تصميم: المنصة

تلك الأحداث| الحياة هادئة داخل المعسكر

منذ عشر سنوات كتبت مقالًا حمل عنوان "الجيش والاقتصاد في بر مصر"، بعد شهور من اندلاع الثورة وعقب فحص وتنقيب عن المصادر الخفية للقوة السياسية الهائلة التي خرجت بها القوات المسلحة بعد رحيل مبارك، ثم انخرطت بعدها طوال عام 2012 في كتابة سلسلة من المقالات عن مشروعات الجيش الضخمة المربحة وتوسعها المستمر.

كانت تلك المقالات هي إسهاماتي المتواضعة من موقعي كأكاديمية في تطور أحداث الثورة، وإنه لكان يسعدني، عزيزي القارئ، بعد مرور تلك السنوات العشر أن أخبرك أن جهودي الثورية وقتئذٍ قد نجحت، وأن ضباط مصر قد زهدوا المشروعات وعادوا منذ زمنٍ لثكناتهم مشكورين، ولكني جئت هنا لأبلغكم بالعكس، "الجيش لسة في الاقتصاد في بر مصر".

لست من أصحاب الرؤى المتشائمة عن فشل الثورة. أؤمن وبشدة أنه برغم فشلها سياسيًا إلا أنها في الوقت نفسه نجحت وبشكل عميق على مستويات أخرى. لم يتمكن الثوار من الوصول للحكم لأسباب كثيرة، منها ما يعود لأن صفوف "شباب الثورة" كانت مليئة بأصحاب الإيجوهات المنتفخة المحبة للزعامة والظهور وهي جوفاء لا خير فيها، ومعبئة بالذوات الذكورية المُنتهِكة العطِنة التي فاحت رائحتها لاحقًا، ومدججة بكبار وصغار المخبرين الذين كشفت الأيام عن بعضهم والبعض الآخر لا زال وسطنا يسرسع بصوته وبحماس زائد عن الحرية والعدالة الاجتماعية.

وفوق كل ذلك وقف الإخوان المسلمون على جيفة الثورة المغدورة ليُشبعوا ولو بالدماء نهمهم الذي لم ينطفئ بعد للسلطة والثروة وأحلام بَلهاء بالخلافة. أما الطوباويون من الثوار إما قُتلوا غِيلةً في أولِ عام أو وُئِدت معهم أحلامهم في الأعوام التي تلته داخل ظلمات السجون. ولكنني أؤمن أنه على هامش كل ذلك؛ حدثت أشياء أخرى تبتعث من بين قَوسين مفتوحين لأمل.

خرج شباب آخرون نظاف، دون دوائر ثوار زائفين ومخبرين، ليكسروا حواجز الثقافة المحافظة في مجتمعاتهم الصغيرة في القاهرة ومدن وقرى قبلي وبحري، وهدمت فتيات بمعول حثيث قيودًا أقنعهم تيار الإسلام السياسي بالخنوع لها لعقودٍ طويلة، وتجرأت العديدات على خلع أغطية من فوق العقول في مجتمع "مُتدين بطبعه" ولكنه يكيل بمكيالين فيما يخص معايير الفضيلة للرجال والنساء، وحطمت محامية مسيحية شابة الانحيازات المحافظة في المحاكم المصرية وحصلت لبنات مِلَّتها على حقوق مشروعة في الميراث تأخرت لعقود، وظهرت أعلام الرينبو تعلن عن هوية حامليها في حفلات تقول لكل المنبوذين تلك الدنيا لكم خذوها، وناضلت سارة حجازي وفطرت قلوبنا على قرارها بالخلود للراحة مبكرًا بعد أن أدت ما عليها وزيادة.

علم الرينبو يرفرف في حفل مشروع ليلى بالقاهرة - الصورة من يوتيوب

وأيضًا؛ حمل بعضٌ من أهالي النوبة دفوفًا وغنّوا لأجل استعادة أمتار قليلة من أرضهم الطيبة وخيرها العميم، وقال أهالي سيناء نحن منكم لا تَهِنُونا ولا تتركونا نهبًا لصَحبِ الخلافة بالسيف وقطع الرؤوس. وأخيرًا وليس آخرًا، قادت نساء متعلمات قويات مع زملاءٍ مخلصين صحافة مهنية بديلة ولم ترهبهن عربات الترحيل الخانقة ولا ليالٍ قضينها في الحجز، وبزغت حركة نسوية تقف على أقدام ثابتة ولُغة حصيفة تهز عروش الشهرة لكبار المنتهكين لأجساد الضعيفات. والكثير والكثير من التغيرات الاجتماعية المُبهرة التي أبدًا لم تكن لتحدث لو أن ثورة يناير لم تقُم.

ولكن فيما يتعلق بسيطرة الجيش على الاقتصاد، لم يتحسن أي شيء، بل إن العكس بالضبط هو ما حدث. عندما نشرت المقال الأول عن هذا الموضوع في ديسمبر/ كانون الأول 2011، كانت تلك المرة الأولى التي يُفتح فيها هذا الملف في مصر منذ عقود طويلة، تحديدًا منذ أن توقف النشر عنه نهائيًا في أواخر الثمانينيات، ليظل موضوعًا محرمًا الحديث فيه في الصحافة ويتوجس باحثو السياسة والاقتصاد خيفة من الخوض فيه.

لم أكتب مقالًا واحدًا، بل كثيرًا، وكثيرًا، وكثيرًا، قرأهم الآلاف بنهم ثوري، حتى أنني نشرت كتابًا يتتبع تاريخ الأمر بكل تفاصيله الدقيقة؛ ولم يحدث شيء. وبعد ذلك كتب باحثون وباحثات كبار وصحفيات وصحفيون مُوَثِّقون ومُدقَّقون آخرون وآخرون وآخرون، وأيضًا في النهاية لم يحدث شيء. لم يترك الجيش المشروعات لأهلها من المدنيين ولم يُعِد كتائبه إلى ثكناتها لتدافع عن الوطن فقط في ميادين القتال. بل إن العكس بالضبط حدث؛ وإليك عزيزي القارئ بعضًا من تفاصيله.

كتبت في 2011 عن كيف كان الجيش يقوم بتصنيع أشياء كثيرة لا علاقة لها بفنون القتال، مثل السلع الغذائية أو المنتجات الكهربائية المعمرة. منذ ذلك الحين، تشعبت مشروعات الجيش إلى مجالات أخرى أكثر جدية وأبعد كثيرًا جدًا من ذلك. أبعد مما يتخيله عقلك المدني البسيط المطيع، فالأمر لا يتعلق بمجرد "كباري" غيرت معالم مدينة نصر، عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة.

يقول الفيلسوف الفرنسي الشهير ميشيل فوكو، الذي كان يهوى تتبع أدوات سيطرة الدولة الحديثة على مواطنيها حتى في حيواتهم اليومية وصميم أجسادهم، إن "الدفاع عن المجتمع مرتبط بالحرب (..) من منطلق أنه (توجد) حرب داخلية ضد الأخطار المنبعثة من المجتمع ذاته." [1]

وكتب فوكو أيضًا في كتابه الصغير لا بد من الدفاع عن المجتمع قائلًا "إن علاقات السلطة (السياسية) تجد جذورها بالأساس في علاقات قوة تأسست أثناء ومن خلال حرب في لحظة تاريخية ما. وفي حين أن السلطة السياسية تضع نهاية للحرب وتؤسس لقواعد منظومة حكم السلم والمجتمع المدني، إلا أنها من المؤكد لا تفعل ذلك من أجل تعليق آثار أو تحييد القوة (التي تمت حيازتها) عبر آخر معركة حربية. ولكن السلطة السياسية تقوم دومًا باستخدام شكل ما من أشكال الحرب الصامتة لإعادة صياغة علاقات القوة تلك (التي تشكلت أثناء الحرب)، إعادة صياغتها في المؤسسات، في عدم المساواة الاقتصادية، في اللغة، وحتي في أجساد الأفراد أنفسهم." [2]

ثم يضيف في الكتاب نفسه "عندما يكون هناك خوف من حركات المقاومة الشعبية، أو عدم الاستجابة (من الشعوب)، أو احتجاجات، يجب وضع كل مواطن تحت مراقبة صارمة ودقيقة."[3] وعن تلك المراقبة الصارمة، يشرح فوكو في كتاب آخر يحمل عنوان الأمن، والإقليم، والسكان أن الدولة الحديثة تحب أن تبني مؤسساتها الحضرية على شكل معسكر جيش كبير، في شكلٍ دائري تتوسطه أبنية تشبه خيمة القيادة وسط المجندين، وتتيح مراقبة القائد للجميع ومن الاتجاهات الأربع وبشكل مستمر ودائم. [4]

فإذا افترضنا أن 2011 كانت حربًا داخلية انتصرت فيها القوات المسلحة على فئة ضالة في المجتمع، فبوسعنا أيضًا أن نفترض أن كل ما حدث بعدها كان من أجل تحويل المجتمع بأكمله إلى معسكر كبير، كل من فيه يخضعون للمراقبة المستمرة أينما ذهبوا ليلهم ونهارهم، كل من فيه من نساء ورجال عالقون هناك تحت نظامٍ ما للتجنيد الإجباري، ويتم تدريبهم على شؤون الطاعة، بوطنية ورضا، لأوامر قادتهم.

في الماضي السحيق، أي ما قبل 2011، لم تحظَ المشروعات الاقتصادية للجيش بالكثير من العلانية، وكان المواطن العادي بالكاد يلحظ وجود الامتيازات الهائلة التي منحها مبارك بالفعل للجيش، في إنشاء وإدارة مشروعات استثمارية خلال العقود الثلاثة لرئاسته وحتى الثورة، بدأت منذ الثمانينيات ثم توسعت بشدة طوال التسعينيات وبداية الألفينيات.

تمكن الجيش خلال تلك السنوات، وبدون الكثير من الضوضاء أو الاحتفالات الصاخبة، من تطوير مصانع للمنتجات الثقيلة كالأسمنت والحديد والكيماويات، واستصلاح مئات الآلاف من الأفدنة من الأراضي الزراعية وبيع منتجاتها الغذائية داخل البلاد وتصديرها للخارج، وبناء الكثير من الفنادق والمولات التجارية والمناطق السكنية والمنتجعات الساحلية، وصناعة سيارات فخمة بالتعاون مع الماركات العالمية، والحصول على ممتلكات قطاع عام تم خصخصتها من مثل ترسانة الإسكندرية أو شركة صناعة عربات السكك الحديد أو موانِئ نهرية بأكملها، وغيرهم الكثير.

كل هذا صاحبه قدر ضئيل للغاية من الدعاية والظهور، فلم يكن من السهل مطلقًا أن أجمع المعلومات اللازمة لكتابة مقالاتي الأولى. كنت أبحث عن إبرة في كوم قش، فأجمع بيانًا قديمًا من هنا، أو تصريحًا أقدم من هناك، أو ملاحظة عابرة قالها أحدهم عن شركة ما قد أقضي بعد قراءتها أيامًا في البحث عن مكانها الذي لا يحمل لافتة صريحة تخبر بما ورائها.

يرى بعض خبراء العلوم السياسية أن مبارك سمح للجيش بتحصيل مكاسب غير عادية لا تخضع لمراقبة أجهزة الدولة، من أجل تحصين نظامه ضد أية انقلابات عسكرية محتملة خاصة وأنه في نهاية حكمه كان يُعدّ ابنه المدني لتولي الرئاسة من بعده. إن نجحت خطة التوريث، كان جمال مبارك سيصبح أول رئيس غير عسكري في مصر منذ استقلالها وتأسُّس النظام الجمهوري فيها عام 1952. قضت ثورة يناير، كما تعلمون، على طموح آل مبارك، ولكنها عجزت عن أن تمس ما كان الجيش قد حاز عليه بالفعل في نظير قبول هذا الطموح.

لم يرث جمال مقعد الرئاسة، الذي عاد سالمًا إلى القوات المسلحة. لم يعد هناك حزب وطني، ولا رجال أعماله، ولا أحزاب معارضة، ولا نقابات مستقلة أو حتى مخترقة أمنيًا، ولا عائلات ريفية كبرى صاحبة حظوة سياسية ودائمًا تكسب مقاعد مجلس الشعب، ولا مؤتمر عيد العمال ولا علاوة من الريس، ولا 50٪ للفلاحين سواء الأثرياء منهم أو المعدمين. تم تفكيك جميع شبكات المصالح والقواعد الاجتماعية التي ارتبطت بنظام مبارك وأفادت منه وأفاد منها، ولم يحل محلهم شيءٌ آخر بعد. لم تعد هناك حاجة لقطعان فئات المجتمع، يكفي فقط أفراد مطيعون.

وبعد أن صارت القوات المسلحة هي الدولة، لم تعد بحاجة لأن تخجل من مشروعاتها الاقتصادية أو أن تخفيها عن الأعين.

إذن في السنوات العشر الأخيرة، استحال السرّ إلى علن. كيف يمكن إخفاء سر بحجم الديناصور يقابله المواطنون والمواطنات، أيًا كانت مناطق سكنهم أو طبقتهم الاجتماعية أو المحافظة التي ينتمون إليها، كل يوم في الطريق لأعمالهم، يرونه من شرفات منازلهم، ويلقى بظلاله على موائد طعامهم وعلب أدويتهم داخل بيوتهم؟

إليكم هنا، مشاهد سريعة للحياة داخل المعسكر.

جامعة القاهرة

كانت جامعة القاهرة دومًا في قلب الحراك السياسي قبل أن أخطوها كطالبة يسارية في تسعينيات القرن الماضي، وظلت كذلك حتى قامت قائمة الثورة. كنا كطلبة صغار نشكو دائمًا من تدخلات الأمن في أنشطتنا الثقافية. الأمن وقتها كان بالنسبة لنا شيئًا واحدًا، بسيطًا ومألوفًا: الداخلية.

ولكن في عام 2014، تسلمت شركة أمن خاصة اسمها "فالكون جروب" تأمين جامعة القاهرة. كنا قد سمعنا لأول مرة عما يُعرف بـ"شركات الأمن الخاصة" عندما احتلت أمريكا العراق، وقرأنا عن شركة اسمها "بلاك ووتر" ترتبط بنائب الرئيس حينها ديك تشيني، تقوم بتعيين ضباط سابقين في الجيش الأمريكي ليضطلعوا بمهام لا تليق بجيش نظامي، لكن يستأجرهم الجيش النظامي على كل حال للقيام بتلك المهام من خلال عقود رسمية معهم. مؤخرًا، أصدر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عفوًا استثنائيًا عن بعض أعضاء تلك الشركة من مرتكبي مذبحة ضد مدنيين عُزَّل في بغداد.

أصبحت جامعة القاهرة العريقة التي تحوي عشرات الآلاف من الطلبة إذن، باكورة تعاقدات شركة فالكون الصاعدة، حيث حصلت أيضًا على عقد تأمين محطات مترو الأنفاق التي يمر منها يوميًا الملايين من المواطنين، ومطار القاهرة ومطارات داخلية يمر منها ملايين آخرين كل عام. تحرص فالكون على شراء أحدث تكنولوجيا المراقبة العالمية لتمييز البصمة الصوتية وبصمة الوجه الكترونيًا، التي تعمل بكفاءة في أماكن التجمعات البشرية الكثيفة كالاستادات الرياضية وأماكن الترفيه والتجمعات الثقافية.

حواجز أمنية أمام البوابة الرئيسية لجامعة القاهرة - الصورة من ويكيميديا برخصة المشاع الإبداعي

وفقًا لجريدة الشروق، رئيس الشركة عسكري سابق. وتجمع فالكون الحرّاس المحترفين العاملين فيها بالأساس من رجال الجيش والشرطة المتقاعدين. لكنها احتاجت لتوظيف عدد كبير من المدنيين غير المحترفين لمواكبة توسعاتها الضخمة، باب رزق كبير وانفتح حتى لغير الحاصلين على مؤهلات عليا وبرواتب مجزية. ثم انطلقت الشركة إلى آفاق رحبة جديدة فيما وراء تخصصها الضيق، لتقوم بشراء قنوات تلفزيونية كبرى كمجموعة قنوات الحياة.

عداد الكهربا

يدخل موظفو وزارة الكهرباء، أي الكشّاف والمحصل، بيوت ملايين المواطنين شهريًا، لقراءة العدّاد أو تحصيل الفاتورة. يشعر المواطن دومًا بعدم الراحة وأحيانًا بالقلق من السماح للغرباء بدخول منزله لقراءة عدّاد الكهرباء أو غيره، لكن لا مشكلة هذا أمرٌ يحدث مرة واحدة فقط في الشهر. حاولت شركة فالكون للأمن مساعدة الحكومة والتخفيف من ضغط المرور على البيوت عنها. تعاقدت وزارة الكهرباء مع فالكون للقيام بقراءة العداد نيابة عنها، وشرعت الشركة في تعيين الآلاف من الكشافين للقيام بالمهمة.

لم يُخفِ وزير الكهرباء عن عملائه من المواطنين، أي الشعب كله حيث لا توجد جهات أخرى تقدم خدمات توصيل الكهرباء للبيوت في مصر، أن الشركة تابعة "لجهة سيادية".

وفضلاً عن الشقق والبيوت، يشمل عمل فالكون أيضًا المحال التجارية. مع أزمة الارتفاع الخرافي في الفواتير ومع المعاناة من فيروس كورونا المستجد هذا العام، تطمح فالكون لتسهيل نظام القراءة عن طريق التقاط الصور الإلكترونية ثم إرسال تلك الصور عبر الإنترنت، لوزارة الكهرباء طبعًا.

الحكومة الإلكترونية

من منا لا يرغب في أن يقضى مصالحه مع الحكومة بدون طوابير ومشقَّة، يَمضي ويختم كل أوراقه وهو جالس في بيته على جهاز الكمبيوتر؟ هذا هو بالتأكيد حلم كل مواطن مصري، خاصة من عاش في الدول المُتقدِّمة في الخليج وخَبُرَ بأم عينه كيف صارت حياته يسيرة سهلة بفضل رقمنة كل شيء، حتى مخالفات المرور.

وكما أن هناك زِرًّا واحدًا يفتح الملف، قد يتخيل البعض بعقله المريض أن هناك زرًّا آخر ممكن يطفي السيستم كله بخدماته على الشعب. عفوًا، لم أكن أقصد تذكيركم بأشياء غير محببة حدثت ليلة 28 يناير.

حملت وزارة الإنتاج الحربي على عاتقها من مهمة إنشاء حكومة إلكترونية. وكان باكورة ما قام به "مركز نظم المعلومات والحواسب" بوازرة الإنتاج الحربي هو رقمنة بطاقة التموين المصحوبة بتنقية قوائم المستفيدين منها، وكذلك البدء في رقمنة منظومة التأمين الصحي. وساهمت الوزارة في رقمنة خدمات الكهرباء، حيث افتتحت خطاً لإنتاج العدادات الذكية الذي يُورَّد لوزارة الكهرباء، مما سيسهل من أعمال شركة فالكون المذكورة أعلاه.

كل وزارة سيكون لها سيستم رقمنة خاص بها، وجميع الأنظمة ستكون مرتبطة ببعضها البعض. أين توجد سيرفرات الحكومة الإلكترونية؟ سوف يقع العقل الجامع لكل بيانات الحكومة المصرية على مسافة 14 مترًا تحت الأرض في مكان ما مجهول، وهو يحظى بأقصى درجات التأمين. قد يَتَذاكى البعض على الدولة ويعتقد بعقله المدني المحدود أن تخمين المكان مسألة سهلة، في العاصمة الإدارية الجديدة.

بكبسة واحدة على زرٍّ في الكيبورد، عزيزي المواطن، سوف يظهر أمام الموظف الحكومي ملف واحد به تفاصيل حياتك جميعها، مما سيُيسرّ عليه خدمتك بكفاءة وسرعة: شهادة ميلادك، بطاقتك الشخصية، عنوان بيتك بعد ما عزلّت، صورك في مراحلك العمرية المختلفة، شهادة تخرجك، عقد جوازك، شهادة طلاقك، بتاخدي كام نفقة من طليقك، بيتخصم كام ضرائب من عقد شغلك المؤقت، رخصة سواقتك، نوع عربيتك واشتريتيها امتى، شقتك عليها أقساط ولا خلصت، دفعت ضرايبها العقارية ولا لسة، عليك سوابق ولا لأ، سافرت برا امتى وفين بالظبط، بتصرفي كام معاش، تأمينك الصحي تبع مين، بتاخدي أدوية إيه على بطاقة التأمين الصحي كل شهر، بتشتري كام رغيف عيش وإزازة زيت وكيس سكر على بطاقة التموين في الشهر، صرفت كام شيكارة سماد وكيماوي مدعومين للزرع، وبالطبع بتستهلك كهربا قد إيه وبتدفع وصل نور كام في الشهر.

وكما أن هناك زِرًّا واحدًا يفتح الملف، قد يتخيل البعض بعقله المريض أن هناك زرًّا آخر ممكن يطفي السيستم كله بخدماته على الشعب. عفوًا، لم أكن أقصد تذكيركم بأشياء غير محببة حدثت ليلة 28 يناير.

نقابة المحامين

في العام الماضي كنتُ في نقابة المحامين في وسط البلد، وهي تاريخيًا إحدى أعظم مؤسسات المجتمع المدني وقلاع النضال الوطني في مصر التي قضي والدي سنين من عمره من قياداتها المنتخبين. هناك وجدت أعمال هدم وتجديد لمبناها وقرأت ما كتب على لافتة كبرى على مدخلها من شارع رمسيس "مشروع إنشاء مبنى نقابة المحامين... المقاول المُنفذ: وزارة الإنتاج الحربي"، لا أعرف ماذا كان سيشعر والدي، الذي كان ناصريًا نشأةً وعقيدةً وهوىً، تجاهها.

ليس بجديد أن تنخرط القوات المسلحة في أعمال التشييد، فمنذ الثمانينات وهي تخدم الشعب ببناء مدارس ومستشفيات ومطارات واستادات رياضية وسنترالات تليفون عمومية وأيضًا قصور ثقافة. ولكن الجديد أنه في السنوات الأخيرة صار مما يُرى بالعين المجردة كمعلومات عامة للقاصي والداني أن استثمارات الهيئة الهندسية للقوات المسلحة انتشرت في أرجاء القُطر، من كبارٍ ضخمة متعددة الحارات، وطرق سريعة، وعاصمة جديدة، ومدن أخرى أيضًا جديدة، فضلًا عن قناة سويس جديدة. حتى بلغ حجم مشروعاتها مؤخرًا رقمًا لم نسمع به من قبل لمستثمر أوحد في مصر 2.2 تريليون جنيه. والجديد أيضًا أن تقرر وزارة الإنتاج الحربي، وهي جهة حكومية كما يبدو من اسمها متخصصة في إنتاج معدات حربية، اقتحام المجال بتطوير شركة مقاولات خاصة بها.

لافتة الإنشاءات التابعة لوزارة الإنتاج الحربي على نقابة المحامين - بإذن خاص للمنصة

القاهرة-إسماعيلية الصحراوي

تغير وجه رحلتي المعتادة مع عائلتي في الأعياد لزيارة عمي المُسنّ في الإسماعيلية. أصبح هناك طريق سريع وواسع يَسَّر علينا المشوار، وفي منتصفه حاجز من الأكشاك لتحصيل رسوم المرور منه. فوق الحاجز تمتد بالعرض لافتة كبرى يعلوها لوجو من وزارة الدفاع مكتوب عليها "الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق".

بالضبط كما خمنتم من اسمها، تلك الشركة هي جزء من سلسلة طويلة لشركات أخرى تابعة للجيش تحتوي أسماؤها جميعًا على كلمة وطنية، وهي كلها تتبع "جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة" التابع بدوره لوزارة الدفاع، ومنها على سبيل المثال الشركة الوطنية لإنتاج وتوزيع المواد البترولية صاحبة البنزينات الشهيرة والوطنية للأسمنت والوطنية للرخام والجرانيت والسويس للحديد والصلب، وهم يتاجرون في أشياء لا يستغني عنها المواطن المدني لينتقل لعمله في ميكروباص أو سيارة خاصة أو يبني بيتًا سواء في منطقة عشوائية أو كومباوند فخم يقُطن فيه.

طريق القاهرة -الإسماعيلية مجرد واحد من مشروعات كثيرة طورتها الشركة الوطنية للطرق وتُحصلِّ رسومها، منها على سبيل المثال طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي وطرق تصل للمنتجعات الساحلية وأخرى تُسلِم مشكورة لخَطّ الصعيد، ويفاد المواطن من المطاعم والكافيهات ومحطات الوقود التي أقامتها الشركة نفسها على تلك الطرق الممتدة لمئات الكيلومترات.

في سبيلنا للإسماعيلية، ننتظر دورنا في طابور السيارات أمام أكشاك الكارتة، لندفع رسوم المرور التي تبلغ عشرة جنيهات، ثم نأخذ تذكرتنا المُرقمة برقم مسلسل طويل يَنمُّ عمّا عَبَر قبلنا، ونتحرك. من حسن الحظ أننا نقطع الرحلة في سيارة ملاكي، لأن سيارات النقل التي تحمل البضائع اليومية من الاحتياجات الأساسية والأطعمة والأدوية لسكان الإسماعيلية تدفع رسومًا أكبر. أسعدني في المرة الأخيرة أن أرى فتيات شابات يرتدين "يونيفورم" شبه عسكري ويقفن مبتسمات في تلك الأكشاك. فتياتك يا مصر محرومات من ارتداء بدلة الجيش لأنه لا مكان لهن في الكليات العسكرية، أرى نقطة ضوء وربما تكون بداية طيبة.

 تذكرة الوطنية للطرق

حي الأسمرات 1-2-3

يالها من بنايات شاهقة رائعة التصميم والألوان، مفرودة على مساحة شاسعة مفتوحة للهواء النقي. تتبارى سيدات البيوت، اللاتي انتقلن لشققهن هنا من العشوائيات حديثًا، في إبداء مهاراتهن في الأعمال المنزلية بذوق رفيع. على أحبال الغسيل البارزة من البلكونات الرحبة، تتفنن كل ربة بيت في إبراز نظافة ثم صف ما تنشره كأنهم جنود يدخلون حربًا؛ الصف الأول للبياضات المتزَهَّرة، الثاني لملاءات بكرانيش ملونة وفوط زاهية، وما بعدهم من صفوف لملابس الزوج والأبناء المُشبّكة بعناية.

توجد ساحة رياضية كبرى يلعب فيها الأولاد الكرة وتحوط البنايات مساحات خضراء من كل جانب تتمشى فيها الشابات والأمهات مرتاحات فيما ترتدينه من عبايات وإسدالات. بَنَت الهيئة الهندسية هذا الحيّ لهم في وقتٍ قياسي، ثم نقلتهم الحكومة إليه من مناطق عشوائية تقع في القاهرة الأثرية أو موزاية لكورنيش النيل.

حي الأسمرات - بإذن خاص للمنصة

لا توجد سوى مشاكل قليلة؛ يقع الحي على طرف الصحراء، وأماكن شراء الحاجيات الأساسية الموجودة داخله تابعة للقوات المسلحة، هل المزيد من الخيارات سيسبب أي ضرر؟ المدينة مسوَّرة وتوجد عربات أمن على بوابتها الكبرى، يشعر البعض أنهم يعيشون في جيتو للفقراء الذين قد يكونوا بالمصادفة البحتة أيضًا مجرمين.

لا يوجد عمل، فقد ترك المُهجَّرون للحي أعمالهم اليومية أو محالهم التجارية في مناطقهم القديمة التي تم هدمها أو هي قيد الهدم، حتى التوكتوك ممنوع. يعاني البعض منهم من عدم القدرة على دفع الإيجار الضئيل الذي تتقاضاه منهم الحكومة مقابل شققهم — فهم لا يملكون تلك الشقق كبيوتهم ومحالهم المُهدّمة.

ندخل قليلًا بين العمارات في منتصف الحي، نلحظ مرور قطيع من الكلاب الضالة بجوار أكياس زبالة متراكمة في بعض الأركان. يحيط سكان الدور الأرضي شرفاتهم ونوافذهم بالحديد، فقد زحفت أعمال السرقة والقتل مجددًا إلى بيوتهم. إذا عدنا لإلقاء نظرة على مناطقهم القديمة التي تم تهجيرهم منها، في أماكن أثرية بالقاهرة الإسلامية من مثل الفسطاط وعين الحياة وسور مجرى العيون، أو منطقة مقاربة لكورنيش النيل مثل مثلث ماسبيرو، نلحظ صعود الاستثمارات السياحية والعقارية الضخمة محلها.

لبن الأطفال

حدث نقص حاد في ألبان الأطفال في 2016، ووقفت الأمهات الفقيرات في طوابير طويلة أمام منافذ وزارة الصحة، حاملات أطفالهن النحاف على أذرعهن للحصول على علبة أو علبتين مدعومتين من اللبن.

سارعت القوات المسلحة لحل المشكلة، بأن قام الجيش باستيراد عبوات اللبن بنفسه وبيعها. طبقًا للمتحدث الرسمي للقوات المسلحة وقتها، كان سبب الأزمة هو احتكار الشركات الخاصة لاستيراد العبوات وقيامها بمضاعفة سعرها، وكان تصرف الجيش ضربة للاحتكار ورفع الأسعار.

قام جهاز مشروعات الخدمة الوطنية باستيراد حوالي 30 مليون عبوة حليب أطفال، ثم باعها للصيدليات الخاصة بنصف سعر القطاع الخاص، بسعر غير مدعوم قليلًا وحقق هامشاً من الربح، ووصل لوزارة الصحة نصيبها من الشحنة لتبيعها مدعومة.

تعجب البعض من الوصول السريع لشحنة واردات الجيش الضخمة تلك من الخارج في وقت قصير فور اشتعال الأزمة، ورجحوا قيام الجيش بشرائها وتخزينها مسبقًا لأجل استخدام حالة شحوح السلعة من السوق فيما بعد. وارتأوا أن تلك المنافسة مع القطاع الخاص كانت لأجل هدف وطني، وهو تخفيض أسعار اللبن للفقراء.

ثم سعت وزارة الإنتاج الحربي للتأكد من ألا تتكرر تلك المشكلة مرة أخرى، حيث قررت إنشاء مصنع ألبان أطفال خاص بها لتخفيف العبء على المواطنين. قررت وزارة الإنتاج الحربي أيضًا خدمة القطاع الطبي بالمزيد، بأن شرعت في التعاون مع وزارة الصحة لإنشاء مصنع إنتاج الأمصال واللقاحات الدوائية، ومصنع إنتاج أدوية الأورام، ومصنع السرنجات الطبية، ومصنع المحاليل الطبية، بالإضافة الى تصنيع الأجهزة والمعدات الطبية وتجهيز عربات الإسعاف.

التلفزيون في البيت

منذ ثلاث سنوات، كتبت في المنصة مقالًا بعنوان "في الدراما المصرية.. ضباط الجيش ليسوا أبطالًا". ربما لم يتسنَّ لك عزيزي القارئ مطالعتها في حينها، لأن المنصة حُجبت بعد نشره بوقتٍ وجيز. كنت أتحدث فيه عن أنه بعدما ظهر ضباط الجيش بكثافة في أدوار بطولية في الأفلام عقب ثورة 1952 وحرب 1973، أصبحت أدوراهم إما سلبية أو على الأقل باهتة في بعض المسلسلات في الثمانينيات والتسعينيات، ثم نسيتهم الدراما المصرية تقريبًا بشكل كامل قُبيل الثورة.

تغير الأمر تمامًا، عزيزتي القارئة المُشاهدة النهمة مِثلي لمسلسلات رمضان وأحدث الأفلام، في آخر سنتين. في عام 2019، ظهر الإنتاج الضخم لفيلم المَمرّ، ولا أخفي عليكم القول إني قد جلست أمام شاشة تلفزيون الحكومة لمشاهدته في ذكرى انتصار أكتوبر قبل الماضي، فقد صرت أُحب الانضمام لجموع الشعب في الاحتفالات الوطنية. كانت مشاهد المعارك مبهرة، لم تبخل شركة الإنتاج بالإنفاق السخي عليها.

ثم ظهرت شركة "سينرجي"، وأمتعتنا بإنتاج جميع مسلسلات رمضان الماضي والذي قبله تقريبًا. يذكر الإعلام أن شركة سينرجي مملوكة جزئياً لشركات تابعة للدولة، تحديدًا إعلام المصريين والمجموعة الأم إيجل كابيتال.

كان على رأس مسلسلات سينرجي في رمضان الماضي الاختيار، عن بطل بحق عظيم من قوات الصاعقة، لم يحظَ أحد قبله بمهاراته القتالية الفائقة، والتي حصل على جزء منها من تدريباته مع فرقة السيل الأمريكية، وهي نخبة الجيش الأمريكي التي دخلت على أسامة بن لادن في قلب بيته في باكستان وأرسلته منه بجلبابه الجهادي القصير إلى الموت. كان الشهيد يفعل مثل ذلك وأكثر مع دعاة الخلافة بالدم في سيناء.

طوال الثلاثين يومًا في رمضان الماضي، كنت أنتظر الحلقة بفارغ الصبر، ثم أبحث بعد انتهائها عن المعلومات الحقيقية خلف ما ورد فيها من أحداث. وكان رأيي الصادق في المسلسل أنه مصنوع باحترافية شديدة سواء على مستوى النص المكتوب أو التصوير. كانت آخر حلقة، وحوت لقاءات حقيقية حميمة مع مجندين بسطاء مسلمين ومسيحيين من قرى ونجوع الصعيد، من وجهة نظري هي أفضل ما قدمه المسلسل. يستحقون تلك الدقائق القليلة من رؤية وجوههم الوسيمة الثَكلى وابتساماتهم المنقوصة.

أثناء وبعد انتهاء المسلسل، تابعت كيف ردد الأولاد الصغار والمراهقون نشيد الصاعقة الحماسي، وأصبح حلمهم الانضمام للجيش وتحديدًا لقوات الصاعقة، مع الاستعداد الكامل لتحمل تدريباتها الشاقة التي انتشرت فيديوهاتها البطولية على يوتيوب. ذكرني الأمر بكيف أن هناك العديد من أفلام السينما والمسلسلات الأمريكية التي تنتمي لفن الواقع أو الفانتازيا، والتي تُظهر ضباط وضابطات جيش أمريكيين أقوياء يحاربون الشر وينتصرون للخير، ويؤدي بعض منهم أو منهنّ مهامه في العراق وأفغانستان على سبيل المثال.

أبطال مسلسل الاختيار أثناء تكريمهم من السيسي - الصورة: صفحة المتحدث باسم الرئاسة على فيسبوك

الجيش الأمريكي ليس به نظام تجنيد إجباري، فهو قائم على التطوع براتب آمن وامتيازات. تنجح تلك الأفلام والمسلسلات، ومعها نسخ متتالية من ألعاب الفيديو جيم التي تتسم بممارسة العنف، في تحميس المراهقين الأمريكيين من صبيان وفتيات للانضمام للجيش.

محطة مترو المعادي

دائماً ما يعج مخرج محطة مترو المعادي بالباعة الجائلين. المترو هو وسيلة مواصلاتي الرئيسية لارتياد تلك المحطة، أحب ركوب عربة السيدات فيه مع جموع الشعب، وأرى عند نزولي فيها بائعي الخضار والفاكهة والملابس والأحذية الرخيصة وخلافه.

في السنوات الأخيرة ظهر هناك منافس قوى يقف جنبًا إلى جنب مع هؤلاء الباعة. إنها الثلاجات المتحركة في شكل عربات نقل لمنتجات القوات المسلحة. يقف الجنود على باب السيارة ليبيعوا اللحوم والدجاج المذبوح سلفًا والمغلف بعناية في أطباق بلاستيكية بيضاء. على الناحية الأخرى من مخرج محطة المترو نفسها، يوجد كشك، يتبع القوات المسلحة أيضًا، يبيع الشيبسي والعصير والمناديل والبسكوت.

باب الحديد

والمحطة بالمحطة تُذكر، دعونا نذهب إلى محطة رمسيس وأنا أيضًا إحدى مرتاديها للسفر، مثلي مثل نصف هذا الشعب، لزيارة أهلي في الصعيد.

وسواء كنت في انتظار القطار الأسباني أو المجري أو النوم أو حتى الـ VIP الجديد، فمن الصعوبة الشديدة أن تجدي كرسيًا أنتِ وعائلتك للجلوس عليه على رصيف المحطة، ريثما يصل قطارك الذي قد يتأخر لساعات، وهو ما اعتدنا عليه طول عمرنا من قبل وبعد الثورة.

في السنوات الأخيرة، حجزت القوات المسلحة لنفسها مساحة معتبرة من الرصيف المزدحم وقامت بتسويرها بسياج منخفض منفتح على موضع دخول وخروج القطارات. توجد كراسٍ مريحة خلف هذا السور، على مرمى نظر الواقفين بأمتعة ثقيلة وأقدام متعبة. لكن تلك الكراسي ليست لأمثالنا من المدنيين.

والآن، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بالتأكيد هو: هل هناك حل للخروج من المعسكر؟

الإجابة، عزيزتي القارئة عزيزي القارئ، هي أنني لا أعرف. حقًا لا أعرف. عشر سنوات من بعد ثورة وما زال لا أحد يعرف. فشل جيلي في أن يجد الحلَّ ولا أنصح أحدًا منا بإعادة التجربة مرة أخرى. نحن الجيل المُصاب بلَعنة فات الوقت لفكها.

ربما سيتمكن جيل آخر قادم لم يصبه عطب النرجسية والعنصرية والذكورية والمخبرين من الخروج المشروع. كل ما علينا هو أن نتنحى بهدوء جانبًا ونمنح هذا الجيل المعرفة اللازمة، مغموسةً، بتواضعٍ جمّ، بدروس التجربة المُبتسرة، ليفتح لنفسه ثقبًا حثيثًا بعد سنوات ويخرج.

وأخيراً أختم بالقول إن الحياة داخل المعسكر قد تبدو خانقة، ولكن أؤكد لكِ عزيزتي القارئة أنه لا زال هناك من يتنفسون. مرة أخرى، لست من أصحاب الرؤى المتشائمة عن فشل الثورة، أؤمن بشدة أن تلك الثورة التي فشلت سياسيًا، فتحت خلفها أبوابًا جمة للحراك الاجتماعي. لم تعد مصر كما كانت قبل 2011. لم تعد المُسَلَّمات الاجتماعية والدينية والطبقية والطائفية والعرقية كما كانت، لم يعد المنبوذون والمقموعون والمهمشون يبتلعون القهر في صمتٍ كمان كانوا.

أنتِ، عزيزتي القارئة، لازلتي تتنفسين، فلا تضعي سلاحِكِ، استمري.


[1]Michel Foucault, Security, Territory, and Population, trans. Graham Burchell (Basingstoke: Palgrave, Macmillan, 2007), 489.

[2] Michel Foucault, Society Must be Defended, trans. David Macey (New York: Picador, 2003), 15-16. .الترجمة من الإنجليزية لكاتبة المقالة بتصرف، تعريب للمعنى وليس ترجمة حرفية للنص المقتبس.

[3] Foucault, Society Must be Defended, 277.

[4] Foucault, Security, Territory, and Population, 94. الترجمة من الإنجليزية لكاتبة المقالة بتصرف.


قراءة ملف "تلك الأحداث" على هذا الرابط