تصميم: المنصة

تلك الأحداث| الإسلاميون والرضا من الغنيمة بالإياب

"فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما"
الأعراف- 27.

"وقد طوفت في الآفاق حتى ** رضيت من الغنيمة بالإياب"
امرؤ القيس بن حُجر.


عام السعد

عشر سنوات مضت على ثورة يناير التي فتحت للإسلاميين بكافة فصائلهم أبواب الاقتراب مما كان محرمًا عليهم من قبل: مقاعد السلطة. تولى إخواني منصب الرئاسة في مصر، هذه الدولة المركزية العميقة، وأسس السلفيون الذين كانوا يقولون "مِن السياسة ترك السياسة" أحزابًا سياسية، ومثلهم فعلت الجماعة الإسلامية الجهادية التي غادر قادتها المؤسسون كرم زهدي وناجح إبراهيم غاضبين، مع محاولات من قبل قدامى تنظيم الجهاد تأسيس حزب سياسي آخر لم يلبث أن صار وإياهم نسيًا منسيًا.

وظهرت أيضًا التنظيمات القتالية تعبر عن نفسها علنًا تحت عنوان عريض هو "السلفية الجهادية" بأفكار رفض الديموقراطية واعتبارها "سبيل الكافرين"، و بدأت تشن العمليات العسكرية في سيناء أولًا ثم ما لبثت أن تمددت خارجها إلى القاهرة والجيزة ومحافظات الدلتا والصعيد.

بدا 2011 إذن عام الحظ الباسم لتيارات الإسلام السياسي في مصر بدءًا من الإخوان مرورًا بالسلفيين وانتهاءً بالجهاديين. اندلعت الثورة المصرية في شهره الأول، ثم ما لبثت أن أطاحت برئيس استمر يحكم البلاد ثلاثين عامًا حتى ظن الناس بقاءه قدرًا مكتوبًا لا فكاك منه، فإذا بالثورة تحطم هذا القدر المكتوب لترسم فصلًا جديدًا من فصول الخلود والأمل لدى الأمة المصرية الصابرة.

أسس الإخوان المسلمون حزب الحرية والعدالة في إبريل/ نيسان 2011، وفي الشهر التالي أسس السلفيون حزب النور. أما أوراق حزب الوسط فكانت عالقة بالفعل أمام دائرة شؤون الأحزاب بمجلس الدولة المصري للطعن على قرار رفضه ثلاث مرات منذ عام 1996، لكن سرعان ما قبلت دائرة الأحزاب تأسيس الحزب وألغت الاعتراض المستمر عليه بعد أسبوع فقط من سقوط مبارك، يوم 19 فبراير/ شباط 2011، فكان فاتحة استبقت مَن جاءوا بعدهم لتأسيس أحزابهم. أما الجماعة الإسلامية التي واجهت نظام مبارك بحملة مسلحة منذ أواخر الثمانينيات حتى قرب نهاية التسعينيات فأسست في أغسطس/ آب حزب البناء والتنمية.

في 19 مارس 2011 صوت الإسلاميون جميعًا بـ "نعم" في الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي فتحت الباب واسعًا أمام إجراء الانتخابات التشريعية لمجلسي الشعب والشوري وهي الانتخابات التي اكتسحها الإسلاميون حيث كانوا القوة السياسية المنظمة الأكبر مقارنة بغيرهم من القوى السياسية المدنية الأخرى، سواءً كانت أحزابًا سياسية أو حركات اجتماعية شبابية. ولعب الخطاب الشعبوي الدعوي الداعم لهم دورًا مؤثرًا في توجيه الجماهير للتصويت لهم ونتذكر هنا حديث السلفي المستقل محمد حسين يعقوب عن "غزوة الصناديق".


حصل الإخوان وحلفاؤهم على أكبر نسبة من مقاعد البرلمان 47%، وحصل حزب النور السلفي وحلفاؤه على 27.8% من المقاعد، كما حصلت الأحزاب الإسلامية على أغلبية مقاعد مجلس الشورى الذي جرت انتخاباته في يناير 2012، 45% لحزب الحرية والعدالة و28.6% لحزب النور.

في مجلس الشعب نال جهاديو الجماعة الإسلامية المتحالفين مع حزب النور 13 مقعدًا كلهم في الصعيد ضمن تحالف ما عُرف وقتها باسم الكتلة السلفية، وحصل حزب الوسط ذو المرجعية الإسلامية على 10 مقاعد.

تصدر الإسلاميون المشهد السياسي في برلمان ما بعد الثورة الذي ترأسه محمد سعد الكتاتني الأمين العام لحزب الحرية والعدالة وأصبح وكيلاه أشرف ثابت عضو الهيئة العليا لحزب النور ومحمد عبد العليم داوود الوفدي البارز.

ظهرت السلفية الجهادية سافرة عن وجهها على هوامش ميدان الثورة في التحرير بعد الإفراج عن المحبوسين منهم كمحمد الظواهري ومرجان سالم وأحمد عشوش وأحمد سلامة مبروك. وعاد بعض من كان منهم في الخارج متسلحًا بخبرات قتالية كبيرة، مثل همام عطية الذي أسس فيما بعد تنظيم أجناد مصر بعد يونيو/ حزيران 2013.

كان لسقوط النظام الليبي في 2011 تأثيره في خلق خطوط لتهريب السلاح إلى غزة، ووصل جزء لا يُستهان به منه إلى السلفية الجهادية في القاهرة وسيناء التي بدأت نشاطها القتالي مبكرًا جدًا بسبب هروب كثير من السلفيين الجهاديين من السجون إبان الثورة، حيث استهدفت عملياتهم أقسام الشرطة وكمائنها وعناصرها منذ يوم 29 يناير.

جعلت الثورة مصر إذن على موعد مع إسلاميين في قلب السلطة قابضين عليها بعد أن ظلوا محرومين منها لعقود. جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في الإسماعيلية عام 1928 أعلنت قبل يوم واحد من إعلان سقوط مبارك أنها لن ترشح أحدًا لمنصب رئيس الجمهورية، ولكنها عادت لتدفع بخيرت الشاطر نائب المرشد العام للجماعة والرجل القوي الذي يقبض بيد من حديد على مقدراتها في الانتخابات ومعه رئيس حزب الحرية والعدالة محمد مرسي تحسبًا لرفض أوراق ترشيح الأول، وهو ما حدث بالفعل، ليخوض الثاني الانتخابات ويدخل جولة الإعادة في مواجهة الفريق أحمد شفيق ويفوز بنسبة 51.73% ليصبح أول رئيس مدني منتخب ديموقراطيًا للبلاد في تاريخها المعاصر.

في يونيو 2012، وبناء على حكم من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية القانون الذي جرى انتخاب النواب على أساسه، تم حل مجلس الشعب الذي شكل الإسلاميون غالبيته، وعجز الرئيس المنتخب عن إدارة شؤون البلاد في مناخ استقطاب هائل لم يعرف المصريون مثله من قبل. فمن جانب اعتبرت القوى المدنية وغير الإسلامية ما يفعله الإسلاميون طغيانًا واستحواذًا بسب ضيق رؤاهم ومحدودية خبراتهم السياسية للعمل بمفهوم المشاركة لا المغالبة أو الاستئثار، ومن جانب آخر، رأت الدولة العميقة أن الوافد الجديد غريب عنها ولا يعرف قواعد إدارتها وتقاليدها، ومن ثم لم تمنحه ثقتها.

وقبل أن يُكمل الرئيس المنتخب سنته الأولى تبلورت حركات اجتماعية بدأت في التمرد عليه لم يُعرها هو اهتمامًا، فيما ظلت علاقته بالجيش تفتقد الثقة خاصة مع بطئه في اتخاذ قرارات تخفف من توتر الشارع المشحون؛ كإجراء انتخابات رئاسية مبكرة وتشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة لا يكون غالبية وزرائها من الإخوان.

ومع بدء الحشود في الشارع وتصعيد لهجة الخطاب السياسي والشعور بأن البلاد مقبلة على خطر الاقتتال الداخلي وتعاطف القوي المدنية مع احتمالات تدخل الجيش الذي أعطى الرئيس مهلة أسبوعًا ثم يومين، وشعور المحيط الإقليمي الخليجي والإسرائيلي خاصة بعدم التعاطف مع وجود رئيس إسلامي في قلب السلطة، تدخل الجيش في 3 يوليو/ تموز 2013 مدعومًا بقوىً شعبية وبالأزهر والكنيسة وحزب النور السلفي، وبالقوى المدنية ممثلة في محمد البرادعي، ليضع حدًا لأول تجربة مدنية ديموقراطية في البلاد، ليعود الإخوان من حيث بدأوا من جديد خارج السلطة ملاحقين بالسجون والمحاكمات، ويعود سؤال الديموقراطية من جديد، لتبدو ثورة يناير وكأنها كانت فاتحة لامتحان الإسلاميين، وفي قلبهم الإخوان، أكثر منها فرصة لهم، ليبدأوا من جديد رحلة تيه لا يبدو لها مرفأ قريب.

غنيمة الجهاديين

مع زخم الثورة واتجاه أغلب التيارات الإسلامية باختلاف مشاربها وتنوعها وتنافسها بل وتناقضها إلى تذوق طعم السلطة التي حُرمت منها، بوسائل سياسية سلمية، فإن التيار الجهادي أصبح يمثل تحديًا كبيرًا للدولة المصرية. بدأ هامشيًا وسرعان ما تصاعد، كما أصبح يملك منطقه الخاص في تصعيد أعمال العنف بعد 2013.

عاد تنظيم التوحيد والجهاد الذي ظهر في سيناء عام 2004، للعمل العسكري، وظهرت جماعات جهادية مثل مجلس شورى المجاهدين الذي بدأ عملياته في 19 يونيو 2012 باستهداف دورية إسرائيلية على الحدود بين سيناء والأراضي المحتلة، ثم نفذ عملية رفح الأولى التي راح ضحيتها 16 من ضباط وجنود الجيش في 5 أغسطس/ آب 2012، ومن بعدها اختطاف سبعة جنود في مايو/ أيار 2013، أفرج عنهم بعد أسبوع.

ثم ظهرت جماعة أنصار بيت المقدس، التي ستعمل على توسيع نشاطها خارج سيناء ليمتد إلى القاهرة والدلتا، وهي التي فجرت مبنى مديرية أمن الدقهلية، واستهدفت موكب وزير الداخلية الأسبق اللواء محمد إبراهيم بسيارة مفخخة بقيادة ضابط الجيش السابق وليد بدر في سبتمبر/ أيلول 2013، وكان من قيادييها هشام العشماوي ضابط الصاعقة المحال للتقاعد، الذي عمل على إقامة معسكرات للتدريب خارج المدن في الصحراء الغربية والواحات، ونفذ عمليات ضد الجيش المصري أهمها عملية الفرافرة في يوليو 2014.

بايعت هذه الجماعة تنظيم الدولة الإسلامية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 الذي أعلن قائده أبو بكر البغدادي قبول بيعتهم لتصبح ولاية سيناء إحدى ولايات تنظيم داعش، وأصبحت تمثل تهديدًا استراتيجيًا لا يزال قائمًا للدولة المصرية، رغم سقوط التنظيم في مراكزه الرئيسية في سوريا والعراق.

لاحقًا أسس هشام عشماوي جماعة تابعة له هي "المرابطون"، وسافر إلى ليبيا ثم ُقبض عليه في منطقة درنه وسلم للسلطات المصرية ليحاكم ويعدم في مارس/ آذار 2020، وكانت مجموعته هي التي قتلت مأمورية الأمن الوطني التي توجهت لمنطقة الواحات لمداهمة أوكار جماعة المرابطين بها وبلغ عدد الضباط القتلى فيها 28 ضابطًا.


اقرأ أيضًا: اقتفاء الأثر في درنة: ضباط الجيش الليبي يشرحون الخطوة المقبلة بعد القبض على عشماوي

مجموعة الـ 7 التي ألقت القبض على هشام عشماوي، يتوسطهم الملازم عبد الحميد الذرعاني. تصوير: ماهر الشاعري

وظهر أيضًا تنظيم أجناد مصر الذي نفذ عددًا كبيرًا من العمليات ضد كمائن الشرطة، وقد بدأ نشاطه في 30 يونيو 2014 وتم القضاء عليه تماما قبل أن ينتصف عام 2016 بقتل قائديه وملاحقة خلاياه وكشفها بعد أن نفذ ما يقرب من 47 عملية ومثل إزعاجًا كبيرًا وتحديًا لقوات الأمن.

أما مجموعات شباب الإخوان ومن تواجد معهم من التيارات السلفية ذات الطابع الحركي من أنصار حازم صلاح أبو إسماعيل والجبهة السلفية والتيار الإسلامي العام في اعتصام رابعة العدوية، ممن رفضوا نداء مرشد الإخوان "سلميتنا أقوى من الرصاص"، فقد بدأوا في تأسيس ما أطلق عليها مجموعات العمليات النوعية، خاصة بعد الفض الوحشي لاعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر في أغسطس 2013.

تطورت هذه المجموعات التي اتخذت أسماء متنوعه مثل المقاومة الشعبية والعقاب الثوري إلى تنظيمات أكثر اكتمالا أهمها حسم ولواء الثورة. نفذت حسم عمليات عديدة وحاولت اغتيال المفتي السابق علي جمعة بالقرب من منزله، والمستشار زكريا عبد العزيز. بدأت حسم في الظهور عام 2015 ويُنسب إليها تنفيذ عملية اغتيال النائب العام هشام بركات، بينما أعلنت مجموعة لواء الثورة عن قتل العميد عادل رجائي أمام منزله في مدينة العبور عام 2016، وهو العام الذي أعلنت فيه تلك الحركة عن نفسها.

ولا تزال جماعة حسم تمثل تحديًا لا يمكن غض الطرف عنه وإن كان أقل مما تمثله ولاية سيناء، التي ينحصر نشاطها في سيناء داخل مثلث رفح-العريش-الشيخ زويد.

غنيمة الجماعة

توفي الرئيس الأسبق مرسي في السجن وهرب من استطاع من قيادات الإخوان والمتحالفين معهم إلى تركيا بشكل رئيسي، ويقبع المرشد العام ونائباه خيرت الشاطر ومحمود عزت، الذي قبض عليه مؤخرًا، في السجن مع قيادات الصف الأول الأحياء، بعد وفاة عدد من قيادات الصف الأول وأبرزهم عصام العريان.

تواجه الجماعة محنة أشد قسوة من محنة البرامكة في زمن العباسيين، كما تواجه امتحان الانقسام الرأسي الداخلي بين القيادات والمجموعات التي تُطالب بمحاسبة القادة التقليديين للجماعة بسبب الأخطاء الكبري التي ارتكبوها وقادت الجماعة نحو هذا المصير، وعادت الجماعة لتقول إنه لم يكن مطروحًا على أجندتها الانخراط في ثورة يناير التي اعتبرها إبراهيم منير، القائم بأعمال المرشد، "انتفاضة"، وأكد التمسك بأفكاره الإصلاحية السلمية.

ولو حاولنا تفسير فشل الجماعة في ممارسة السلطة فذلك لأنها حركة دينية ذات طابع عقدي محملة بنصوص مؤسِسة هي رسائل البنا ثم مؤلفات سيد قطب. هذه الحمولة النصوصية أثقلت كاهل الجماعة وحالت بينها وبين القدرة على تقديم اجتهادات ورؤى ذات طابع سياسي يميز بين ما هو عقدي وما هو سياسي، وهو ما حال دون قدرتها على التعامل مع واقع الدولة، وهو مختلف بالضرورة عن واقع الجماعة.

حالة التدين السلفي الإخواني هي التي عطلت أي محاولة للإصلاح أو الاجتهاد داخل الجماعة، بما يأخذها إلى مجال أكثر رحابة في فهم عالم السياسة وقيوده وتقلباته وعواصفه. بقيت الجماعة طوال تاريخها قوة معارضة للأنظمة السياسية لكنها لم تعرف تقاليد الحكم والسلطة، وحين اقتحمتها بدون معرفة كافية غرقت في عواصفها الهادرة وأمواجها المُهلكة التي لا تعرف الرحمة وتحكمها تقاليد الأمير كما شرحها ميكافيللي في كتابه.

بدت الجماعة قبل ثورة يناير وهي تغرق في أوحال التزييف والتسلف الذي يعتمد مفهوم الزُمر والانغلاق والتشدد، ولم يكن خطابها عن المشاركة والقبول الواسع للقوى المختلفة معها سياسيًا سوى قشرة زائفة تبددت حين حان وقت اختبارها وهم في السلطة.

لقد عرفت الجماعة الدعوة والتنظيمات السرية المغلقة والقرارات التي تحكمها بطريركية أبوية لا علاقة لها بالديموقراطية، وحين جاء أوان تعاملها مع الدولة والسلطة والعالم المفتوح بصراعاته المضطربة ومصالحه المتشابكة والمتنوعة، كان البريق أكبر من قدرة الجماعة على الثبات أمامه.

غنيمة السلفيين

أما السلفيون وحزبهم النور فقد قدموا من عوالم كلامية لا تنتمي للعصر بأي حال من الأحوال، وكانوا قبل الثورة يعتبرون السياسة عملًا محرمًا، والبرلمانات عناوين للشرك، والأحزاب هواتف الخلاف والتمزق في الأمة، كنموذج للسلفية المغلقة المتأثرة بالوهابية وتقاطع حتى السلفية الإصلاحية التي عرفتها مصر في مطلع القرن العشرين.

لم يقتصر السلفيون بحكم نزاعاتهم العقدية والفكرية الداخلية على حزب واحد بل وجدنا أحزابًا عدة مثل الأصالة والفضيلة والأمة والراية والوطن، وهيئات علماء ذات طابع سلفي مثل الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح ومجلس شورى العلماء. وفي السلطة كان السلفيون ضد الإخوان فلم يصوتوا لمرشحهم في الرئاسة لا في الجولة الأولي ولا في الإعادة وظلوا منافسين لهم وهم من تحدثوا عن محاولة الإخوان السيطرة على مفاصل الدولة فيما عُرف باسم "ملف أخونة الدولة"، ولم يكونوا راغبين في استمرار الإخوان في السلطة وحضر جلال مرة الأمين العام لحزب النور مشهد عزل الجيش لمرسي يوم 3 يوليو.


كذلك حملت الكتلة السلفية المتحالفة مع حزب النور في الانتخابات التشريعية بعد الثورة، ممثلة في حزبي الأصالة والبناء والتنمية، نفس السمات ذات الطابع السلفي الذي لا يمتلك خبرة أو معرفة بالسياسة وتحالفاتها وطبيعتها. لقد كانت بذور الرفض للدولة كامنة في نفوس من جاؤوا ليحكموها ولذا لم يحاولوا فهمها أو التكيف مع قواعدها وتقاليدها وإنما حاولوا تغيير طبيعتها من الداخل لتكون الدولة الإسلامية، دولة الخلافة و التمكين. بدا الوصول لقلب السلطة من جانب تيارات يمينية ذات طابع محافظ عقدي بعضها أكثر تشددًا من الآخر كمشهد نهاية التاريخ بمفهوم فوكوياما، وهو ما يعني أن لحظة الاكتمال قد تحققت وأن الوجود قد اكتمل وأننا وحدنا وليس غيرنا الأحق بهذا الاكتمال.

كيف يبدو المستقبل إذن؟

لا يبدو أن السلفيين خاصة حزب النور يمثلون تحديا للدولة ذلك أن مشروعهم في الأساس هو مشروع اجتماعي دعوي وليس مشروعًا سياسيًا، فلم يكن الاستيلاء على السلطة والسيطرة عليها جزءًا من مشروعهم وإنما يستخدمون السلطة لدعم مشروعهم الدعوي والاجتماعي وهم قانعون بحالهم الذي هم عليه الآن؛ التواجد الاجتماعي والدعوي بلا مواجهة مع السلطة وقبول ما تسمح به من هوامش.

الإخوان المسلمون هم مَن يعتبرون أستاذية العالم والتمكين مشروعهم وذلك لن يكون إلا بالاستيلاء على السلطة وإقامة الدولة، وهم مستعدون لفرصة تتيح لهم تصالحًا مع الدولة المصرية كما حدث مع السادات بعد صراعهم المرير مع عبد الناصر، بيد أن الإخوان في كل الأحوال يحتاجون إلى ما أُطلق عليه إعادة تعريف ذاتهم عبر اجتهادات حقيقية تجيب عن الأسئلة المتعلقة بالانفكاك تمامًا من التنظيم السري المغلق، ومن التداخل بين العمل السياسي والدعوي ومن اعتبار واضح للالتزام التام بقواعد لعبة سياسية تحترم الدستور والقانون وتنبذ العنف وتغلق كل الأبواب المواربة التي تقود إليه في تقاليد الجماعة وتراثها ورسائلها، وألا يُحجز منتسبو الإخوان داخل تنظيماتها الدينية والسياسية فلهم الحق في الانتماء الحزبي والسياسي لما يشاؤون من الأحزاب وفق انحيازاتهم وأفكارهم.

جماعة الإخوان تواجه تحدي غياب الاجتهاد الفكري داخلها، ومن ثم فالراجح في الأمد المنظور أن تواجه كما هو الحال الآن شتاتًا متبعثرًا لا يبدو التئامُه أمرًا ميسورًا، وليس بعيدًا أن نجد حوارًا بين القيادات في السجن من جهة وممثلي الأمن من جهة أخرى كما حدث مع الجماعة الإسلامية، بيد أن تقاليد الدولة المصرية في ذلك لا تبدو مشجعة، ذلك أن الصراع بين الجماعة والدولة اليوم هو صراع وجودي وليس صراعًا سياسيًا كما كان في عهد عبد الناصر.

أما التيارات القتالية فإنها لا تزال تمثل تحديًا استراتيجيًا في سيناء، أما إذا قرر تنظيم حسم المنبثق عن منتسبين للإخوان خوض مواجهة عسكرية مع النظام، فإن مصيره يبدو بالنسبة لي أشبه بمصير أجناد مصر الذي تم القضاء عليه نهائيًا باكتشاف خلاياه وقتل قياداته.

بعد عشر سنوات من الثورة التي كان شعارها عيش، حرية، عدالة اجتماعية، فإن القوى الاجتماعية الإسلامية المنظمة لم تكن مهيأة لها ولم تكن تملك الرؤية والانسجام مع أهدافها، فكانت جميعها عبئًا على الثورة ولم تكن إضافة لها ورافعة للمضي قدمًا بشعاراتها، خاصة الحرية والعدالة الاجتماعية، إلى التحقق، فكان حالها كحال امرؤ القيس الشاعر العربي الجاهلي بعد تطواف في الدنيا أن عاد مجروحًا راضيًا باحثًا فقط عن حلم السلامة و الإياب: وقد طوّفت في الآفاق حتى ** رضيت من الغنيمة بالإياب.


قراءة ملف "تلك الأحداث" على هذا الرابط