تصميم: المنصة

الحياة قبل يناير: من التاريخ السري للإنترنت في الأقاليم

تواجهني اليوم تهمة مؤلمة؛ أنني شخص ممل. وُجهت إليّ هذه التهمة من عدة أصدقاء، ومن أخي الأصغر أيضًا، بسبب أنني لا أحب ألعاب الكمبيوتر، ولا أندمج في الألعاب ذات الجرافيكس عالي التقنية سواء على الموبايل أو اللابتوب.

لا أنكر أنني اليوم بعيد جدًا عن الجيمينج بشكل يجعلني لا أعرف كيفية تشغيل معظم الألعاب، رغم التطور المهول في مؤثرات الألعاب واعتماد معظمها على اصطناع قصة أو سيناريو مصاحب لتحدياتها، لإضافة هالة من التشويق حول جوهر اللعبة. آخر مرة غرقت في لعبة تحتوي كل تلك الإمكانيات، كانت من عشر سنوات أو أكثر، أثناء دراستي الإعدادية، أصابني هوس بلعبة تدعى Conquer، طيلة سنتين أو ثلاثة، ولم أشف منه إلا بقيام الثورة.

قبيل الثورة بسنوات قليلة كان الإنترنت في مدن الأقاليم بدعة جديدة، رغم دخوله المنازل والشركات في القاهرة عام 1997 ثم انتشاره وألفة أهل القاهرة معه في مطلع الألفية، إلا أنه وصل إلينا متأخرًا وبسرعة تكاد تكون معدومة. في ذلك الوقت كنا نعيش في قرية من قرى البحيرة، وكانت هناك محاولات مستميتة من أبي كي يوصل الإنترنت لكنه لم يستطع أبدًا بسبب انعدام الإمكانيات في قرى مصر وقتها. في 2006 انتقلنا للعيش في مدينة من المدن الجديدة، التي بُنيت ضمن مشروع مبارك للتنمية العمرانية، كانت تتوفر بها خدمات جيدة، أفضل بكثير من القرى، لكن ما زالت بعيدة تمامًا عن إمكانيات العاصمة.

كاد حلم أبي، وحلمي من بعده، بتوصيل الإنترنت أن يتحقق، لولا رؤية أمي وتعنتها تجاه الإنترنت، بعدما أقنعتها الأخوات في المسجد أنه شيطان هذا العصر بما يبثه من إباحية وفجور. كانت أيامي كئيبة جدًا، فالمدن الجديدة في مصر لا زخم فيها ولا روح ، بسبب تصميمها غير المعد إلا للسكن، واغتراب معظم ساكنيها عن مدنهم الأصلية، عندها كانت الإثارة الوحيدة في حياتي هي الإقامة في "السايبر" لممارسة لعبتي الأثيرة conquer.


فيديو تعريفي بلعبة Conquer


في سايبر مستر عاطف

كلمة سايبر أو cyber تعني بالعربية "إلكتروني". كانت هذه الكلمة هي الوصف الرسمي بين المراهقين لأي محل من المحلات التي تقدم خدمة الإنترنت، والتي كان يفضل ملاكها أن يدعوها "نت كافيه". كنت صغيرًا جدًا عندما عرفت أول سايبر في حياتي، كان عبارة عن عدة أجهزة كمبيوتر مرصوصة على رخامة بيضاء في إحدى غرف مركز الشباب. ستظل تلك الكمبيوترات المرصوصة هي السمة الأساسية في أي سايبر أعرفه بعد ذلك. في نهايات 2007 عرفت لعبة conquer ، وظللت أبحث عن سايبر بسعر معقول لا يحرق نقودي التي أخنصرها من الدروس الخصوصية، وبعيد عن بيتنا حتى لا تضبطني أمي متلبسًا.

كان سايبر "المستر عاطف" هو منقذي الأول، رغم أنني لم أحب ذلك المكان أبدًا، إلا أنه كان مناسبًا جدًا لإشباع رغبات المراهق الريفي، وإرضاء كل طموحاته. كان السايبر شقة من شقق الدور الأرضي، في إحدى بنايات إسكان الشباب التي بنتها المحافظة، وهي النواة الأولى التي تأسست عليها مدينتنا الجديدة. كتب أحدهم على الباب الخشبي "سايبر عاطف" بحبر أحمر باهت ومتقشر، فور ما تدفع الباب وتدخل، ستحتاج لعدة ثوانٍ حتى تعتاد عينيك الظلام، ثم دقيقة كي تعتاد أذنك الضجيج، فغالبًا ما تكون الشقة مغلقة تمامًا ومكتظة بالمراهقين الهاربين من المدرسة أو الدروس الخصوصية، أو الراغبين في تمضية الوقت بحثا عن "جيم" مجاني أو حتى سيجارة.

بعدما تعبر شبورة الدخان والضجيج، ستجد إلى يسارك مكتبًا خشبيًا نصف متهالك، عليه كمبيوتر عتيق، يجلس خلفه المستر عاطف بنفسه. لا أعرف ما الذي كان يدرِّسه المستر عاطف، ولا لأي مرحلة بالضبط، إلا أنه كان مصرًا على مناداته بالمستر، رغم بساطته في الكلام وابتسامته التي تدفعك دفعًا إلى مد فترة حجزك إلى ما لا نهاية إذا أمكن، إلا أن غلطة عمرك ستكون أن تناديه "عاطف" دون لقبه المفضل. كان المستر يستقبلك بتلك الابتسامة، ثم يتلقى طلبك ليوجهك إلى إحدى غرفتي الشقة، اليمين لطالب الانترنت، واليسار لطالب البلايستيشن.

شقة المستر كانت أشبه بالغرزة حرفيًا، لا يدخلها الضوء أبدًا، ودائمًا ما تكون مكمورة بدخان السجائر المتسرب من وحول الستائر التي تغطي الشبابيك وتفصل الأجهزة عن بعضها، ثم هناك السجائر التي تتنقل بين أطراف الأصابع في كل ثانية، ومحاولات التغطية الدائمة على متفرجي السكس في الجهاز المعزول في الركن. كان الجلوس لمدة ساعة كاملة في تلك الشقة كفيلًا بأن يفتك بعينيَّ وأنفي، لكن حبيبتي conquer كانت مُصَمَّمة، ككل الألعاب طبعًا، كيلا تتركها أبدًا.

أول لقاء لي بتلك اللعبة كان بسبب زميلي في المدرسة، بعدما أخبرته بهيامي بسلسة هاري بوتر، وحبي لجو العوالم الفانتازية والسحرية. أخبرني أنني سأجد مبتغاي في تلك اللعبة. من اللحظة الأولى التي فتحت فيها واجهة المستخدم للعبة أصابتني رعشة من رعشات النشوة، كنت أراقب صور الأنيميشن وهي تتحرك على الشاشة فتسيل أفكاري داخل دماغي كما يسيل لعابي في فمي. فكرة اللعبة الأساسية أنك تخلق لنفسك شخصية أسطورية؛ محارب يتحدى الكون إن أردنا وصفًا شديد الدقة. يهبط محاربك إلى أحد عوالم اللعبة لتبدأ في تأسيس حياته على مهل، تختار ملابسه وأسلحته والفرق والتحالفات التي ستساعده في مهتمه، ثم تبدأ في جمع النقاط وتنفيذ المهمات التي يخبرك بها الكون، أو العقل المفكر للعبة.

المبهر بالنسبة لي كانت فكرة العوالم الواسعة التي تخلقها اللعبة، عوالم أكثر بكثير مما تخيلتها، وفانتازية بشكل لا يمكنك منع نفسك من تمني العيش فيها، وأعتقد أن هذا ما حاولت فعله حرفيًا بالمكوث في السايبر أكثر وقت ممكن، ملتصقًا بشاشة الكمبيوتر ما استطعت.

عن السايبر وإضرابات المحلة

في 2008 كانت الاضرابات في المحلة عاتية جدًا، حاولت الحكومة مواجهتها بقمع العمال وتتبع المحرِّكين. هنا اكتشفت الحكومة عالمًا آخر يعيش فيه الشباب اسمه الإنترنت، لتبدأ التضييق على السايبرات وأصحابها. كنت في ذلك الوقت أبحث عن بديل لسايبر المستر عاطف، فبعدما ضيَّق عليه أمناء الشرطة جدًا بسبب انعزال مكانه، وتناثرت الشبهات حول شقة السايبر عن الحشيش والسكس وغيرهما، والتي كانت أقرب للحقيقة نوعا ما. وقتها أُفتتح سايبر جديد، لكنه للأسف كان قريبًا من بيتنا.

أثناء جلسة محاكمة عمال المحلة. صورة برخصة المشاع الإبداعي: حسام الحملاوي- فليكر

صاحب السايبر الجديد كان يدعى عباس، وسيظل يعرف السايبر باسم "سايبر المستر عباس"، ولا أعرف سبب ذلك الارتباط الوثيق بين اسم السايبر واسم صاحبه. عباس كان مدرسًا بالفعل في مدرسة الصنايع الفنية، لكن لا أتذكر مادة تخصصه. المهم أن سايبره كان أفضل بكثير في تقديم الخدمة؛ بابه مفتوح للهواء الطلق، وتتراص فيه الكمبيوترات على جانبين من الرخام الأبيض، مع مقاعد جلدية مريحة، عيبه الوحيد أنه لا يمكن التخفي فيه، سواء بسيجارة أو بفيديو أو حتى محادثة لا تريد أن يشاهدها من يقف ورائك.

كنت في إجازة الصيف بين الإعدادي والثانوي عندما أصبحت زبونًا دائمًا لدى المستر عباس. حاولت كثيرًا أن أكون صديقه حتى أفوز بعدة دقائق زيادة على الحجز، أو حتى الجلوس والاستراحة بين الدروس أثناء الدراسة، لكنني لم أفز بتلك الصداقة أبدًا، بل لم يتذكرني عباس أبدًا. كان رجلًا تظهر في ملامحه البرود، شعره أصفر وعيناه واسعتان، بضحكة سمجة تقفلك من الدنيا وما فيها، لا أعتقد أنه امتلك ولو صفة واحدة تحبب في المراهقين كي يقضوا عنده وقتًا أطول. كانت لديه جملة أساسية يرددها كل نصف ساعة تقريبا، ليسمعها أي وافد جديد "ما فيش كلام في السياسة، ما فيش كلام في السكس.. ما فيش سيرش عن السياسة، ما فيش سيرش عن السكس".

بالطبع لم يكن عباس ليفهم إذا بحثت عن أحد المدونين الذين ذاع صيتهم في تلك الفترة كالبراء أشرف أو وائل عباس، لكنه كان سيفهم لا محالة إذا بحثت عن مظاهرات المحلة أو وقفات كفاية و 6 أبريل. كان الملل من لعبة Conquer بدأ يسترب إليّ، بسبب أنني لم أعد أحظ بأي تقدم فيها، وقتها اكتشفت أنا وزملائي لعبة Medal of Honor التي كانت أكثر جماعية وأكثر قربًا للأحداث المحيطة بنا. تلك اللعبة كانت تعتمد على غريزة البقاء حيًا، حيث يتبارى اللاعبون جميعًا في قتل بعضهم بعضًا، والفائز هو من يبقى حيًا حتى النهاية، فيمكن اعتبارها أحد الآباء الروحيين لأشهر الألعاب الحالية مثل PUBG أو Free Fire وغيرهما.


من لعبة Medal of Honor


كانت تمر الأيام علينا في السايبر، نتابع نتائج تصفيات كأس العالم، ونبحث في ويكيبيديا عن تصنيف الفرق والمنتخبات، وخصوصًا الجزائر، الخصم المؤكد في مجموعتنا المؤهلة لكأس العالم، ثم نفتح اللعبة ليختار كل منا سلاحه ومخبأه ويحاول النجاة من أعدائه. أعتقد أننا أخذتنا سكرة النشوة بتلك اللعبة طويلًا والأدرنالين المتصاعد في دمائنا، حتى إننا صنعنا حسابات على فيسبوك ونسينا استخدامها، ثم لم نُفق إلا على صوت المستر عباس وهو يثور على أحد زملائنا، ويجرجره بعيدًا عن شاشة الكمبيوتر المفتوح على مشهد عار لبراد بيت وأنجيلينا جولي من فيلم Mr. & Mrs. Smith، كان عباس يشخر ووجهه محتقن جدًا وهو يقول "مش أنا قلت ما فيش دين أم سكس؟".

موقعة الجزائر وتعليمات الأمين

ظللت بعدها فترة مبتعدًا عن أي سايبر، كنت متأثرًا بموقف الطرد الجماعي الذي تعرضنا له، ومراقبًا من أبويّ في البيت بسبب المذاكرة والدروس. بعدها بفترة أرشدني أحد أصدقائي إلى سايبر في وسط المدينة، وكالعادة كان معروفًا باسم صاحبه: سايبر هاني. في الحقيقة لم أشعر بأي ألفة في سايبر هاني، لكنني كنت مضطرًا للجلوس عنده لتصفح الإنترنت وتقضية الوقت بين الدروس أو الهرب منها. بدأت أرتبط بفيسبوك نوعًا ما، خصوصًا عندما وجدت معظم أصدقائي يقبلون عليه، مع موقع Ask أيضًا، لكن أكثر موقع فرقع في دماغنا في تلك الفترة كان موقع Tagged بطريقته الغريبة والمبتكرة في إتاحة التعارف بين الشباب والبنات.

كان الوقت يروح ويجيء في محاولة إرسال رسالة إلى أنثى على فيسبوك أو تاجد، وانتظار ردها، على أمل أن تكون رميت سنارتك في المكان الصحيح، وليس مجرد حساب مزيف صنعه شاب آخر ليتسلى بالضحك قليلًا على بعض من جرفهم الشوق لأي أنثى. في أثناء انتظار ردود الفتيات، كنا نفتح صفحة بحث أخرى لنتابع أخبار منتخب كرة القدم الذي كانت تنتظره مواجهة مصيرية مع الجزائر. ذلك الشتاء كان قاسيًا في برودته، لكنه ظل مشحونًا بمشاعر غل ملتهبة وموجهة ناحية الجزائر.

قبل مباراة القاهرة بأيام، تناقلت هواتفنا الصينية فيديو بشكل فيروسي مدته خمسون ثانية لراقصة ترتدي بدلة رقص خضراء وترقص متناغشة، وكتب على الفيديو: "ارقصي يا خضرا"، في دلالة جنسية أن الجزائر تستعد للهزيمة الموجعة على يد المنتخب المصري. بعد مباراة القاهرة التي انتهت بفوز المنتخب بهدفين للا شيء، كانت ليلة صاخبة جدًا في الشارع وعلى الإنترنت.


كان صعبًا جدًا أن تجد جهازًا فارغًا في سايبر، لكن الأمر استحق أن تعافر قليلًا، لتفتح حسابك في فيسبوك وتكتب أي شيء يعبر عن نشوة النصر العارمة، أو تفتح موقع تاجد وتختار كل الفتيات الجزائريات لترسل لهن رسالة ذات فحوى جنسي فاحش، أو رسالة مواساة رقيقة على حسب رغبتك. تلك النشوة العارمة ماتت فورًا في غضون ليال بعد مبارة أم درمان التي فازت بها الجزائر، لنعود كلنا مكسورين لا نرغب في تصفح الإنترنت أو حتى رؤية أي جهاز كمبيوتر؛ أصل ماذا يمكن أن ترسل للجزائريات في تلك الليلة؟

بعد عدة أشهر، قبيل صيف تلك السنة، أدخل هاني على السايبر بعض التعديلات، قلل عدد الأجهزة، ورصها كلها بحيث تكون الشاشات ناحية الباب، فيكشف للجالس على الجهاز الرئيسي كل ما يتصفحه الجالسون بالداخل. كان التغيير الأكبر هو تسجيل اسمك والرقم القومي إذا كنت قد استخرجت بطاقة، أو رقم هاتف والدك إذا لم تكن استخرجت بطاقتك بعد. كان تغييرًا صادمًا وصارمًا، وربما لم نفهم مغزاه في لحظته.

تعلل هاني بعدها بصوت قلق أنها تعليمات أحد أمناء الشرطة من القسم. لم نفهم ما الذي دفع الشرطة أن تشدد على أصحاب السايبرات لهذه الدرجة المقيتة، فما الذي يهم في بضعة صور يشاهدها مراهقون على فيسبوك، أو البنات اللاتي لا يقرأن الرسائل على موقع تاجد. بعد وقت فاح في الجو خبر شاب الإسكندرية الذي قتل على يد المباحث. قالت الأخبار إنه كان أحد شباب الإنترنت، وقال التلفزيون أن الخطر قادم من السايبرات. أصبح الوقت في أي سايبر ملولًا جدًا ومشوبًا بالقلق، انحسرت الرغبة في البحث وتصفح المواقع المختلفة، وظهرت على السطح الألعاب من جديد، خصوصا لعبة Fifa وبعض ألعاب فيسبوك الغبية كالمزرعة السعيدة. كان الشتاء على الأبواب، ونظرات هاني القلقة وهو يسجِّل الأسماء وأرقام البطاقات تدل على أن شيئًا ما قادم لا محالة.