تصميم: المنصة

تلك الأحداث| نادي الـ11 تحت الأرض

"لو سمحت ممكن تشيل الفيديوهات دي؟ بتفكرنا بذكريات مؤلمة جدًا" تعليق أحد مشجعي الزمالك على فيديو نشره صديق في إحدى صفحات فيسبوك الخاصة بمشجعي الزمالك. كان الفيديو من مباراة الزمالك والإسماعيلي يوم 1 فبراير 2012، وفيه يظهر لاعب الزمالك محمود عبد الرازق، شيكابلا، وعلى وجهه علامات القلق والرعب بمجرد علمه بالأنباء القادمة من مباراة المصري والأهلي، فيما عرف لاحقًا بـ "بمذبحة بوسعيد".


بعد عودة عائلتي نهائيًا من السعودية، كان الوطن يقبع في تلك المساحة الزمنية لوقت ما بعد الظهيرة، التي تسبق الانتقال لإذاعة خارجية لنقل أي مباراة، يمكنك سماع حركة الأثاث في كل منزل بمدينة نصر مطلع الثمانينيات، مخلوطة بصوت الترام القادم من ألماظة مع مزامير بائعي غزل البنات، واللكنة الإنجليزية الرصينة لمعلقي بي بي سي الآتية من راديو جارنا الأسكتلندي جورج الجالس دومًا في شرفته أيام الآحاد، ممارسًا لوجوده الموازي كعاشق مهووس لنادي ليفربول.

خارج تلك المساحة الزمنية كان تدريبات متواصلة في كيفية التظاهر وادّعاء المشاعر المزيفة والفوز بألقاب الاستحسان والرضا، وكلما كان الإدعاء من طفل بهذا السن كبيرًا كانت المكافأة أكبر. في ذلك الغلاف الجوي أنت لست مصريًا بما فيه الكفاية، لست متدينًا بما فيه الكفاية. كل شيء ليس بما فيه الكفاية. ساعات اليقظة هي اختبار لمدى قدرتك على تقديم قرابين الطاعة، على أمل الظفر بحبات الفول السوداني المعنوية التي يرميها لك أناس مأزقهم الوجودي آنذاك هو الاختيار بين استثمار مدخراتهم مع السعد أو الريان أو الشريف، وبين جارهم الذي يحاول إقناعهم بالانضمام للبيزنس الخاص به والذي سيخلصهم من فظائع البنوك الربوية.

كادر ملون في فيلم أبيض وأسود

ما بين رسومات بابا ماجد عبد الرازق، ومغامرات الفقرة الزراعية، ومسلسل السابعة والربع، وجلسات مطولة مسجلة لمجلس الشعب، وحديث الروح، ومراسم توديع مبارك قبل الذهاب إلى برلين أو لندن؛ كانت ساعات البث المباشر من أي ملعب هي الوطن المؤقت الذي يجسد أي فكرة لها علاقة بـ "المِلكية"، أو الـ ownership، في مضمونها المعنوي والنفسي. إنها المساحة التي لا تتبع بأي حال أحمد رشدي وزير الداخلية أو والدي على حد سواء. هو النشاط البشري الوحيد في المليون كيلومتر مربع الذي لم تنجح محاولة ترويضه. هو المقطع الملون في فيلم بالأبيض والأسود. وهي التفصيلة التي استغرق نظام مبارك وقتًا طويلا لفهمها، حالفه النجاح كلما ركب الموجة أو انقلبت به كلما غلبه الطمع للتحكم في نسقها.

من تنظيم مباراة عام 87 بين الأهلي والزمالك ريعها مخصص لسداد ديون مصر إلى استثمار تجربة الصعود لكأس العالم والوهج الشعبي، أو السخط على شخص مثل محمود الجوهري. ممتطيًا الموجة الشعبوية في التعامل مع نشوة الانتصار أو مرارة الاندحار، ما بين قرارات رئاسية بالتعيين أو استجابة وزارية برلمانية للمحاسبة والعقاب والإقالة. لعبة ركوب الأمواج كانت لها مدة صلاحية حتى اللحظة التي أخطأت فيها السلطة قراءة التغييرات في اللوحة، بداية من البروز المتصاعد للطبقة المتوسطة العليا في المدرجات، وانحسار المنتمين للطبقات العاملة بداية من كأس أمم أفريقيا 2006، والذي أتاح وجود وجوه جديدة في طبيعة العلاقة في نشاط الكرة المصري، وتحولها لعلاقة الزبون بسلعته المفضلة، بداية من تذكرة الدخول للمناسبات الكبرى وحتى كيفية استهلاك مشاهدة المباريات تلفزيونيًا، وسطوة أكبر للمعلنين، والصعود المتنامي لأسلوب أكاديميات الكرة للناشئين كوسيلة جديدة في الترقي الاجتماعي.

ركوب فاشل للأمواج

تلك العلاقة المتغيرة مع سلعة الكرة وتزامنا مع دخول الطبقة المتوسطة العليا "مسرح الجماهير" أحدثت تناميًا مضادًا متصاعدًا مع ظهور روابط الألتراس، بمميزات ثقافية وطبقية تجاوزت "براءة" طبقات جماهير الدرجة الثالثة سابقًا. ظهرت طبقة جديدة، ليصبح الإنفاق والتنظيم أكثر تعقيدًا، وبنمط شبه موازٍ للروابط في شكلها العالمي في محاولة منها للإبقاء على "المِلكية" التي توفرها كرة القدم لجماهيرها، من خلال تبني مواقف قد تبدو راديكالية في حدتها وربما متناقضة في توجهها بين معاداة الشرطة، واستهجان زيادة أعداد الفتيات والسيدات في المدرجات بتلك الإشارة المتكررة في الفترة بين 2006 وحتى 2010، إلى حاجة النادي أو المنتخب في مباراة ما لـ"رجالة أسود"، ومناشدة السيدات بالاختفاء المؤقت لعدم الحاجة إليهن.

كان الخطأ التاريخي لسلطة مبارك متمثلًا في إساءة اختيار معركتها للبروباجاندا مع مباراتي الجزائر في تصفيات كأس العالم 2010 والتي سمحت بمشاركة كاسحة، لم تغب عنها النخب الأكثر ثقافة، في إظهار الشوفينية المصرية وذاتها المتضخمة كأحد أسلحة الفوز بهذه الحرب.

صدمة الهزيمة، وتحديدًا الأكاذيب التي تم نسجها حول "حملة أم درمان" في نهاية 2009 عمّقت من قراءة السلطة لحالة التحول الاجتماعي التي عرفتها كرة القدم خلال سنوات مبارك الأخيرة، للدرجة التي تحولت معها أكثر التوجهات يمينيةً إلى واحد من أصعب الأرقام في معادلة التغيير في شكلها اليساري بعدها بعام ونصف فقط. وهو تحول فشل الجميع، وفي مقدمته التيارات الثورية، في قراءته تمهيدًا لنهايته التراجيدية في بورسعيد.


الزبون الغائب

مع هبوب رياح عشرينيات هذا القرن أضحى نشاط الكرة المصري تجسيدًا للتعليق الشهير من مرتضى منصور، رئيس الزمالك السابق، في 2018 بأن فريقه "واجه فريقًا على أرض الملعب، وفريقًا من 11 لاعبًا تحت الأرض"، مفسرًا هزيمة الزمالك بثلاثية في إحدى مباريات الدوري بدور السحر والجن في دحر أكثر قوى المنطق الدنيوي، مؤكدًا أن "السحر بمقدوره التفريق بين زوج وزوجته، فهل يصعب عليه التفريق بين لاعب وشبكة المرمى".

حالة الإنكار التي ما زالت تحوم في الأجواء عقب مجزرتي بورسعيد والدفاع الجوي، جعلت محاولة تفسير أي ظاهرة تتعلق بالنشاط الشعبي الوحيد المتبقي في مصر، أمرًا مستحيلًا. البقاء في موقع الثبات، بينما الخلفية الورقية تتغير آليًا بما يبدو أنها مناظر وأماكن جديدة، رغم أنها نفس اللوحات ذات الألوان الباهتة التي تخلق حالة ديجافو لا تتوقف، فيها كل ملامح المعارك الوهمية لفترة مبارك، مع تغيير فائق الأهمية يتمثل في إقصاء "الزبون" نفسه من المعادلة.

الأمر يبدو وكأنه عمل تجريبي يمكن من خلاله إجراء عملية جراحية دون مريض، أو زفاف دون عروس، أو تعلم اللغة اليابانية دون معلم، يتم من خلاله نسف مفهوم الـowenership بشكل تدريجي، لتقام أنشطة ومسابقات ومنافسات بدون جمهور. ولما يقرب من تسعة أعوام كاملة في "تجربة" لم تمر بها الكرة البوسنية على سبيل المثال خلال حرب البلقان في التسعينيات، أو الجزء التركي من قبرص والتي تتمتع بمسابقة دوري محلي خاص بها منفصلة عن القبارصة اليونانيين، ولا حتى ما تقوم به السلطات الأرجنتينية حاليًا من حظر حضور المباريات على جمهور الفريق صاحب الأرض، فيما اعتبرته العديد من الأصوات المحلية بأنها وصفة ممتازة لإحداث خلل في النشاط الجمعي للأرجنتينيين، وفي عملية سلب لواحدة من تقاليده حتى في التواصل اليومي، عملية سلب يتوقع البعض بأنها ستُحدث تأثيرًا بالغًا لن يُعرف مداه إلا بعد عقد من الزمان على أقل تقدير.


مرتضى منصور و11 لاعبًا تحت الأرض

تقسيم الكعكة/ أكل العيش

تحويل أهم نشاط عفوي من الحياة العامة حول المشهد إلى ساحة لأندية افتراضية من لاعبين يقبعون "تحت الأرض"، إلى حوض سمك يتم النظر إليه عن بعد دون لمسه، تحويله إلى صفحات لا نهاية لها من التابلويد.

سنوات تحاكي واقعة ضرب شوبير للمعلق أحمد الطيب على الهواء مباشرة دون أي محاولة لوضع هذا "الحدث الاستثنائي" في سياق أكبر وأشمل. أيادٍ خفية تحرك المناظر الخلفية فقط. عملية سلسة لتحويل مفهوم "الملكية للجماهير" إلى وسيلة لكسب الرزق وأكل العيش. فالإعلانات يمكنها تمويل برنامج يتناول بالساعات عملية انتقال مليونية للاعب ما إلى نادٍ ما، ولكنه لن يُنفق دقيقة واحدة في مناقشة حدوث هذا في سياق وصف مرتضى منصور بأنه يعيش في بركة من أعمال السحر وتناول المنشطات والتلاعب التحكيمي. وهي كارثة بإمكانها أن تثير الانتباه بأي نشاط تعود ملكيته لما يسمى بالجماهير.

ولكن يبدو هذا نوعًا من العته إذا ما وضعنا في الاعتبار واقعة تلقي أغلب المجتمع الصحفي الرياضي أظرف مكتظة بالنقود كـ"هدية" من مسؤول حكومي ينتمي لدولة أخرى تصادَف أنه يمتلك أحد الأندية المنافسة بقوة محليًا. وهو نفس المسؤول الذي استضاف على طائرته الخاصة أحد كبار الإداريين من اتحاد الكرة المصري أثناء كأس العالم 2018 ، على الرغم من وقوع بلد تلك الشخصية اللامعة في نفس المجموعة مع المنتخب المصري.

ماتت الصناعة والفرجة لكن بقي الجزء المتعلق بـ"أكل العيش" حيًا، مع قبول تشكيل مجتمعات متفرقة من الجن السفلي لها عشرات القنوات الخاصة على اليوتيوب للتصريح بالآراء وإعلان المواقف، على أمل تحقيق أكبر عائد من منصات السوشيال ميديا المتناثرة، مع عنوان أضحى كلاسيكيًا: شاهد "س" يفتح النار على "ص" ويقوم بجلده وقصف منتصف جبهته. عشرات التحليلات عن أداء الأهلي أو الزمالك في المباراة الأخيرة، عشرات الآلاف من المشاهدين في بث مباشر لواحد من مشاهير الوسط، لا أحد فيهم يجرؤ على طرح أبسط سؤال وأهم سؤال في العشر سنوات الماضية: لماذا تم إطفاء النور في استاد مذبحة الأول من فبراير في بورسعيد؟

أو حتى طرح أسئلة أبسط وليست شائكة مثل: كيف يمكن لشخص اعترف بتزويره لانتخابات دائرته في انتخابات 2010 البرلمانية أن يستمر كواحد من الأصوات المؤثرة في الساحة؟ أو هل شركة بريزنتيشن تابعة للدولة، أم شركة خاصة تابعة للمخابرات؟ ما هو سياق ظهور شركة استادات والتي تسيطر على جزء كبير من كعكة السوق الرياضي؟ أو ما صحة الاعترافات التي قدمها أحد المحامين وتتعلق بدور رئيس الزمالك السابق في أحداث مفصليّة مثل موقعة الجمل أو مذبحة الدفاع الجوي؟

إنه سياق يحركه 11 لاعبًا تحت الأرض، ويشاهده 11 متفرجًا تحت الأرض أيضًا.

ربما أطلّ مفهوم "المِلكية" برأسه في مناسبات متفرقة تعود في أغلبها إلى سطوة وسائل التواصل الاجتماعي كعلامة أخيرة على بقاء ما يسمى بالمجال العام، كما حدث في واقعة استبعاد عمرو وردة من اللعب مع منتخب مصر في كأس أمم أفريقيا 2019 على خلفية اتهامات بالتحرش الجنسي، أو تلك الحملة السيبرانية التي أقامها الثنائي عبد الناصر زيدان وأبو المعاطي زكي، لتحريك الأصوات في دائرة ميت غمر لإسقاط مرتضى منصور في انتخابات 2020 البرلمانية، وذلك من خلال حلقات بث مباشر على يوتيوب امتد بعضها لـ12 ساعة متواصلة، ناهيك عن حملات الدعم الشعبي على تويتر لمحمد صلاح نجم ليفربول الإنجليزي في علاقته المتوترة بالاتحاد المصري للعبة.

الأيام الطبيعية

كل ما سبق هي علامات تبدو مثيرة للاهتمام، إلا إنها لا تنفي حقيقة أن المجال العام يعيش حالة من إيهام النفس بأنه يعيش حياة طبيعية بها انتخابات وميزانيات وانتقالات وصراعات، يمتلك فيها الشخص رفاهية وجوده في المعادلة كعضو نشط، دون أن يدري أن هناك جيلًا كاملًا من الأطفال والمراهقين لا يعرف معنى حضور المباريات في المدرجات، وأن هناك مساحة للعفوية الخالصة حتى في المشاهدة المنزلية. شيء لم تتم معايشته بشكل حقيقي سوى في احتفالات الجماهير بالصعود للكأس العالم في أكتوبر 2018، إنها حالة الإيهام التي تتبع في الأغلب حالات كرب ما بعد الصدمة، ولا تعني بأي حال تجاوزها.

محاولات فهم أبعاد حالة الإيهام تبدو مرهقة، ولكن ربما بدا منطقها واضحًا عندما ركبت برفقة سائق تاكسي في طريق عودة خانق إلى مدينة نصر في طقس شديد البرودة ليلًا على طرقات مرهقة واحتمالات متزايدة بسحب الرخصة في أي وقت، ووالدي يرقد في المستشفى. وسط كل هذا يخرج صوت المعلق خافتا من راديو السيارة المتهالك، أنها مباراة لفريقين في منتصف جدول مسابقة الدوري. يبدو السائق شاردًا دون أن يفقد اهتمامه بأي تفصيلة من تفاصيل المباراة، لفت نظره أن تلك المباريات فعليًا بلا روح، ليجيب بشكل مقتضب دون أن يترك سيجارته "إحنا عارفين يا بيه، بس هي بتخلي الأيام تعدي كأنها طبيعية".


قراءة ملف "تلك الأحداث" على هذا الرابط