جرافيتي عن التحرش- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

تحرش أولي الأمر: رحلة من المساحة الآمنة إلى نوبة الفزع

عندما تعرضت للتحرش أول مرة، ظننت أنني أتعرض للسرقة. كنت في السابعة من عُمري، وهاجمني مراهقًا يافعًا شاربه قد خطّ فوق فمه للتو. كان عنيفًا، ضربني وهو يحاول لمس جسدي لأنني دافعت عن نفسي. وهرب بعدما رأى خيال ظل لشخصٍ قادم. بكيت عينيَّ في هذه الليلة لأنام، و أمضيت مدةً بعدها أمشي متلفتة في الشوارع، باحثة عن عيني الشاب وأنفه المفلطح في وجه كل من أقابلهم.

هنا، تقلصت "مساحتي الآمنة" للمرةِ الأولى، ولم يعد الشارع مكانًا آمنًا كفاية للتواجد فيه على الرغم من أن فيه طريق بيتي ومنه أمر لمدرستي وأذهب لـ"صاحب الكشك" على الناصية لأشتري الكوكاكولا المثلجة. ربما لهذا تسببت تلك الحادثة "البسيطة" في معاناتي من الكوابيس طوال طفولتي. كنتُ مطاردة دائمًا، أهرب من شيء ما، وبعد الكثير من الركض أستيقظ بأنفاسٍ متقطعة.

في الحلم كثيرًا ما أحاول الصراخ، إلا أن صرختي تخرج مكتومة، وأصبح فجأة عاجزة عن إصدار أي صوت. وهي اللحظة الأكثر رعبًا؛ إذ أدرك حينها أنه ليس بوسعي تنبيه الآخرين لإنقاذي.

ربما يكمن سبب عدم القدرة على التجاوز في أن ذلك الحادث البسيط في حياة فتاة في السابعة، لم يكن سوى بداية لسلسلة من الأحداث، يستبيح فيها المارة جسدها، وتتقلص مساحتها الآمنة المرة تلو الأخرى، حتى يصبح مصدر التهديد في النهاية هو "كل ما عداها".

البحث عن "المساحة الآمنة"

طوال تلك الفترة ظل "بيت العائلة" بالنسبة إليَّ مكانًا آمنًا، هكذا اعتدت أن أفكر وظننتُ خطأً أن كل البيوت تشبه بيتنا. لكن هذا الاعتقاد تبدد بعدما قابلت للمرةِ الأولى خلال عملي ضحايا العنف الجنسي لأحد أفراد العائلة.

كنا في عام 2017، وكنتُ أعمل على تقرير صحفي وبدأت للتو في تلقي شهادات الفتيات عن الاعتداءات اللاتي يتعرضن لها في المجال العام، لكني فوجئت بشهاداتٍ وردت عن انتهاكات في الخاص.

في البداية كان الأمر مجرد عمل كُلفت به بعد فترة من بدء حملة Me Too الأولى في العالم العربي، لكنه تحول فيما بعد إلى هوس. أردت أن أعرف أكثر عن السبب الحقيقي الذي يجعل أجسادنا كسيدات مُنتهكة من قبل أن تظهر عليها علامات البلوغ.

عندما قابلتُ فاطمة* أول مرة لم أعرف أنها تعرضت لواحد من هذه الاعتداءات. لم أتخيل أن شخصًا أعرفه قد مرَّ بهذه التجربة. خبأها في قلبه، وواصل الحياة كشخص سليم. ربما كان هذا القدر من عدم المعرفة، من الجهل بالمقربين، هو الذي صدمني. تلقيت شهادتها مثل الغرباء بين الروايات المتعددة. قرأتها، وأعدت صياغتها، لكن كل ما بها من ألم قد حُفر في روحي. تقول فاطمة "أتذكر في طفولتي كل المرات التي اصطحبني فيها أبي لأدخل معه الحمام وهو يستحم. أتذكر أيضًا تقليدًا نشأ بيننا بأن من يدخل الحمام ليقضي حاجته يقف له الآخر عند الباب ينظر من فتحة الباب عليه".

كانت تلك الرواية تحديدًا هي ما جعلني أتوقف وأفكر في احتمالات النجاة لمن تقلصت لديهم المساحات الآمنة في الخاص مثل العام، وكيف يخلقن لأنفسهن مساحة خاصة بعيدًا عن الانتهاك، وهم محاصرون به في غرف نومهم. هذا القدر من انعدام الأمان لم اختبره قط، ولهذا عجزت عن تخيل نفسي في حذائها. عوضًا عن ذلك، أصبت بـ"نوبة فزع".

الأم قد ترعى التحرش أحيانًا

"الناجيات أحيانًا يرفضن المساعدة"، هذا ما قالته مروة عبد الحميد، التي عملت منسق مشروعات مع عدة جمعيات خاصة بحقوق المرأة في مصر، إذ حكت لي عن الفترة التي عملت فيها مع "السيدات المعيلة" من خلال إحدى الجمعيات النسائية، كان ذلك في 2004 ولمدة عشر سنوات.

حينذاك كان مشروع مروة خاص بـ "العشوائيات المصرية"، تحديدًا منطقة الدويقة ومنشية ناصر، حيث عملتْ مع مجموعات من الفتيات المتسربات من التعليم، لإثقالهم بالمهارات الحياتية؛ لكنها فوجئت أن بين كل مجموعة مكونة من 15 فتاة، كان هناك حوالي ثلاثة منهم تعانين من التحرش العائلي.

الصورة من مصدر مفتوح برخصة المشاع الإبداعي

عرضت مروة من خلال عملها على الفتيات أن تنقلهن إلى الأماكن الخاصة بالجمعية لتلقي الدعم النفسي اللازم، والانفصال عن منزل العائلة، حيث تتعرض الفتاة للانتهاك، غير أنهن رفضن تلك المساعدة، خوفًا من القيل والقال.

تقول مروة "ده كان دايمًا بيتقابل بالرفض عشان سمعتهم قدام الناس". إذ يتعامل المجتمع أحيانًا بطبقة زائفة من المعايير، يصبح فيها التحرش متاحًا داخل نطاق العائلة، "طالما محدش هيعرف". لأن الإجهار بالأمر يعد فضيحة للأسرة.

"بنت حكت إن والدها اتعرض لها والأم انفصلت عنه وراحت بيت أبوها، فتحرش بيها خالها المراهق"، تقول مروة أن الفتاة تبلغ من العمر 12 عامًا، وكانت تخشى أن تقول لأمها ما تتعرض له من خالها، لأن"مالهمش مكان تاني يروحوه"، على حد تعبيرها.

فتاة أخرى حكت لوالدتها أنها تعرضت للتحرش من "أخيها العائد من الجيش"، كان رد فعل الأم "خليه يفك نفسه، ماهو محبوس هناك".

في 2017 تواصلت مع مُزن حسن، المدير التنفيذي لمركز نظرة للدراسات النسوية. أخبرتني عن إحصائيات العنف الجنسي في محيط العائلة، وأن 3% من حالات التحرش تأتي من الأب، و1% من الأخ. أما الأمهات اللواتي تتعرض بناتهن لهذا النوع من الاعتداءات، مازلن مستمرات في حياتهن الزوجية ولا يضعن قرار الإنفصال في الحسبان.

هنا تنفصل المرأة تمامًا عن أمومتها، مفضلة التواطؤ مع المجتمع عن حماية طفلتها. يجب أن نحافظ على وحدة العائلة، يجب ألا تشوبها شائبة؛ حتى لا تتأثر الصورة المثالية للأسرة. عوضًا عن ذلك يخبرن بناتهن أنهن اختلقن الأمر كله أو أسأن الظن.


اقرأ أيضًا: لماذا تنتظر ضحايا الاعتداءات الجنسية طويلًا قبل البوح؟


تقول لي صديقة أخرى، فضلتْ عدم نشر أسمها، أنها تعرضت للتحرش من أحد أفراد العائلة، كانت تشعر طوال سنوات طفولتها أن والدتها قد عجزت عن حمايتها في منازل الأقارب، حيث تعرضت لسلسلة من الاعتداءات الجنسية.

.كتمت هي الأخرى تجربتها داخلها لسنوات دون أن تصارح أحدًا، حتى انفجرت ذات مرة واعترفت لوالدتها بشعورها ، كانت في سن المراهقة، تقول الصديقة إن والدتها لم تتفاجأ بالحادثة بل وحاولت التهوين منها"بدا الأمر وكأنه شيئًا عاديًا، يمكن أن يحدث".

منذ أسبوع تحدثت مع والدة صديقتي، سائلة إياها عن رد فعلها هذا، قالت لي "ما أنا كمان حصلي كدة". كان الأمر يبدو وكأن الأم قد صممت "ميكانيزم دفاع نفسي"، للتهوين من الحادثة القديمة، بجعلها حدثًا عاديًا، يمكن لابنتها أيضًا أن تتعرض له.

بالقرب من "مقام السيدة"

أثناء عملي على التقرير القديم، حلَّ "مولد السيدة"، أنجزت عملي ووعدت بعض الأصدقاء أن أقابلهم عند ياسين التهامي، كان معي رجل أحبه، وقد عزم على أن يقدم لي حماية جيدة حتى أصل إلى مدخل حاضرة ياسين. أمسكت بيده وسرنا معًا بين أسراب دراويش الموالد، بعضهم جاء من أجل الذِكر والزيارة، والبعض الآخر يتخذها فرصة للتحديق في أعين النساء المارة أملًا في العثور على فريسة سهلة.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي أذهب فيها إلى المولد. لكنها كانت أول مرة أشعر فيها بذلك القدر من الرعب. هذا التحديق جعل دقات قلبي تتسارع. لم أستطيع أن أنظم أنفاسي، وبدأت يديَّ الباردة في التعرق. رغم ذلك واصلت المشي وكلما اقتربنا من حضرة ياسين، كانت المسافات تضيق بين المارة، حتى بدأوا في التكدس والتدافع. لم يعد بإمكان أحد أن يقدم الحماية لآخر، وهناك أيادي في الزحام تمتد وتلمس ما يأتي في طريقها.

جرافيتي عن التحرش- الصورة: من مصدر مفتوح برخصة المشاع الإبداعي

هناك أصبت بأول نوبة فزع في الشارع، توقفت فجأة عن المضي قدمًا، وصرخت فيمن حولي "أريد الخروج من هنا". ولأنه ليس هناك من عناية إلهية تستطيع أن تسحبني في غمضة عين من زحام السيدة إلى أقرب مكانٍ هاديء، مشيت بين جمع البشر ذاته لأعود من حيث أتيت. حينها كان الرعب مضاعفًا.

في تلك الليلة، عادت ليَّ الكوابيس مرةً أخرى. صراخ مكتوم وشعور بالعجز عن حماية النفس. تقول مروة عبد الحميد، إنه لا فرق في الآثار النفسية بين ناجيات المجال الخاص وناجيات العام؛ فكلاهما متهمًا في نظر المجتمع وجاني. خاصةً وأن الأثر النفسي في حد ذاته أمرًا نسبيًا يختلف من شخص لآخر، حسب سعته النفسية.

في لقائي مع مُزن داخل مكتبها بمنطقة جاردن سيتي، قالت لي"نحن نربي الفكر القائم عليه العنف ضد المرأة"، حينها أجابت سؤالي عن استباحة أجساد النساء، قائلة إنه لا علاقة له بالجنس بل إثبات القوة والسيطرة، وجزء كبير منه يكمن في معرفة المعتدي أن بإمكانه استباحة ذلك الجسد دون التعرض لعقاب رادع. العنف ضد المرأة حينها يصبح مُستحقًا، فهو عقاب مجتمعي، مرة لأنها لبست ومرة لأنها خرجت ومرة لأنها تكلمت. هي الطرف المُنتهك والمدان في الوقتِ ذاته.

أنهيت التقرير بعدها، واخترت له عنوان "لا توجد مساحات آمنة"، وعلى الرغم من أنه يبدو معنيًا بالمجال الخاص، إلا أنني عنيت ما هو أكثر من ذلك. حتى أضرحة الأولياء، ومساحات التبرك ليست آمنة.

  • بين سن الثالثة والخامسة عشر وقعت تجربة التحرش الجنسي الأولى للناجيات اللواتي تحدثن معي. أغلبهن صرحن أنهن لم يعرفن حينها ما الذي يتعرضن إليه بالضبط، 90% منهن فضلن عدم إخبار العائلة.