حسن سبانخ (عادل إمام) يستجم في السجن - لقطة من فيلم الأفوكاتو لرأفت الميهي

مشاعر الانتصار والهزيمة في طرة: وليد شوقي ليس كحبيب العادلي

قضيت الليلة السابقة لزيارتي الأولى لوليد بعد حبسه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018 وأنا أنسج في مخيلتي تفاصيل المشهد المرتقب؛ ساحة كبيرة يلتقي فيها المساجين مع أسرهم، أسمع فيها منه عن العنبر الممتلئ أسرّة بطابقين ووجبات العدس التي يتناولها يوميًا، إلا أن الحقيقة كانت مغايرة تمامًا لما تخيلته.

ففي ساحة مغلقة متوسطة الحجم تتناثر بداخلها بضع مصاطب للجلوس، دخلت للقاء زوجي طبيب الأسنان وليد شوقي الذي ما زال قيد الحبس منذ ذلك الحين بقائمة التهم المعتادة؛ زحام وضوضاء في المكان، ومخبرون ينتشرون حولنا، في نهاية الساحة باب صغير مخصص لخروج السجناء والمحبوسين.

قبل الجائحة كنا نجلس جميعًا بالقرب من بعضنا البعض ليتحول الأمر إلى ما يشبه زيارة جماعية لأكثر من مئتي شخص تجمعهم غرفة لا تستوعب أكثر من بضع عشرات على أقصى تقدير. كثيرًا ما اضطررنا للجلوس على الأرض أو الوقوف في إحدى زوايا الغرفة لعدم وجود أماكن كافية.

تحطمت صور السجن التي رسمتها في مخيلتي على وقع هذه الصور الحقيقية. سألت وليد في الزيارة الأولى بجدية "بتناموا على سراير صح؟" فرد بابتسامة ساخرة "آه آه". في نهاية الزيارة عرفت أنهم ينامون على مراتب يصنعونها من كراتين المياه المعدنية التي يشترونها من كانتين السجن. لا عنابر تملؤها الأسرة ولا وجبات عدس ساخنة كل يوم سوى في الأفلام.

طوال سنتين ترسخت في ذهني "الصورة الحقيقية" للسجن، إلى أن جاء هاني مهنا وحطم كل ذلك في حديثه مع المذيع يوسف الحسيني عن الأشهر الستة التي قضاها في سجن طرة، نفس السجن الذي تكبل حرية وليد بداخل إحدى زنازينه منذ سنتين وشهرين، بعد القبض عليه من عيادته بالسيدة زينب، ووضعه على ذمة ثم تدويره على ذمة قضية أخرى.


أحاول عدم الاستماع لحديثه عن سجن الخمس نجوم الذي ينعم بداخله ابني مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي ورجل الأعمال طلعت مصطفى وغيرهم خوفًا من التروما، ولكن لا مفر من الترند الذي يلاحقني في كل مكان فلا أكاد أرى وأقرأ من الكلمات إلا بلياردو، spa، جيم، تلفزيون، ثلاجة، جامع كبير، مصطلحات ربما لا نستخدم بعضها في حياتنا اليومية كثيرا، ولا يتصور أن تكون دارجة داخل سجن ينام من فيه مزدحمين على الكراتين، وإلى جوارهم عالم آخر يختبر فيه 13 شخصًا رغد العيش داخل مبانٍ خصصت لعدة للآلاف، لا يفصل بين العالمين سوى سور حجري داخل السجن.

وبينما كان بإمكان حبيب العادلي وبقية المجرمين الذين أدانهم القضاء في جرائم تتنوع بين اختلاس المال العام والقتل وغيرها، لعب الكرة والاستجمام في السپا وهم يقضون عقوبة ما اقترفوه من جرائم، كان عليَّ أن أبذل الكثير من المحاولات لكي أدخل لزوجي، المحبوس احتياطيًا على ذمة اتهامات لم تُحل إلى القضاء مطلقًا، راديو يمنحه بعض التسلية في ساعات السجن التي لا تنتهي.

في المحاولة الأولى جاء الرد من أحد الضباط "هاتي راديو موجة واحدة"، وبالفعل توجهت لشراء راديو جديد يتوافق مع المواصفات،. ولكن في الزيارة التالية، كان الرد "لأ ممنوع"، هكذا، بدون أسباب، سألت الضابط "ليه ممنوع المرة اللي فاتت قلتوا لي أجيب واحد موجة واحدة وفعلا جبته علشان يدخل"، فقال "هو المرة دي ممنوع، المرة الجاية يمكن يخش ويمكن لأ".

القانون أنه لا قانون يحدد قائمة الممنوعات من الزيارة، فالممنوع في زيارة الأسبوع الحالي، قد يكون متاحا في الزيارة التالية، أدخلت الراديو في المحاولة الرابعة، بعد الكثير من الاستعطاف والرجاء لتأتي موافقته كـ "خبر سار".

وبعد أن نجحت في إدخال الراديو، فكرت أن عليَّ البدء أثناء الزيارات التالية في محاولات إدخال "ساعة".

ولكن محاولات إدخال الساعة باءت بالفشل، بدأ برفض القائمين على التفتيش الذين طلبوا مني استئذان الضابط، وعندما ذهبت لاستئذانه رفض دون أن يبرر رفضه، أخبرته أن وليد بحاجة ليعرف الوقت وهو بالداخل فرد عليَّ "لما يخرج إن شاء الله يبقى يعرف الساعة".


اقرأ ما كتب وليد شوقي من داخل محبسه للمنصة: لماذا لا تقفون في البلكونات؟


ما زلت أحتفظ بهذه الساعة في حقيبة كبيرة تضم قائمة الممنوعات المرفوضة من طرة، حقيبة تنتظر صاحبها عند عودته من رحلته الطويلة، بداخلها عشرات الكتب من بينها كتب السودوكو التي رفض الأمن الوطني إدخالها، ولكنها لم تكفِ المروحة التي أحضرتها حماتي لإدخالها في فصل الصيف.

في بداية الحبسة أحضرت لوليد مخدة بيضاء ليستطيع النوم عليها، وكوتشي ونجحت في إدخالهما. ولكن بعد فترة قليلة من الوقت، وقبل انتشار الجائحة وعندما كانت الزيارات متاحة أسبوعيا، أخبرني وليد أن "الزنزانة اتجردت"، مصطلح غريب على سمعي "يعني إيه اتجردت؟"، فرد "يعني خدوا كل حاجة الغطا والمخدة والكوتشي وسابوا لكل واحد غيار واحد بس".

تعلمت مصطلحات السجن التي ربما لم يعرفها هاني مهنا ورفاقه، وأصبحت على دراية بأن التجريدة أمر متبع ويحدث كل فترة كأحد أشكال التفتيش، لأبدأ رحلة جديدة من البحث عن المخدة الطبيبة بمواصفات معينة حتى يتم السماح بدخولها "حتة اسفنج بس ومتغطية بقماش".

أحضرت الكوتشي والمخدة وذهبت للزيارة، رفض الضابط دخول الكوتشي "هاتي له كروكس، الكوتشي ممكن يخبي فيه من تحت حاجات والمخدة ممنوعة"، لأعود بهما مجددا لحقيبة الممنوعات، وأحاول في الأسبوع الذي يليه، دخل الكوتشي، ولكن المخدة ما زالت في الحقيبة.

الممنوع عن وليد أصبح ممنوعًا عن الكل، حاجز نفسي يقف بيني وبينها، لا أستطيع استخدامها أو منحها لأحد من أشقائي مثلا لاستخدامها كالملابس أو الساعة وغيرها. لا استطيع الاقتراب من هذه الحقيبة، فقط أتركها انتظارًا لعودة وليد.

ممنوعات الطعام لا قانون ينظمها، كباقي الممنوعات. فمثلًا، الأسبوع الماضي مُنع المحشي، بالرغم من أنه كان مباحًا في الأسبوع الذي سبقه، والذي كانت الكفتة فيه ممنوعة. قائمة الطعام دون قانون أيضا، باستثناء المكرونة بالبشاميل؛ فهي ممنوعة على الدوام.

بعد انتشار فيروس كورونا انقسمت الزيارات لنوعين، الأول يطلق عليه "طبلية"، وفيها أستطيع -نظريًا- إدخال الطعام والدواء وبقية الأشياء لوليد وتكون مرة كل أسبوع، والثانية زيارة "رؤية"، تحدث مرة كل شهر، يسمحون لنا فيها أن نلتقي لعشرين دقيقة يفصل بيننا خلالها سلكان شائكان بينهما فراغ.

مكان الزيارة الذي يتسع لبضع عشرات تغير بعد الجائحة، وبعد إعادة زوجي وتدويره على ذمة قضية جديدة، الساحة التي كانت تجمعنا فصلت بجدارين من السلك السميك، أقف وراء واحد ويقف زوجي وراء الثاني، إلى جواري سيدة من القائمات على التفتيش، وإلى جواره مخبر يدون ما نقول، لا أعرف السبب، ربما يكتب في دفتره "قالت له وحشتني ورد وأنا كمان".

يطلب منا المخبر ألا نتحدث الإنجليزية، وأن نرفع صوتنا ليتمكن من تدوين ما نقول. هل دوّن أحدهم أحاديث حبيب العادلي عندما زاره ذووه؟ هل كان العادلي يحظى بـ "زيارة خاصة" كالتي يحظى بها وليد؟ هذه التسمية ليست دلالة تميّز ولكنه اسم يطلق على زيارات سجناء معينين يشعرون بحاجة لتتبع أحاديثهم في الزيارات، دون سبب واضح أو معلن.

لائحة السجون لا تفرق بين المساجين في سطورها، وتمنح السجين حق تأسيس زنزانته، على نفقته الشخصية، وهو ما حاولنا فعله أنا وأسرة زوجي في بداية الحبس، عندما كانت المخيلة ترسم في أذهاننا صورة السجن. سأل والد وليد عن إمكانية إدخال سرير وتلفزيون على نفقته الشخصية، فرد عليه أحد الضباط بسخرية "وتكييف بالمرة". خرج السؤال من والد زوجي بحسن نية بعد قراءته للائحة السجون، ليصطدم بالواقع الذي جعلني أملأ حقيبة كبيرة باحتياجات أساسية لمحبوس بريء على ذمة قضية لا تذهب إلى المحكمة، بينما يعيش مجرمون آخرون في رغد السپا، على بعد أمتار من وليد.