تصميم: المنصة

تلك الأحداث| عشر سنوات من اكتساح "الأعداء" تشريعيًا

"لا يسوغ للمشرع أن يجعل من نصوصه العقابية شباكًا أو شراكًا يلقيها ليتصيد باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها، فالجزاء الجنائي لا يكون مُبَرّرا إلا إذا كان واجبًا لمواجهة ضرورة اجتماعية تكافئه جسامة وخطرًا، بتناسبه مع الفعل المؤثم فإن جاوز ذلك كان مفرطًا في القسوة مجافيًا للعدالة، ومنفصلًا عن أهدافه المشروعة، أي الدستورية".

بتلك العبارات الرائعة وضعت المحكمة الدستورية العليا في حكم صدر يوم 2 ديسمبر/ كانون الأول 1992، المحددات التي يجب أن يرعاها المشرع وهو بصدد ممارسته لسلطاته التشريعية التي لا يجوز لسلطة أخرى التدخل فيها.

أكثر من 150 عامًا هي عمر العمل النيابي والتشريعي في مصر، منذ تأسيس مجلس شورى النواب عام 1866، مرت خلالها تلك المؤسسة بالعديد من التحديات والأحداث السياسية والاجتماعية التي أثقلت خبراتها وأرست قيمًا قانونية ومبادئ تشريعية جعلتها الأعرق في منطقة الشرق الأوسط.

لكن أعتقد أن الكتابات التقييمية للعمل التشريعي لتاريخ تلك المؤسسة، سوف تعجز عن إيجاد أية صلة بين منتجها التشريعي القديم، ومنتجها في العشر سنين الأخيرة. إذ يمكن وصف الأداء التشريعي في السنوات العشر الماضية، بأنه كان أداءً تشريعيًا استهدافيًا، حُددت أهدافه بدقة ليكون غطاءً كافيًا لمنح السلطة التنفيذية القدرة على السيطرة على المجال العام الذي تُمارَس فيه كافة الحقوق والحريات، دون الالتزام بقواعد المشروعية الدستورية أو الإجرائية أو حتى المشروعية العقابية القائم عليها النظام المصري منذ عقود، والتي رأت فيها السلطة التنفيذية والتشريعية أيضا عائقًا منيعًا يستوجب إزاحته حتى تتمكن السلطات من السيطرة على المجال العام، دون التعرض لانتقادات.

كما مثّل الأداء التشريعي في السياق ذاته استجابة ومرونة غير مسبوقة في تلبية احتياجات الحكومة فيما يتعلق بإجراء تعديلات جوهرية على بعض التشريعات، التي أثبتت ممارسة السلطة التنفيذية في تلك الفترة عدم كفايتها للسيطرة على الأوضاع، فراحت تلغي قوانين وتعدّل بعضها، لدرجة أنها أقرت تشريعات تضمنت عبارات ألغيت في مرحلة ما قبل ثورة يناير، وذلك حتى تتوائم مع الواقع التنفيذي.

هذا الهجوم الكاسح أدى إلى اختلال القاعدة الدستورية المستقرة على أن السلطة التنفيذية هي سلطة إنفاذ القانون، الذي يقره المشرع للصالح العام وليس لصالح سلطة بعينها.

وبذلك أصبح كل الأشخاص المعارضين أو المنتقدين للسياسات العامة عرضة للحبس الاحتياطي.

واندفعت الآلة التشريعية الجبارة في الهجوم خلال السنوات العشر الماضية، بدعوى تنظيم الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، إلى درجة تمسّ أصل العديد من تلك الحقوق لدرجة أعدمتها وأنهتها كليًا، وفي هذا الطريق الكاسح قضت على الضمانات التي أقرها الدستور لممارسة تلك الحقوق، ومن بينها الحق في التجمع والتظاهر، وحرية الرأي والتعبير، والحق في المعرفة والوصول إلى المعلومات، والحق في تكوين الجمعيات والانضمام إليها، وكذا الحق في محاكمة عادلة ومنصفة، ونظرًا لكثرة تلك التشريعات فإن المقال لن يتسع لتناولها جميعها، لذلك سوف يقتصر هذا التحليل على بعض التشريعات الموضوعية، دون التعديلات الدستورية أو القوانين المكملة للدستور نظرًا لأهمية الأخيرة والتي قد تكون بحاجة إلى مقال مستقل.

سأتتبع في هذا النص الأداء التشريعي في تلك المرحلة، لأخرج باستنتاج نهائي هو أن هذا الهجوم الواسع عبر ستة مسارات واضحة أدت إلى المرحلة الحالية التي يمكن تسميتها بمرحلة الإغلاق الكامل للمجال العام، وذلك على النحو التالي.

المسار الأول: استهداف الحق في التجمع

منذ اندلاع ثورة يناير عام 2011 مثلت المظاهرات والاحتجاجات والاجتماعات العامة أبرز المكتسبات التي حصل عليها المواطنون المصريون، ومثّل استخدام هذا الحق على نطاق واسع إزعاجًا كبيرًا لحكومات ما بعد الثورة، بل وصل لحد النظر إلى ممارسة هذا الحق باعتباره تقويضًا لسلطة الدولة، ووصف في العديد من المرات باعتباره أعمال فوضى، فكان هذا الحق هو أول الحقوق التي تم التصدي لها تشريعيًا من قبل سلطة رئيس الجمهورية حينذاك في غيبة البرلمان.

من مظاهرات عمال النقل العام أمام مجلس الوزراء. سبتمبر 2011: صورة برخصة المشاع الإبداعي: حسام الحملاوي- فليكر

وفي نوفمبر/ تشرين الأول 2013 صدر القانون رقم 107 لسنة 2013 بشأن تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، ليكون القاعدة التشريعية التي تسمح بتقويض الحق في التجمع والتظاهر، بعد أن تضمن العديد من النصوص التي تجعل ممارسة الحق في التظاهر أمرًا مستحيلًا، حين اشترط الحصول على موافقة وزارة الداخلية على التظاهرات قبل تنظيمها، وأعطى الحق لطالب المظاهرة في التظلم من قرار الوزارة أمام محكمة الأمور المستعجلة، وجاءت معظم نصوص القانون مخالفة لأحكام الدستور.

ورغم الطعن بعدم دستورية العديد من نصوصه أمام المحكمة الدستور ية، التي أصدرت حكمًا بعدم دستورية المادة العاشرة منه، لكن هذا القانون وما تبقى من مواده تمكَّن وبشكل قاطع من القضاء الكامل على حق المواطنين في التظاهر، وبشكل واقعي في وقف قدرة أية جماعة سياسية أو غير سياسية على تنظيم مظاهرات أو مواكب للتعبير عن الرأي أو الاحتجاج، وهو القانون الذي تسبب تطبيقه منذ صدوره، في حبس الآلاف من الذين حاولوا ممارسة حقهم الدستوري في التجمع أو التظاهر أو الاحتجاج السلمي.

المسار الثاني: استهداف الأمان الشخصي

كما كان الحق في الحرية والأمان الشخصي من أهم النتائج التي حققتها ثورة يناير خاصة بعد إعلان وقف العمل بقانون الطوارئ في أعقاب الثورة، ومن قبلها إلغاء المحكمة الدستورية للمادة 3 من هذا القانون التي كانت تسمح لوزارة الداخلية بإلقاء القبض على المواطنين لمدد محددة من أجل السيطرة على المجال العام. فأصبحت ضمانات المواطنين في الحرية والأمان الشخصي وعدم التعرض للقبض التعسفي يحكمها قواعد قانون الإجراءات الجنائية، والذي كان يتضمن العديد من الضمانات التي تحمي المواطنين من الاعتداء على حريتهم أو تعريضهم للحبس دون مقتضى.

ولمواجهة هذا الوضع تشريعيًا، تحركت الدولة عبر محورين؛ الأول ضمان عدم إخلاء سبيل المقبوض عليهم بعد أحداث 30 يونيو، والثاني توفير الغطاء التشريعي الكافي الذي يمّكن السلطات من القبض على الأشخاص وإخضاعهم للحبس دون الحاجة إلى إعمال قانون الطوارئ، أو العودة لاستخدام حق الاعتقال بعد أن ألغته المحكمة الدستورية.

وإعمالًا لهذا التوجه؛ أصدر رئيس الجمهورية قرارًا بقانون رقم 83 لسنة 2013 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، الذي سمح لمحكمة النقض أو للمحكمة التي تُحال إليها القضية من محكمة النقض، أن تأمر بحبس المتهم احتياطيًا لمدة 45 يومًا قابلة للتجديد في بعض الأحكام، دون التقيد بالضمانات المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية، التي كانت تحدد سقفًا زمنيًا محددًا لسلطة المحاكم في الحبس الاحتياطي، لم يكن يتجاوز 18 شهرًا في كل مراحل الدعوى من التحقيق حتى صدور الحكم.

ثم تلى ذلك تعديل يقضي برفع مدد الحبس الاحتياطي إلى سنتين إذا كانت التهمة الموجهه عقوبتها المؤبد أو الإعدام. وبذلك أصبح بإمكان السلطة التنفيذية أن تتسبب في حبس المتهم احتياطيًا لمدة عامين بدلًا من 30 يومًا كما كان في قرارات الاعتقال الإداري التي ألغيت، ولا يستلزم منها الأمر سوى تحرير مذكرة تحريات تنسب فيها للمتهم أفعالًا قد تكون عقوبتها المؤبد أو الإعدام، ليبقى المتهم محبوسًا احتياطيًا دون محاكمة لمدة عامين أو أكثر في بعض الأحيان.

وبذلك أصبح كل الأشخاص المعارضين أو المنتقدين للسياسات العامة عرضة للحبس الاحتياطي، دون حماية لفقدان قدرتهم على التمتع بالضمانات الممنوحة لهم في قانون الإجراءات الجنائية.

المسار الثالث: استهداف الحق في التنظيم

لم يسلم الحق في التنظيم أيضًا من الهجمات التشريعية القاتلة، فرغم أن دستور 2014 يتضمن بابًا للحقوق والحريات هو الأفضل من بين جميع الدساتير المصرية المتعاقبة، لكن سعي بعض القوى السياسية إلى محاولة استخدام تلك الحقوق المنصوص عليها في الدستور المتعلقة بالحق في التنظيم وتكوين الأحزاب والمشاركة في الحياة العامة، ما كان يجب أن يستمر طويلًا بعد إقرار الدستور، وكان يجب مواجهته في أسرع وقت.

لذلك تم استخدام مناخ ارتفاع معدلات أعمال العنف المسلح من الجماعات المتشددة التي شهدتها أعوام 2013 -2015، لتكون ذريعة لصدور أسوأ وأخطر تشريع مصري منذ بدء الحياة البرلمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، هذا القانون الذي هدد وما زال يهدد كل الجماعات والأفراد، والكيانات بخطر السجن المشدد، عن أي تصرف أو سلوك وصفه هذا القانون بأنه عمل إرهابي.

في عام 2015 كانت الخطوة الأولى بإصدار القانون 8 لسنة 2015 بشأن تنظيم الكيانات الإرهابية، الذي حاول تعريف الكيانات الإرهابية دون وضع تعريف محدد لمعنى كلمة إرهاب.

رئيس الوزراء الأسبق شريف إسماعيل أثناء إلقاء كلمته بشأن إعلان حالة الطوارئ. أكتوبر 2017. الصورة:  صفحة مجلس الوزراء- فيسبوك

يُذكر أن كل النظم القانونية في العالم تقف عاجزة عن تعريف معنى الإرهاب كجريمة، وما استقر عليه حتى الآن في تعريف الإرهاب بأنه "تلك الأفعال المقترنة بالعنف بغرض الإجبار على تغيير سياسات عامة في الدول".

إصدار هذا القانون دون تعريف دقيق للإرهاب، أخضع كافة الكيانات والتنظيمات السياسية وغيرها لخطر الملاحقة بتهمة التأسيس أو الانضمام إلى جماعة إرهابية. وأدخلت تعديلات كثيرة على هذا القانون لتشمل الشركات ووسائل الإعلام، وأمام الضغوط التي تعرض لها النص تم حذف وسائل الإعلام، ولكن يبقى أثر القانون ممتدًا على الشركات المؤسّسة لوسائل الإعلام وغيرها، حيث ظل تعبير الشركات في القانون مفتوحًا ليشمل أي نوع من الشركات.

ثم تلى ذلك إصدار القانون رقم 94 لسنة 2015 الأسوأ سمعة والمسمى بقانون مكافحة الإرهاب، الذي أفرط في تعريف معنى الإرهاب ليشمل كل التصرفات والأفعال والسلوكيات المقترنة بالعنف وغير المقترنة به، التي يمكن أن يمارسها شخص أو مجموعة أشخاص أو جماعة أو شركة أو مؤسسة سياسية كانت أو غير سياسية، بصرف النظر عن شكلها القانوني، فقد وضعها هذا القانون في مصاف الأفعال الإرهابية.

وتضمن هذا القانون أكثر من 40 سلوكًا وتصرفًا إنسانيًا يمكن اعتبارها أفعالًا إرهابية، كفيلة بأن تهدد كل مقومات المجتمع الفردية منها أو الجماعية، وتجعلها في مرمى نيران هذا التشريع المخل إخلالًا جسيمًا بكل قواعد الدستور والمشروعية العقابية والإجرائية، الذي يتضمن عقوبات تصل للسجن المؤبد والإعدام.

المسار الرابع: استهداف الصحافة والإعلام

كان من المتوقع أن يتم استهداف الصحافة والإعلام لما لهما من دور حيوي وبارز في ترسيخ حق المجتمع في المعرفة، بالإضافة إلى أنهما من الآليات الهامة لممارسة حرية الرأي والتعبير في المجتمعات الديمقراطية. وجاء هذا الهجوم التشريعي على شؤون الصحافة والإعلام عبر ثلاث خطوات انتهت بالسيطرة الفعلية والكاملة على النحو التالي:

إصدار القانون 92 لسنة 2016 بشأن التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام كتشريع أولي وعاجل، ضَمن وبشكل نهائي حق السلطة التنفيذية في تعيين واختيار رؤساء المؤسسات والهيئات الصحفية والإعلامية. وذلك عبر تشكيل مجلس أعلى لتنظيم الإعلام مكون من 13 عضوًا.

وارتفعت معدلات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل المواطنين، وهو الأمر الذي تم مواجهته بتشريع آخر.

تلى ذلك إصدار القانون 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام، الذي اتسمت معظم نصوصه بالاتجاه نحو التقييد والمركزية، وخفض عدد أعضاء المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلى 9 أعضاء بدلًا من ثلاثة عشر في القانون السابق، وأكد منح رئيس الجمهورية الحق في اختيار الأعضاء من بين مجموعة ترشّحهم الهيئات الإعلامية المختلفة. كما منح هذا القانون صلاحيات عديدة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام من أهمها حق المجلس، وفقًا للمادة 19، إصدار قرارات من شأنها حجب المواقع الإلكترونية أو الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي أو المدونات، وهو القانون الذي تسبب في حجب المئات من المواقع الصحفية في تلك الفترة، ولا يزال.

ثم انتهى الأمر بالعودة مرة أخرى لمنصب وزير الإعلام بالمخالفة لأحكام الدستور، لتخضع مرة أخرى شؤون تنظيم الصحافة والإعلام للسلطة التنفيذية ممثلة في وزير للإعلام، بالمخالفة للتوجيهات الدستورية التي تقضي بإلغاء هذا المنصب وخضوع شؤون تنظيم الصحافة والإعلام إلى مجلس مستقل مكون من أعضاء تلك المهن.

المسار الخامس: استهداف العمل الأهلي

على الرغم من أن الدستور الجديد منح المواطنين الحق في تكوين الجمعيات، وأن يكون ذلك بمجرد الإخطار وحظر تدخل جهة الإدارة في أعمالها، لكن منظمات المجتمع المدني حظت بالعديد من التشريعات التي سعت إلى تهديدها تارة، أو إخضاعها لسلطة الأجهزة الأمنية تارة أخرى وقد تم ذلك عبر محورين.

المحور الأول عبر إصدار القانون رقم 90 لسنة 2017 بشأن تنظيم عمل الجمعيات الأهلية، وهو القانون سيئ السمعة الذي أحال كافة شؤون تأسيس وعمل المنظمات الأهلية إلى لجنة مكونة من ممثلي كافة الأجهزة الأمنية تشكل داخل وزارة التضامن الاجتماعي، سمح لها بالتدخل في كافة أعمال الجمعيات الأهلية، وبسبب هذا الإفراط في النصوص التي تهدف إلى السيطرة على المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان تضررت أيضًا الجمعيات والمؤسسات التي تعمل في مجال التنمية وغيرها من مجالات العمل الأهلي، لذلك لم يستطع هذا القانون الصمود أمام الانتقادات الحادة التي وُجهت إليه سواء كانت محلية أو دولية، وأدى ذلك إلى وقف العمل به وإلغائه، وهو القانون الذي تسبب في تهديد كل قطاعات العمل الأهلي في مصر.

المحور الثاني: استبدال قانون آخر حمل رقم 149 لسنة 2019 بالقانون الملغي 90 لسنة 2017 لتنظيم العمل الأهلي، صدرت لائحته التنفيذية منذ أيام قليلة، حاول المشرع فيه تفادي الانتقادات التي وجهت للقانون السابق، وخاصة المتعلقة بدور الأجهزة الأمنية في الإشراف على عمل الجمعيات، وهو القانون الذي لم يختلف عن سابقه إلا في قليل، وقد اتَّحدا سويًا في الهدف إلى تقييد العمل الأهلي وإخضاعه لجهة الإدارة.

المسار السادس: استهداف السوشيال ميديا

وترتيبًا على الآثار التي خلفتها معظم التشريعات السابق ذكرها وأهمها التسبب في غلق المجال العام أمام معظم مكونات المجتمع، زادت معدلات محاولة التعبير عن الرأي عبر الوسائط الإلكترونية، وارتفعت معدلات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي من قبل المواطنين، وهو الأمر الذي تمت مواجهته بتشريع آخر.

في العام 2018 صدر القانون 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، بغرض مكافحة الجرائم الإلكترونية، ولكنه سرعان ما اتجه نحو محاصرة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، بالعديد من النصوص التي تجرم العديد من الممارسات الطبيعية للأفراد المستخدمين لتلك الوسائط، واستخدام عبارات فضفاضة كانت نهت عن استخدامها المحكمة الدستورية المصرية في النصوص العقابية، مثل "تهديد السلام الاجتماعي" و"تهديد الوحدة الوطنية"، و"تهديد الاقتصاد القومي للبلاد"، تلك العبارات التي تسببت في توجيه العديد من الاتهامات للعديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وما تزال مستخدمة وتتسبب في سجنهم.

بالإضافة إلى منح هذا القانون للسلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية الحق في طلب البيانات المتعلقة بالمستخدمين، بما هدد مبدأ الخصوصية المنصوص عليه في الدستور. وقد تسبب هذا القانون وحده في حبس واستمرار حبس آلاف المواطنين بتهمة إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ونشر أخبار كاذبة عبرها.

تلك كانت عينة ضئيلة جدًا من خلال نظرة على السنوات العشر الماضية من الأداء التشريعي، التي ادّعت الدولة أنها شرعتها بغرض تنظيم شؤون المجتمع، ولكنها امتدت للمساس بأصل الحقوق المراد تنظيمها، فتسببت في القضاء على الحقوق جميعها، بداية من الحق في الحرية والأمان الشخصي والخصوصية، مرورًا بالحق في التنظيم والمشاركة في الحياة العامة، وانتهاءً بحرية الرأي والتعبير والحق في الحصول على المعلومات وتداولها.

وأعتقد أن معظم تلك التشريعات التي جاءت معظم نصوصها مخالفة لأحكام الدستور المصري، لن تستطع الصمود أمام المحكمة الدستورية إذا ما شاءت "الأقدار" أن تذهب تلك القوانين إليها، لفداحة وجسامة مخالفتها للقواعد الدستورية المستقرة ولمبادئ المشروعية الإجرائية والعقابية التي قام عليها النظام التشريعي المصري، الأعرق في منطقة الشرق الأوسط.


قراءة ملف "تلك الأحداث" على هذا الرابط