تصميم: المنصة

تلك الأحداث| خروج مسيحيٌّ مؤقت إلى دولة المواطنة

"نشكر الله لأن كنائسنا حافظت على أنه لا يخرج أي شخص للتظاهر أو للانضمام للجماعات المخربة"، بهذه العبارة أكد بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الراحل، الأنبا شنودة الثالث، موقفه بعد عدة أيام من اندلاع مظاهرات 25 يناير 2011، لكن هل استمع المسيحيون بالفعل للبابا ولم يشاركوا في المظاهرات؟ وماذا حدث للمسيحيين منذ 2011 وكيف حدث، وأين يقف الجميع الآن؟ الإجابة عن أسئلة السنوات العشر هذه تحتاج منا العودة 40 سنة قبل 2010 لمعرفة كيف ترسخ وضع المسيحيين المصريين قبل يناير وكيف غيرت الثورة المعادلة.

رحل الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر/ أيلول 1970، وبعده بأشهر رحل البابا كيرلس السادس يوم 9 مارس/ أذار 1971، وبينما كانت علاقتهما هادئة، بدأ عصر جديد مشحون بين الدولة والكنيسة بوصول الرئيس أنور السادات للحكم، وجلوس الأنبا شنودة أسقف التعليم على كرسي القديس مرقس ليكون البابا رقم 117 في تاريخ كنيسة الإسكندرية.

بدأ عهد شنودة/ السادات ساخنًا بأحداث الخانكة، وصار بينهما نزاع وشد وجذب، انتهى بقرارات 5 سبتمبر 1981 الشهيرة وكان من ضمنها التحفظ على البابا شخصيا في دير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، وتشكيل لجنة من خمسة أساقفة لإدارة شؤون الكنيسة. ثم رحل السادات في 6 أكتوبر/ تشرين الأول من نفس العام، وأتى نائبه مبارك إلى مقعد الرئاسة، إلا أنه لم يبادر بإلغاء التحفظ، وانتظر لأكثر من ثلاث سنوات، قبل أن يصدر قراره بعودة البابا إلى منصبه في 5 يناير/ كانون الثاني 1985، فلماذا كان هذا التأخير؟

يجيب عن هذا السؤال الدكتور القس إكرام لمعي، الرئيس الأسبق لسنودس النيل الإنجيلي وأستاذ مقارنة الأديان في مقال بتاريخ 28 أغسطس/ آب 2018، ذاكرًا أنه "توسط لعودته لكرسي البابوية الدكتور القس صموئيل حبيب رئيس الطائفة الإنجيلية حينئذ، وطيب الذكر ميلاد حنا وذلك في عصر مبارك بعد مصرع السادات، وكانت شروط مبارك لعودة البابا شنودة لكرسيه أن يوقع البابا على وثيقة عدم معارضة سياسة مبارك، وعدم التدخل فى السياسة بشكل عام، وهو ما حدث".

رعايا لا مواطنين

منذ خرج البابا شنودة من التحفظ بدأت مرحلة جديدة 1985- 2010 آلت له فيها السيطرة على قلوب المسيحيين المصريين وعقولهم، وأصبح هو ممثلهم الوحيد لدى الدولة، وكأنه رئيسًا لحزب سياسي. فالبابا الذي سعى لبسط هيمنته على المسيحيين منذ جلس على الكرسي، ساعده قرار التحفظ على كسب تعاطفهم ومحبتهم بشكل أكبر، ولعل عبارة الكاتب الراحل دكتور ميلاد حنا "الدولة اختزلت الأقباط في الكنيسة، واختزلت الكنيسة في الإكليروس، الكهنة والأساقفة، واختزلت الإكليروس فى البابا"، هي خير دليل على أن رغبة مبارك وشنودة تلاقت في ذلك، لكن دون أن ينافس البابا الرئيس كما حدث سابقًا.

لم تكن حقبة مبارك بردًا وسلامًا على المسيحيين، بل شهدت أحداث عنف ضدهم، ووقتها تحولت الكاتدرائية المرقسية ملاذًا للمتظاهرين، إذ فتح البابا شنودة أبوابها ليحتوي غضبهم، وبعدها بدأ في التفاوض مع الدولة، ولجأ لورقة إعلان الاعتكاف في الدير للصلاة، كأحد أساليب ممارسة الضغط على أجهزة نظام مبارك، وكانت هذه المشكلات لا تحل بإعمال القانون، بل عن طريق الحلول العرفية برعاية أجهزة الدولة وبعض التنازلات من خلف الستار بين الطرفين.

الحراك السياسي الذي شهدته مصر منذ عام 2005، وكان ضمن نتائجه إجراء انتخابات رئاسية تعددية للمرة الأولى، انتقل بدوره إلى صفوف المسيحيين، حتى جاء عام 2010 الذي كان بمثابة مرحلة انتقالية بين وجود المواطنين المسيحيين داخل أسوار الكنيسة والخروج منها فيما بعد، خصوصًا في 25 يناير.

بدأ الاحتقان يتصاعد لدى المسيحيين مع أجراس قداس عيد الميلاد في نجع حمادي، بمحافظة قنا، عام 2010 حين أطلق مسلح الرصاص على المصلين عقب نهاية القداس مساء 6 يناير، فقُتل سبعة مواطنين، بينهم ستة من الذين خرجوا من الكنيسة بعد قداس العيد، وفرد أمن تابع للداخلية، فيما أصيب تسعة آخرون، ثم بلغ الغضب ذروته في 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2010 في أحداث كنيسة العمرانية، عندما واجه أكثر من 150 شابًا مسيحيًا قوات الأمن التي طوقت مبنى خدمات جرى تحويله لكنيسة، وكانت المرة الأولى التي لا يلجأ فيه المسيحيون لفناء الكاتدرائية، بل يدخلون في مصادمات وجهًا لوجه مع قوات الأمن المركزي في عهد وزير الداخلية آنذاك حبيب العادلي.

ربما كان هذا الانفجار محتومًا بسبب تراكم حوادث سابقة، لم يطبَّق فيها القانون بحسم، مثل اعتبار المتهم بمهاجمة ثلاث كنائس في الإسكندرية عام 2006 مختلًا عقليًا، وهو الوصف الذي لازم مرتكبي عدة حوادث عنف طائفي أخرى لاحقة.

من وقفة رمزية لتأبين ضحايا كنيسة القديسين. صورة برخصة المشاع الإبداعي: مها الأسود- فليكر

ومع اللحظات الأخيرة من عام 2010، وقع تفجير كنيسة القديسين الدامي، الذي راح ضحيته 23 شخصًا أثناء خروجهم من الكنيسة بينما أصيب 97 آخرون، وكانت هذه الفاجعة صدمة للمصريين، وبعدها بيومين فقط نظمت مجموعة من المواطنين، مسيحيين ومسلمين، والنشطاء السياسيين وقفة بالشموع، أمام كنيسة السيدة العذراء بشارع مسرة في شبرا، بقلب القاهرة، وكانت تلك المرة الثانية، بعد شهر وعدة أيام من أحداث العمرانية، التي يخرج فيها المسيحيون إلى الشارع لا الكاتدرائية، للتعبير عن غضبهم.

وبدت أحداث العمرانية، ووقفة المواطنين المصريين بالشموع أمام كنيسة مسرة التي فضتها قوات الأمن وقبضت على بعض ممن شاركوا بها، بمثابة "بروفة" قبل الخروج في مظاهرات يوم 25 يناير وما تلاها من أحداث.

25 يناير: منتصف العصا

مع الوقت بدأت دعوات التظاهر تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي كانت بعيدة إلى حد ما عن أعين الأجهزة الأمنية وقتها، اعتراضًا على سحل وتعذيب وقتل الشاب خالد سعيد، ولاقت الدعوة للنزول يوم 25 يناير الموافق عيد الشرطة المصرية، رواجًا واستجاب لها الآلاف منذ الساعات الأولى، ومع أول اعتصام داخل ميدان التحرير، ظهرت مشاهد يصلي فيها مسلمون ويقف حولهم مسيحيون لحمايتهم خلال الصلاة، فيما كان البابا شنودة يدعو في مداخلة هاتفية لعدم التظاهر، دعوة لم تجد استجابة بين مَن اتخذوا قرار المشاركة من المسيحيين، باعتباره أمرًا سياسيًا وحقًا من حقوق المواطنة، وليس شأنًا كنسيًا.


لماذا شارك مسيحيون في المظاهرات بعكس رغبة البابا؟ ببساطة لأن الوضع الذي تشكَّل منذ خروج البابا شنودة من التحفظ وحتى 2010 لم يكن بالأمر الطبيعي، فالمسيحيون ليسوا كتلة واحدة، ومصر بشكل عام ليست دولة مقسمة على نحو جغرافي طائفي، حيث تعيش كل طائفة في إقليم ما وتشكِّل غالبيته كما في بعض الدول الأخرى، بل يعيش مواطنوها بتنوعهم إلى جوار بعضهم بعضًا.

كما أن تركيبة المسيحيين تشمل تنوعًا كبيرًا، فمنهم مَن هو بعيد عن السياسة ويعتبر الكنيسة هي كل حياته ووطنه الحقيقي هو السماء، فيما ينخرط آخرون في السياسة ومنهم مَن هو ليبرالي أو يساري أو ناصري، أو عضو حتى بالحزب الوطني الحاكم آنذاك. وحتى بعد يناير كان نائب رئيس حزب الحرية والعدالة، الذي أسسه الإخوان المسلمون، مسيحيًا وهو رفيق حبيب.

لذا فما ذكره البابا شنودة عن عدم خروج مظاهرات من الكنائس حقيقي، لأن المسيحيين الخاضعين لسلطان البابا روحيًا وسياسيًا لم يخرجوا للمظاهرات بشكل كبير، بل خرج مَن يفرِّقون بين ما هو روحي وما هو سياسي، متخذين من قول المسيح "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" منهجًا لحياتهم، ومِن بين هؤلاء مَن لديهم صلة بالمجتمع المدني والحياة السياسية والحزبية.

الوجود المسيحي داخل الميدان اتخذ طابعًا مختلفًا مع استمرار المظاهرات وقرار كنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية الملاصقة لميدان التحرير فتح أبوابها كمستشفى ميداني للمصابين، ومشاركة راعيها القس سامح موريس بقداس رمزي.

ومع اتجاه الأمور ضد الرئيس الأسبق مبارك، بدأت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في تدارك موقفها الرسمي المعلن عبر البابا شنودة، بكتابة الأنبا موسى الأسقف العام للشباب مقالًا في 10 فبراير/ شباط، يؤيد فيه المتظاهرين من الشباب ويدعوهم إلى الحكمة والحفاظ على مصر، وهكذا صار الأمر بنفس الطريقة التي يستخدمها البابا شنودة دائمًا في مواجهة نظام مبارك وهي الإمساك بالعصا من المنتصف، فبينما يعلن موقفًا مؤيدًا للسُلطة، يعد ترتيبات عبر آخرين لتدارك الموقف.

ماسبيرو: هنا الغضب

بعد تنحي مبارك لم يكد يمر شهر واحد حتى اندلعت أحداث عنف ضد المسيحيين بقرية صول في أطفيح بالجيزة، يوم 4 مارس 2011، وبعدها خرج مسيحيون للتظاهر أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون بماسبيرو، اعتراضًا على حرق الكنيسة، وتم اختيار ماسبيرو لإرسال رسالة بأن هناك مشكلات تخص المسيحيين يجب الالتفات لها، وللتنويه بأنها مختلفة عن ميدان التحرير والثورة، وبهذا تشكَّل أول اعتصام للمسيحيين، ولم يتم فضه إلا بعد الحصول على ضمانات بإعادة بناء الكنيسة مجددًا.

وفي مايو/ أيار 2011 وقعت أحداث طائفية في إمبابة بالجيزة كانت نتيجتها حرق كنيسة السيدة العذراء بشارع الوحدة البعيدة عن الأحداث، فعاد المسيحيون بقيادة القمص متياس نصر والقس فيلوباتير جميل للتظاهر والاعتصام أمام ماسبيرو، للتنديد بتلك الأحداث الطائفية.

كان للكاهنين دور في قيادة المعتصمين، ثم بدأ بعض الشباب المسيحي في تكوين حركات سياسية دون أن يكون لهم خبرة في السياسة، وكان أبرزها اتحاد شباب ماسبيرو الذي ضم طيفًا واسع من الشباب، ومع الوقت بدأ ينسحب بعض من هؤلاء الشباب وكونوا حركات أخرى مثل "ائتلاف أقباط مصر"، و"أقباط بلا قيود"، و"الأقباط الأحرار"، وكل هذه الحركات لم تتخط مجموعة من النشطاء ولم يكن لها تأثير شعبي كبير سوى وقت الدعوة للمظاهرات.

من مظاهرات ماسبيرو. صورة برخصة المشاع الإبداعي: حسام الحملاوي- فليكر

استمرت هذه الحركات القبطية بعيدة عن ميدان التحرير وحركاته وأحزابه السياسة، وفي بعض الأحيان كان المسيحيون المشاركون في فعاليات ثورية في ميدان التحرير يذهبون لماسبيرو، ولكن ضغطت نظرة "المطالب الفئوية" على تقييم الحركات القبطية، ولم تحدث محاولات من ميدان التحرير للاقتراب منهم وضمهم إلا على استحياء، وحينما بدأت هذه الحركات دخول التحرير، وقعت أحداث كنيسة الماريناب بأسوان في 30 سبتمبر 2011، فبدأت الحركات القبطية تنسحب من الميدان وتجتمع لمواجهة تلك المشكلة خاصة بعد موقف محافظ أسوان وقتها اللواء مصطفى السيد الذي أثار غضب المسيحيين.

يوم الثلاثاء 4 أكتوبر دعت أربع حركات قبطية لمسيرة من دوران شبرا إلى دار القضاء العالي بوسط القاهرة، للاعتراض على هدم قباب كنيسة الماريناب وحرق منازل المسيحيين في القرية، وبعد وصول المسيرة لدار القضاء العالي انقسمت الحركات التي دعت للمسيرة، فمنهم من أكد على انتهائها بينما البعض أغراه العدد بالذهاب للاعتصام أمام مبنى ماسبيرو للمرة الثالثة، وبالفعل توجهت مجموعة للاعتصام، الذي فضته قوات الأمن في الساعات الأولى من اليوم التالي، وسحلت شابًا يدعى رائف أنور في مشهد رآه المصريون على شاشات التلفزيون.

وردا على سحل الشاب المسيحي دعت الحركات القبطية للتظاهر يوم الأحد 9 أكتوبر، الذي وقعت فيه أحداث ماسبيرو الدامية، وراح ضحيتها 28 مصريًا منهم 26 من المسيحيين، وجندي من الجيش، ومسلم متضامن مع المتظاهرين، بالإضافة إلى عشرات المصابين. وكانت بمثابة مرحلة انكسار للحركات القبطية، التي بدأت في التكون ولم تكن لها خبرة بالحراك في الشارع أو حتى العمل السياسي.

حكم الإخوان: المسيحيون في المواجهة

مرت الفترة الانتقالية بأحداثها إلى أن وصل الإخوان للحكم، وهنا دخلت مصر مختلفة طوال الفترة بين 30 يونيو/ حزيران 2012 و30 يونيو 2013. فخلال هذا العام منذ حلف محمد مرسي اليمين الدستورية رئيسًا للجمهورية، بدأت العديد من القوى السياسية تجتمع لمعارضة الإخوان، وبدأت الحركات المسيحية تندمج أكثر في المشهد السياسي العام الذي اقتحمته أيضًا أعداد من المسيحيين ممن اعتبروا أعضاءً في "حزب الكنبة"، ولكنهم هموا بالنزول وشاركوا في مسيرات ومظاهرات عدة، تحت وطأة مخاوفهم من أن المشروع الإسلامي للإخوان يمثل تهديدًا كبيرًا لهم.

قبل وصول الإخوان للرئاسة بثلاثة أشهر وبالتحديد في 17 مارس 2012 رحل البابا شنودة بعد 40 عامًا قضاها على الكرسي المرقسي، وجاء الأنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح في منصب قائمقام البابا، وأمسك بدفة القيادة في فترة عصيبة، نجح خلالها في السيطرة على الخلافات الداخلية بين الأساقفة، واستطاع بنهجه الإداري المختلف مواجهة الواقع السياسي المتغير، وظهر هذا بوضوح في انسحاب الكنيسة، مع بقية الكنائس المصرية، من لجنة المائة التأسيسية لكتابة الدستور، وفي التعامل مع الأحداث الطائفية، مثل أحداث دهشور في أغسطس 2012، إذ أصدر بيانًا طالب فيه السلطات الرسمية باتخاذ "موقف حاسم إزاء الاعتداءات الصارخة التي تكررت".

كان الكرسي المرقسي على موعد مع بطريرك جديد في 4 نوفمبر 2012، حين وقعت القرعة الهيكلية على الأنبا تواضروس، الأسقف العام في البحيرة، ليكون البابا رقم 118. في اليوم التالي لاختياره أجريت معه حوارًا في دير الأنبا بيشوي حيث يقيم، وكان أبرز تصريحاته أنه يعرف أن هناك ثورة قامت وأن الشباب أصبح يعبر عن نفسه بنفسه ويجب الاستماع لهم وإفساح المجال لهم ليعبروا عن أنفسهم.

من اليوم الأول كان نهج البابا الجديد مختلفًا عن سلفه، فلم يكن يمتلك طموحًا سياسيًا أو يبحث عن زعامة بل على العكس، ابتعد عن المشهد السياسي حين شارك المسيحيون في المظاهرات ضد الإخوان أمام قصر الاتحادية في 5 و 6 ديسمبر 2012، عقب الإعلان الدستوري الذي أصدره مرسي في 22 نوفمبر، وخوَّل به صلاحيات واسعة لنفسه، وهي المظاهرات التي هاجمها نائب المرشد، خيرت الشاطر، وقال إن "80% من المتظاهرين أمام الاتحادية أقباط"، مشككًا في دوافعهم.

الهدوء ساد ردود فعل البابا تواضروس حيال التسخين الطائفي، واتسمت خطاباته بضبط النفس، ما تجلى في أحداث الاعتداءات الطائفية في حي الخصوص بالقليوبية يوم 5 أبريل/ نيسان 2013، التي قُتل فيها خمسة أشخاص بينهم أربعة مسيحيين وأصيب ستة آخرون، وعقب جنازة الضحايا الخمس بالكاتدرائية المرقسية بحي العباسية يوم 7 أبريل، حدث هجوم على الكاتدرائية استمر لعدة ساعات، قُذفت فيه بقنابل المولوتوف، ما أدي إلى وفاة مواطن وإصابة العشرات، ومع ذلك لم يتخذ البطريرك أي ردود فعل قوية، فرغم الأحداث الدامية إلا أن لغته كانت منضبطة في التعبير عن غضبه، بل تحدث عن تحمل الدولة لمسؤولياتها، وهو نفس الخطاب الذي استخدمه البابا وقت أحداث قرية الكرم بالمنيا وتعرية سيدة مسنّة، فقد تحدث إلى المرأة المعتدى عليها وقام بدوره الروحي دون تصعيد مع أجهزة الدولة، كما كان يفعل البابا شنودة بإعلان الاعتكاف في الدير.


على النقيض من موقفهم المتردد في يناير 2011، شارك مسيحيون بكثافة في حملة تمرد ومظاهرات 30 يونيو 2013، ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي في 3 يوليو/ تموز 2013، ما جعلهم هدفًا للعمليات الإرهابية التي تلت عزل مرسي، حيث هاجم متطرفون كنيسة مارجرجس للأقباط الكاثوليك بقرية دلجا بالمنيا، وتم حرقها تمامًا، كذلك وقع هجوم على المسيحيين في قرية بني أحمد الشرقية بنفس المحافظة، وقُتل القس مينا عبود في العريش، ثم حدث أكثر من هجوم متزامن على عشرات الكنائس بعدة محافظات، بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، وقُتل نحو خمسة مسيحيين في المنيا ومثِّل القتلة بجسد أحدهم؛ إسكندر طوس.

على مدار عدة سنوات تالية ظل المسيحيون هدفًا أساسيًا للهجمات الإرهابية، كما حدث في تفجير الكنيسة البطرسية في 11 ديسمبر 2016، وتفجير كنيستي مار جرجس طنطا والمرقسية بالإسكندرية بالتزامن في يوم أحد السعف 9 إبريل 2017، وكذلك الهجوم على حافلات للمسيحيين في طريق دير الأنبا صموئيل بصحراء مغاغة في المنيا مرتين، الأولى كانت في 26 مايو 2017 والثانية في 2 نوفمبر 2018، وراح ضحية هذه الأحداث عشرات القتلى والمصابين.

إشادة وموائمات

البابا تواضروس الذي صرح بأنه "لا يفهم في السياسة"، ويعتبر أن دوره وطني بحكم موقعه على رأس كنيسة تعد أقدم كيان شعبي في مصر يلعب دورًا وطنيًا ومجتمعيًا، استعاد العلاقات الطيبة بين مؤسسة الرئاسة والكرسي البابوي، بعدم تدخله في السياسة. وخلال الفترة الانتقالية بعد الإطاحة بمرسي زاره الرئيس المؤقت عدلي منصور في المقر البابوي ليلة عيد الميلاد في 6 يناير 2014 لتقديم التهنئة، في أول زيارة لرئيس مصري إلى الكاتدرائية منذ زيارة الريس أنور السادات للبابا شنودة عام 1972.

أما الرئيس عبد الفتاح السيسي فقد سنَّ منذ انتخابه في 2014 سنّة جديدة، بحضوره قداس عيد الميلاد بنفسه وتقديم التهنئة للبابا ولشعب الكنيسة.

للبابا تواضروس دائمًا تصريحات إيجابية تجاه رئيس الجمهورية، ويتحدث كثيرًا عن الخطوات التي اتخذها خلال فترة حكمه، مثمنًا إياها كإنجازات تمت في مصر في السنوات الأخيرة، ومعتبرًا أن هذا يعكس دورًا وطنيًا يؤديه الرئيس، أما على الصعيد الكنسي فدائمًا ما يشيد البابا بزيارة الرئيس في كل قداس عيد ميلاد.

ومن ضمن التغيرات التي يراها البابا جيدة، بناء الدولة بنفسها للكنائس في المدن الجديدة، ومنها كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة، بالإضافة إلى إصدار قانون بناء الكنائس الذي اعتبره قفزة كبيرة وإصلاحًا لمسيرة المجتمع، رغم الانتقادات الحقوقية التي طالت القانون.

مع العلاقات الطيبة بين رأس الدولة وقيادة الكنيسة أعيد إنتاج الوضع القديم قبل الثورة؛ البابا هو الممثل الشرعي والوحيد للمسيحيين أمام الدولة. اتضح ذلك في وجود ممثلين عن الكنائس داخل لجنة الخمسين لتعديل الدستور عام 2014، وإضافة المادة الثالثة التي تسمح "لغير المسلمين من المسيحيين واليهود باللجوء إلى شرائعهم في الأحوال الشخصية والميراث"، وهو أمر يعتبره البعض جيدًا، لكنه لم يحل مشكلات الأحوال الشخصية التي يعاني منها المسيحيون منذ زمن البابا شنودة، بسبب حصر مسائل الطلاق والزواج في يد الإكليروس، وليس قانون مدني يطبق على الجميع دون استثناء.

ورغم أن مشروع قانون "الأسرة المسيحية" بدأت وزارة العدل العمل عليه منذ 2014، ووضعت فيه بابًا خاصًا بالزواج المدني للمسيحيين، إلا أن الكنائس اعترضت وذكرت أنه قانون يخص الكنيسة، ويمكن عمل مشروع قانون خاص بالزواج المدني لكل المواطنين بعيدًا عن هذا القانون، وهو ما أغلق الباب أمام فكرة وجود زواج مدني، وانتهت حاليًا صياغة القانون باتفاق الكنائس الثلاث، الأرثوذكسية، الكاثوليكية، الإنجيلية، على كافة بنوده، وفي انتظار مناقشته مجتمعيًا وإقراره من البرلمان، وسط مخاوف لدى نشطاء وحقوقيين من أن يعزز من القيود المفروضة على المسيحيين في الطلاق والزواج الثاني.

مع الوقت، بدأت الحركات القبطية التي تكونت مع الثورة في 2011 التراجع بل وتفكك بعضها، بحكم أنها لم تكن قوية وكانت مكونة من فردين أو أكثر، بينما الحركة الأكبر وهي اتحاد شباب ماسبيرو لم يعد لها تأثير في المجتمعات المسيحية كما كانت في الفترة من 2011 وحتى 2013. ولم تخرج مظاهرات للمسيحيين إلا فيما ندر في السنوات الستة الأخيرة، منها مظاهرة أمام الكاتدرائية عقب مقتل 25 في تفجير الكنيسة البطرسية المجاورة للكاتدرائية، في ديسمبر 2016.

تغيير المسار

10 سنوات منذ 25 يناير 2011، شهدت خروج المسيحيين من داخل أسوار الكنيسة إلى الثورة والسياسة، حيث زادت مساحة الوعي الجمعي لديهم، فتحولوا في خلال سنة من المناداة بحقوقهم التي تخص بناء الكنائس، إلى المشاركة في المظاهرات بشكل أوسع كمواطنين، حتى وهم في مواجهة مع الإخوان. في هذه الفترة لم يكن للكنيسة هيمنة على المسيحيين كما كان قبل 25 يناير، بسبب الظروف السياسية التي تعيشها البلد، ورحيل البابا شنودة ومجيء تواضروس المختلف عنه تمامًا.

لكن بعد رحيل الإخوان تحول المسيحيون من الموقف الشجاع الذي تجلى في المظاهرات إلى فئة تنال العقاب على يد الجماعات الإرهابية، ما أثر عليهم، فعاد قطاع كبير للانشغال بالصراع بين التيار المحافظ والآخر المستنير داخل الكنيسة، بينما ظل من لهم علاقة بالسياسة والمجتمع المدني قبل 25 يناير كما هم، مهتمين بالشأن العام.

ومع تشكيل مؤسسات الدولة بانتخابات الرئاسة والبرلمان، تغير الوضع السياسي العام في مصر من السيولة إلى التحفظ مجددًا، ربما ساهم في هذا الهجمات الإرهابية، إضافة إلى أن مؤسسات الدولة نفسها عملت على عودة أوضاعها إلى ما قبل 25 يناير، لذا تحول المسيحيون في النصف الثاني من السنوات العشر الأخيرة إلى الانغماس في قضاياهم الداخلية بالكنيسة، وأصبح الاهتمام بالصراع بين تيار تياري الكنيسة، المحافظ والمستنير، يستغرق غالبيتهم.


قراءة ملف "تلك الأحداث" على هذا الرابط