تصميم: المنصة

تلك الأحداث| 10 سنين من الثورة يا نوبة

طُلب مني الكتابة بمناسبة مرور 10 سنوات على الثورة المصرية، وأثر تداعياتها على القضية النوبية في شتى نواحيها. واتفقنا أن يكون النشر في يوم 25 يناير/كانون الثاني، عيد الثورة، في هذا الشهر الذي للمصادفة، يضم عيدًا آخر، يؤرخ في الحقيقة لأكبر نكبة في تاريخ نوبة الشمال، وهو يوم 15 يناير، ذكرى البدء في تشغيل السد العالي والمحو الكامل لحياة وأحلام وذكريات وثروات وممتلكات ومستقبل بشر لمجرد اختلافهم عما يحيط بهم، ورغم فداحة ما تخلفه تلك الذكرى من آلام في أنفس المواطنين النوبيين، اختير ذلك اليوم ليكون عيدًا قوميًا لمحافظة أسوان.

عادة ما ترتبط الأعياد القومية بلحظات تستحق التخليد في ذاكرة الشعب، الذي غالبًا ما يكون هو بطل تلك اللحظة، مثل اقتحام الشعب للباستيل رمز السلطة الطاغية في فرنسا، أو حتى ذكرى انتصار عسكري على مستعمر أوروبي، لطالما روَّج أبناء قارته أنهم لا يُقهرون، ولكن قهَرتهم رماح وسيوف وبنادق الأورمو وغيرهم من قبائل شعب صار يعرف بإثيوبيا حاليًا، فخلَّد يوم 3 مارس/ أذار كأول انتصار لشعب أفريقي على مستعمر أوروبي، لكن أن يصير العيد القومي لمحافظة هو يوم محيت فيها ثقافتها المحلية، فذلك أمر عبثي ولا يختلف في شيء عن احتفال الأمريكيين بيوم كولومبوس وهو السفاح الذي أباد الآلاف من السكان الأصليين للعالم الجديد، بل يبدو الأمر أكثر من مجرد عبث إنه إمعان في التنكيل.

أحلام أهل "نب"

ربما تجاوز ما عنته الثورة المصرية للنوبيين شعار "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية" الذي رفعته وتشارك الشعب بكل فئاته في المطالبة به، كانت الثورة مثل إحياء أمل وأحلام أفنى كبارنا أعمارهم لإدراكهما؛ كانت العودة للأرض التي هُجِّرنا منها قسرًا هي منية شبابهم ورجاء شيخوختهم، 47 عامًا مرت منذ الخروج الأخير وحتى يناير 2011، لم يكف خلالها النوبي الذي قضى شبابه في تلك الأرض عن تذكر النخيل والشمس الحارقة حتى لدغات العقارب، وغيرها من ذكريات سقتها لنا الأمهات مع ما كان يصلنا من غذاء عبر حبل الوريد.

السد العالي- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

في الحقيقة لم تبدأ معاناة النوبيين مع نظام يوليو الجمهوري، وإنما بدأت في عهد الملكية مع بناء خزان أسوان وتعلياته، اللذان أجهزا على القرى القريبة من موقع البناء وقلصا المساحة المزروعة للقرى الأبعد، مما اضطر النوبيون للنزوح إلى المدن الكبرى بحثًا عن لقمة العيش، بعد انتهاء عهد الكثير منهم بالزراعة بغرق أراضيهم، فكل صديق نوبي لديك في الإسكندرية أو القاهرة أو السويس وغيرها، هو حفيد أو ابن لنازح، سواء كان نازحًا بعد بناء السد أو قبل بنائه في سنوات الخزان وطوفانه.

النوبيون الأوائل لم يُنسِهم ما عانوه في تلك المدن التي لم يكونوا يتحدثون لغتها؛ أن يحكوا لأبنائهم كيف كانت بلادهم، حتى أتى الجيل الثالث من نوبيي التهجير مشبعًا بذكريات عن أرض لم يرها، هذا الجيل الذي تربَّى ما بين قرى التهجير أو المدن الكبيرة التي نزحت إليها عائلاته بعد الخروج من النوبة، وتباين من حيث تشكيل وعيه وثقافته وإدراكه، بين نوبي في قرى التهجير يجيد اللغة النوبية، ويعيش ما تبقى من عاداتها اليومية، وآخر في القاهرة منخرط في عوالم حلمت بالتغيير ما قبل يناير، أو مغترب في الخليج أصبحت "شو السالفة" هي مفرداته عند سؤاله عن أحوال أهله في مصر، تشبهًا بأهل تلك البلد أو تأثرًا بسنين غربة قاربت أن تساوي نصف عمره، نماذج متباينة من النوبيين لم يتفقوا على شيء قدر اتفاقهم على أن سبيل عودتهم الوحيد إلى أرضهم الموعودة، يتعارض مع وجود نظام يرتزق من كل ما يلمع، فما بالك بأطماعه في بلاد عرفت بـ "نب" أو "الذهب".

كانت الثورة الفرصة لإزاحة ذلك النظام، فنوبي قرى التهجير ملَّ ضيق العيش في قرى هجرها شبابها، ولم يبق فيها سوى الموظفين وأطفالهم، ونوبي المدينة الذي كان يحج لأسوان كل شتاء، ربما منى نفسه بأن يعود لآدميته في العيش بتلك المدينة، ونوبي الاغتراب ربما اقتنع أن الغطرة، وإن ارتداها لسنين، لا تليق به.

اللحظة مواتية لتحقيق الأحلام وتبديد المخاوف، النظام يترنح، يضطرب فيموج غاضبًا، يسفك الدماء، وتزيد الناس إصرارًا على رحيله، يهادن فيرفض الميدان هدنته، يستجدي فيتعاطف البعض، فيوقظ الدم أنوفًا أخرى فيجمد قلبها ضده، يحاول ترتيب أوراقه، فيملئ اللون المموه الميدان ليطمئن البعض ويتوجس البعض الآخر، يعلن رحيله ويكلف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد، فيظهر على ناصية "محمد محمود" رسم يعلوه كلمة "اللي كلف ما ماتش".

البحث عن دستور

بعد تنحي مبارك ارتفع سقف التفاؤل في الأوساط النوبية بأن حلم العودة قد شارف على التحقق، فمبارك سقط بعد 30 عامًا، وهو ما لم نكن نتخيله في أقصى أمانينا، وقتها كان الأمل لا حدود له، وانخرط النوبيون في الدوائر السياسية علانية، بعد أن كان النوبي السياسي مصدر فزع لأقرانه في عهد مبارك المخيف، وصعدت القضية النوبية إلى السطح، وسارعت الأحزاب إلى ضم الأسماء النوبية الرنانة إلى عضويتها، وبادر عدد من شباب تلك الأحزاب إلى تضمين الملف النوبي في أولوياتهم الحزبية.

ظهرت في ذلك الوقت فكرة دسترة الحقوق النوبية، التي تنادي بحماية الحقوق النوبية داخل الدستور بمنأى عن أهواء من يحكم، فدستور الدولة هو قانونها الأعلى، الذي إذا تضمَّن اعتراف بالحق النوبي، فهو اعتراف من الدولة بذلك الحق بغض النظر عن هوية من يحكمها، وهي الفكرة التي دفعت متبنيها إلى التواصل مع القوى السياسية المختلفة التي ستصوغ دستور ما بعد مبارك، لكن اللجنة المعنية بكتابة الدستور لم تلتفت للأسف للمطالب النوبية التي سُلمت إليها يدويًا في مقر انعقادها في ذلك الوقت بمجلس الشورى السابق، وكذلك تغافلت عما عرف وقتها بجلسات الحوار المجتمعي، التي طاف من خلالها أعضاء تأسيسية الدستور البلاد، عما وُجهت به صراحة في أسوان من مطالبات النوبيين بدسترة حقوقهم التاريخية، فيما اكتفى أعضاؤها بدلًا من ذلك بتوجيه قناطير من المديح لأخلاق وأمانة النوبيين، دون اهتمام بمكيال واحد من حقوقهم في دستور لم يكتب له أو للفصيل الذي احتكر وحده كتابة المشهد السياسي أن يعيش طويلًا.

والنوبة كمان مرة

ثم جاء محمد مرسي، وشهدت بدايات عهده طرح بعض الأراضي النوبية للبيع في المزاد العلني، الذي توقف بعد اعتصام النوبيين أمام وزارة الزراعة منظمة ذلك المزاد، لتمر الأيام وتكشف لنا أن القضية النوبية صارت ما تفضله الفصائل السياسية للضغط والمزايدة على النظام الحاكم، واستخدامها كمظلومية للتدليل على فساده.

لافتات من اعتصام النوبة أمام وزارة الزراعة- الصورة: فيسبوك

ولكن عندما تتحول معارضة الأمس، بقدرة قادر إلى الحكومة وتصير الخصم والحكم في الوقت نفسه، فإنها تستخدم ما توحي بأنه مخاوف أمنية يثيرها الملف النوبي كمبرر للمماطلة في إعادة توطين النوبيين داخل أراضيهم، ليستمر الحال دون انتصار أو هزيمة طوال عهد الإخوان برلمانًا ورئيسًا، إلى الحد الذي ينتفي فيه أي أثر للرئيس محمد مرسي، منذ توليه الرئاسة حتى خلعه، في الملف النوبي إلا مقولته في إحدى لقاءاته الجماهيرية الحاشدة "والنوبة كمان مرة".

بعد سقوط الإخوان ودخولنا الفترة الانتقالية للمرة الثانية بعد تنحي مبارك، ومع الإعلان عن كتابة دستور جديد، حرص القائمون عليه وقتها أن يحظى بأكبر قدر من الإجماع الشعبي لتجاوز ما مرت به العلاقات الخارجية من توتر بعد 30 يونيو، حدث تطور إيجابي حقيقي في الملف النوبي على المستوى السياسي.

وبسبب استمرار الجهود المطالبة بتضمين الحقوق النوبية في دستور الدولة، تمكن النوبيون من فرض ممثل عنهم داخل لجنة الخمسين المختصة بكتابة دستور 2014، وهو الأديب النوبي حجاج أدول، الذي يعد من أبرز المدافعين عن الحقوق النوبية وأحد أهم الشخصيات التي استطاعت أن تضع القضية النوبية تحت الضوء منذ منتصف الألفينيات، وهو الذي حمل داخل اللجنة مطالب نوبية واضحة خاصة بالحق في الأرض والثقافة واللغة، التي ترجمت إلى مواد دستورية منها المادة 226، التي تقر بإعادة توطين النوبيين في بلادهم الأصيلة، وغيرها من المواد التي تجرم التمييز بشتى صوره مثل التمييز اللوني والعرقي الذي يتعرض له النوبيين، والذي يفترض أن تحاربه الدولة، وهو ما لم يحدث حتى اليوم.

تفاءل الشارع النوبي بمقدار ما حققه حجاج أدول وفريقه من الشباب من نجاح في صياغة مواد واضحة، تضمن إعادة حقوق النوبيين في الدستور الذي من المفترض أن يؤدي اليمين الدستورية بناء عليه الرئيس القادم.

النوبة في عهد السيسي

بعد أن خذل "الثلاثاء" حمدين المرشح الرئاسي أمام اللواء عبد الفتاح السيسي، وأصدر الأخير في عامه الأول بعد أن نُصب رئيسًا لمصر، وتحديدًا في ديسمبر/كانون الأول 2014، القرار الجمهوري غير الدستوري المعنون بالقرار رقم 444، بترسيم الحدود المصرية، والذي بناء على نصوصه تم حرمان العديد من القرى النوبية من العودة المدسترة إلى أراضيهم، حيث وضع ذلك القرار أراضي تلك القرى تحت تصرف الجيش، واعتبرها أراض عسكرية يمنع التواجد المدني فيها بالشكل الذي يناقض صراحة مواد الدستور، وهو ما دفع بعض النوبيين إلى رفع دعاوى قضائية ضده، لكنَّها ضلت طريقها داخل أروقة المحاكم إلى يومنا هذا.

من اعتصام النوبة- الصورة: هشام عبد الحميد- المنصة

في الوقت نفسه قاد استياء الشارع النوبي من ذلك القرار إلى تنظيم عدد من الاحتجاجات والوقفات السلمية، من أبرزها ما عرف بـ"قافلة العودة النوبية"، التي تم تنظيمها بعد إعادة طرح أراضي نوبية للبيع لمستثمرين، فخرج النوبيون في قافلة تضم شيوخًا ورجالًا وشبابًا ونساءً اتجهوا جميًعا إلى الأرض النوبية، وهو ما قابلته الدولة بقطع طريق أبو سمبل - أسوان الصحراوي أمامهم، وتركهم دون غذاء أو ماء لإرغامهم على العودة، فاعتصموا على جانبي الطريق لأيام، قبل أن يتم فض اعتصامهم بعد وساطة لنواب برلمانيين مع وعد بعرض المطالب النوبية على رئيس مجلس الوزراء وقتها شريف إسماعيل، وهو الاجتماع الذي أسفر عن وقف المزاد في حينها، دون تطبيق فعلي للمواد الدستورية الخاصة بإعادة التوطين.

أبقى ذلك على الشعور النوبي بالغبن جراء تحايل السلطة على الحقوق النوبية، ما دفع النوبيون للتجمع مرة أخرى للتعبير سلميًا كعادتهم عن امتعاضهم من التمييز الحكومي ضدهم، فما كان من السلطة إلا أن تقبض عليهم على ذمة القضية التي عرفت إعلاميًا بـ"معتقلي الدفوف"، وأسفرت عن أول حالة مسجلة لشهيد نوبي مدافع عن القضية داخل السجون المصرية، وهو الأستاذ جمال سرور، عليه رحمة الله، الذي قتله الإهمال الطبي داخل محبسه؛ امتاز النظام الحالي، للأسف، عن سابقيه بالتعنت والقصور في التعامل مع ملف النوبة، وكأنه في معركة مع عدو لا مواطنين مصريين.

يومًا بعد الآخر يوسِّع النظام من دائرة النوبيين المتضررين من عدوانه، بعد أن كان يمنع أهالي القرى من مهجري السد العالي من العودة إلى أراضيهم، امتد عدوانه إلى الذين يسكنوا قرى النوبة من مهجري ومتضرري خزان أسوان، فتارة يتعدى عليهم بالوكالة عن رجال أعمال طامعين في الأراضي التي عرفت إعلاميًا بقضية جزر أمون وقلادة، وتارة أخرى يعيد سيناريو نزع الملكيات من أهاليها مثل ما حدث بقريتي غرب أسوان وغرب سهيل، وهما حادثتين متفرقتين اعتقل نوبيين على إثرها من ضمنهم أطفال.

للأسف نجتر كنوبيين ذكرى الثورة العاشرة بأحزان فاقت مثيلاتها قبل 2011، وحلمًا متوارث يرفض أن يزاحمه حلم آخر.

"أبا ياسا، أبا فيسكنا".
هل سنستطيع اعتبار أن هذا لم يحدث؟


قراءة ملف "تلك الأحداث" على هذا الرابط