لكننا في الوقت نفسه نستطيع رصد أوجه تشابه تكنيكهما وأسلوبهما ومقاربة تخلصهما من الأبوية واستلهام الشبق في نظرات الرجال لبعضهم، وشهوة المشاهد المثلية حسبما سمح السياق؛ إما صراحةً في أفلام الكندي الصغير أو بتلميحات لا تخطئها عين المدقق كما في بعض أفلام ابن البطة السوداء السكندري.

في النهاية، يبقى الزمن أفضل شاهد على الاستمرارية والقيمة، ترى هل يثبت دولان أمام طوفان موجة الكويرية الجديدة والتي رفعت شعار الرومانسية والخفة بدلًا من القلق والالتباس في تصوير العلاقات العاطفية الكويرية؟ أم أنه كان مجرد موضة؟ هذا قول سيفصل في حكمه التاريخ.