تصميم: المنصة

ثورة موازية للثورة: حياة قصيرة بين هروبين

أستيقظ فَزِعةً كل يوم منذ ثلاثة أشهر. لا تفلح محاولات الهرب من كل الطقوس الصباحية في جلب بعض الهدوء ودائمًا ما تنتهي بي إلى الوقوف في شرفة ذلك المنزل الذي يطل على جبل صنين في لبنان. ما زلت لا أستطيع أن أسميه منزلي وما زلت لا أعرف لماذا جئت إلى هنا.

أصبحت أستدعي الثورة كثيرًا إلى ذاكرتي، الثورة التي حملت لي حتى الآن حياتين؛ انتهت الأولى التي استمرت عقدًا لتبدأ الثانية على أنقاض هذا العقد الذي فقدت فيه كل ما كنت أنتمى إليه، مثلما فقد جيلنا ثورته، وأنا أتساءل؛ "إلى أين؟".

بدأت حياتي الأولى منذ عشر سنوات مع محاولات الهرب من السجن الأبَويّ، وأُسدل الستار عليها يوم الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، عندما كانت طائرتي تقلع إلى لبنان؛ منفاي "الاختياري" الذي دُفعت إليه دفعًا. ساعة واحدة قطعت خلالها الطائرة 686 كيلومترًا وجدت نفسي بعدها في حياة جديدة يفترض أنها "حياتي"، ولكنني ما زلت لا أعرف عنها الكثير.

جبل صنين من شرفة المنزل الجديد. تصوير: بسمة مصطفى

كمائن "السلطة" تنتهي في الزنازين

قبل تسع سنوات كنت فتاةً سمراءَ نحيفة الجسد حالمةً عمرها 19 سنةً يملأ الشبق روحها، لا الشبق إلى ممارسة الجنس، بل لتكسير كل قيد يعرقل رغبتها الإنسانية في التعرف على ذاتها وأحلامها. أستقلُّ قطارًا للهرب من مدينة كفر صقر في محافظة الشرقية إلى القاهرة، لأستمر في عملي كصحفية في البديل الجديد، بعد محاولات استمر فشلها طوال عام الثورة لعقد اتفاقات مع أسرتي لتسمح لي بالاستقلال عنهم والعمل صحفية. مع كل اتفاق نبرمه، كانوا ينقضون عليه. انتهى الاتفاق الأخير في بدايات عام 2012 بحبسٍ استمر لفترة لا أستطيع الآن تذكر كم استمرّت من كثرة تشابه هذه الأيام عليّ.

صادروا هاتفي وحاسوبي وحُبسِت في غرفة وضعوا على نافذتها حديد، غرفة تشبه الزنزانة التي قضيت فيها ثلاثة أيام في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي داخل سجن النساء بالقناطر الخيرية. حُمِلتُ إلى الغرفة عنوة بعد كمين أعدّه أبي عندما عرف أنني قد اضطر للمبيت في الميادين للقيام بعملي بحجة أنَّ عليَّ الاستعداد لامتحانات الكلية التي مُنعت من حضورها لاحقًا كي لا أستغل الفرصة وأهرب، تمامًا كما حُمِلتُ إلى زنزانة بعد كمين مُحكم انتظرني في الأقصر التي ذهبت إليها لتغطية ميدانية لم أكن أعرف أنها ستكون المحاولة الأخيرة للعمل في مصر.

في إحدى ليالي الحبس داخل منزل أبي تمكنت من الهرب ووجدت نفسي أخيرًا في القطار المتجه إلى القاهرة. كان ثمن التذكرة ثلاثة جنيهات ولم يكن معي سوى خمسة اقترضتهم من عاملة في محل كوافير مجاور. ما زلت أتذكر ملابسي حينها؛ بنطلون جينز وبلوزة وحذاء أبيض، كان معي طقم خروح وحيد وغيار داخلي وحيد خرجت بهم. قررت تغطية شعري الذي حلقته لي أسرتي كالصبيان كنوع من العقاب على خلع الحجاب، كان عليَّ أن أخبئ وجهي حتى لا يعرف أحد عليَّ.

شهدت حياتي بعد محاولة الاستقلال عن أسرتي وحدةً تامةً في مجتمع لا أعرف فيه أحدًا. مرت سنوات وأنا أبذل الكثير من الجهد كي أشعر بالتأقلم والاندماج والحب والتقبل، بوجودي كإنسانة، بعدما انسلخت عن كل ما كنت أعرفه وأشعر بالألفة تجاهه حتى لو لم أكن أشعر أنني أنتمي إليه. كان انسلاخًا قاسيًا، خسرت معه كل امتيازات العائلة التي لم تحبني كما أستحق، كنت أعيش ثورةً شخصيةً موازيةً لثورة 25 يناير اندلعت بداخلي، ودّعت معها كل القوالب التي وضعني فيها أبي.

كان وعيي كالمصباح الذي يضيء فجأة بعد انقطاع الكهرباء عنه لسنوات.

كيف بدأ كل شيء؟

كان الثلاثاء 25 يناير 2011 هو آخر يوم لي في امتحانات التيرم الأول من امتحانات الفرقة الثالثة لقسم اللغة الفرنسية في كلية التربية. أنهيت الامتحان وخرجت لأجد الحرم الجامعي وقد أصبح ثكنة عسكرية يملؤها جنود الأمن المركزي. كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها قوات أمن مركزي، رن هاتفي لأجد والدي يطلب مني العودة إلى المنزل على الفور دون الاحتكاك بما يحدث حولي، توجهت للمنزل وعلمت وقتها أن هناك مظاهرات في الشوارع من أجل التغيير، أدركت الآن أن هناك عالمًا كاملًا لا أعرف عنه شيئًا، لكنني شعرت بالانتماء لهؤلاء الثائرين المتمردين على أوضاع البلاد، ووددت لو أكون مثلهم.

التحقق الدراسي كان على رأس اهتمامات أسرتي، لذلك كنت متفوقة دراسيًا. هذه طريقة ناجعة كي أجد عريسًا مناسبًا خاصة مع بعض الالتزام الديني والذي كان بالنسبة إليَّ شكليًا، ارتديت النقاب نفاقًا لهم في محاولة بائسة لتسول حبهم، وكي أحظى بالقليل من الوقت لي خارج المنزل، لأنه كان ممنوعًا على فتاة مثلي أن تتنزه في أيام العطلة مع الأصدقاء أو الأقارب، وكانت هذه الطريقة الوحيدة كي أرى الشارع؛ أن اذهب إلى المسجد لحضور حصة القرآن.

هذه كانت ملامح حياتي في السنوات العشر قبل الثورة، سجن وضعتني فيه أسرتي مغلفٌّ بالخوف من التعبير عن نفسي، حتى الشيء الوحيد الذي كنت أجد نفسي فيه وهو ممارسة الرياضة، تحديدًا ألعاب القوى، حُرمت منها عندما منعوني من الذهاب إلى النادي بعد دورتي الشهرية الأولى وأنا في الصف الثاني الاعدادي. قوالب محددة لي صنعها أبي لا أستطيع تجاوزها حتى بالتعبير عن نفسي بصيغة التمنّي.

ومع هذا الحضور المؤذي لأبي، ظللت أبحث دائمًا عنه طوال السنوات العشر التي قضيتها وحدي في القاهرة بعد أن انتزعت قرار استقلالي.

قبل الهروب. الصورة بإذن خاص للمنصة

حملت لي ثورة يناير حدثًا هامًا غير مسار حياتي وكأنها تقول لي "هذه فرصتك". ألقت الشرطة العسكرية القبض على أبي في مارس/ آذار 2011، بتهمة انتحال صفة ضابط عسكري، وقضت المحكمة العسكرية بحبسه سنتين، ومن هنا بدأ الحلم.

نزلت إلى الميدان على الفور، لم تستطع والدتي فرض السيطرة التي كان يفرضها حضور أبي، بدأت المشاركة في المسيرات و الصياح بالهتافات والمبيت في الميدان. التحقت للعمل بموقع البديل الجديد، أخيرًا شعرت بالحب وسط هؤلاء الذين لم يعرفوني ولم أعرفهم، استمديت منهم قوتي الداخلية التي ساعدتني على اكتشاف نفسي، والتي بدأت تثور أيضًا لمحاكمة والدها عسكريًا رغم إنه مدني ثم إدانته بجريمة لم يرتكبها، حتى استطاعت تغيير مصير سجنه وإعادة إجراءات محاكمته والحصول له على البراءة، في مشوار من النضال لا أعلم كيف استمر تسعة أشهر.

تمنيت لو أن مساعدتي لأبي غيرت فيه شيئًا جعله يجد فيّ بعضًا من المسؤولية تسمح لي بأن أختار ولو مرة واحدة الطريق الذي أريده، لكنه حاول فرض سلطته مرة آخرى، لكن الذي لم يعلمه في هذه المرة هو أنني وجدت نفسي مع الثورة التي علمتني أن أقول "لا" بشجاعة، وأن بسمة الجديدة التي أنجبتها الثورة داخلي لم تعد قابلة للمصادرة، قلت له "لا" وأصبحت كما أريد.

مع المظلومين.. ومنهم

بدأت بشغف العمل في الصحافة، اخترت تحديدًا ملف حقوق الإنسان وكأني أبحث عن حقوق بسمة الإنسانية في التمسك بحلمها في مواجهة سلطة أبوية لا تزال تحاول فرض سيطرتها عليّ، فقط لأنني قررت أن أكون نفسي المختلفة عما يريده أبي، كنت أشعر بالظلم دومًا في علاقتي معه، لذلك كنت أبحث في عملي عن المظلومين، المنبوذين، المرفوضين اجتماعيًا، الذين هم أبطال في حياتهم ولكن لن يراهم أو يسمعهم أحد، مثلما فعل أبي الذي لم يرَني يومًا واحدًا.

وودت لو تأتي الفرصة دائمًا لأشارك قصتي مع الآخرين؛ ويبدو أن هذا اليوم قد أتى، كنت أتمنى في هذه اللحظة أن أشارك قصة واحدة وهي رحلتي من الريف إلى المدينة، وكيف كانت مليئة بالتحديات التي استطعت مواجهتها، وكيف استطاعت الثورة أن تغيّر بداخلي شيئًا. بالنسبة لي كانت تجربتي هذه أهم مكتسبات الثورة من منطلق شخصي بحت، لم أكن أتوقع أن يكون لهذه القصة وجه آخر لا أستطيع مواجهته بعد فضلًا عن استيعابه من الأساس، لأنها تعيدني مرة ثانية من حيث بدأت، وكأن حياتي مجرد مشهد واحد يعيد تكرار نفسه في دائرة عقاب لا نهائية، عقاب على الحلم.

أتساءل بغضب؛ لماذا يعاقبني الجميع؟ أليس من حقي أن أحلم؟ مرة عاقبتني أسرتي لأنني انتميت للثورة التي جعلتني أحلم أن أكون صحفية، واليوم أعاقب ثانيةً بعد تراجع هذه الثورة وهذه المهنة التي كنت أحلم لأجلها. يباغتني هذا التساؤل مرارًا وتكرارًا منذ وصلت إلى لبنان مع كل حمام دافئ أحاول به احتواء نوبات الهلع والسيطرة على أفكار إنهاء حياتي، النابعة عن شعور بأن كل هذا غير حقيقي وغير واقعي، وأنني نائمة أحتاج فقط لأن يساعدني أحد من أحبهم على الاستيقاظ.

الثالث من نوفمبر 2020 أسدلت، بدون استئذاني، كلمة النهاية على حياة العشر سنوات التي منحتهم لي الثورة مع الكثير من الإنجازات، و بدأت حياةً آخرى بالهرب أيضًا ولكن هذه المرة كان هربًا لم أختره ولم أكن أريده. أخلى النائب العام سبيلي بعد ثلاثة أيام على قرار حبسي 15 يومًا بعد اتهامي بالانتماء إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. وضعوني على ذمة قضية رقمها 959 أمن دولة عليا بعدما قبضوا عليَّ فور وصولي إلى الأقصر لتغطية مقتل الشاب عويس الراوي على يد أحد أفراد الأمن.

أعتقد أنني محظوظة لأن ما حدث لي أقرب إلى معجزة لا تحدث كثيرًا مع زملاء مهنة وأصدقاء من الميدان يقبعون في السجون منذ سنين بلا أي جريمة ارتكبوها تستحق الحبس، جريمتهم الوحيدة كانت الأمل بوطن أفضل، هذا الحظ الذي منحته لي صدفة عشوائية للنجاة من حبس كان مرشحًا أن يطول سنوات، يشعرني بالذنب تجاه ما يحدث لهؤلاء الحالمين الذين يدفعون من سنين أعمارهم فقط لأنهم ثابتون على عهدهم مع ثورتنا. كُتب علينا نحن الحالمين دفع الأثمان بين موت وسجن ومنفى.

بسمة مصطفى - بإذن خاص للمنصة

لم تكن هذه المرة الأولى التي أتعرض فيها للاعتقال بل الثالثة، ومع ذلك ظللت أؤمن بمهنتي وقدرتها على تغيير الأوضاع للأفضل رغم المخاطر التي تحوم حولنا نحن الصحفيين. بحسب منظمة "مراسلون بلا حدود"؛ يقبع الآن أكثر من ثلاثين صحفيًا داخل السجن، وتعرض أكثر من 500 موقع صحفي للحجب.

عندما نلت حريتي؛ كنت أخطط لأخذ قسط من الراحة أستأنف بعده عملي كصحفية مرة أخرى، ولكن ما حدث أن قوات الأمن زارتني مرتين في بيتي. لم يقابلوني ولكنهم فضلوا مقابلة جيراني، علمت حينها أن هذه رسالة لي مفاداها أن لا حياة لي هنا؛ لا صحافة، لا أحلام مجددًا، بل سأظل حبيسة حتى لو لم تكن هناك زنزانة يقف على أبوابها حراس.

يدفعني كل ما حولي هنا، مع شيء من الإنكار، إلى استعادة هذه اللحظة التي اتخذت فيها قرار الرحيل، حتى أنني صرت أبحث عن اسمي "بسمة مصطفى" على جوجل فأجد أخبار القبض عليّ التي تجعلني أصدق أن كل هذا حقيقي وأنني لم أفقد عقلي بعد من الصدمة التي تقول لي إن هذا غير حقيقي.

أكره ما يحيط بي هنا، تلك الجبال العالية الخضراء والشوارع المرتبة، والصمت حولي عندما أحاول الحبو، وكأن قدماي رفضتا الخروج معي من مصر. هنا لا أحد يعرفني، لا أتحدث إلى أحد ولا أحد يتبسم لي، لا أحد يراني أو يشعر بوجودي، فقط وحدي أتألم بدون وجود صديقتي ندى التي كنت سأبكي في حضنها في وقت كهذا كما كنت أفعل دائمًا ثم نأخذ جولة بالسيارة في شوارع القاهرة المزدحمة على صوت أغاني المهرجانات ملتقطين لأنفسنا بعض لقطات الفيديو توثيقًا لليوم، أو ربما كنت سأتوجه إلى مقر المنصة وأتناول وجبة الإفطار وسط زملائي ونتبادل أطراف الحديث عن الطعام الذي نحب في الشرفة التي يزينها الزرع والورود.

أو ربما في وقت كهذا كنت سأتوجه إلى العيادة النفسية التي بدأت التردد عليها منذ ثلاثة سنوات، ودائمًا ما كنت أشعر أنها البيت عندما لا أعلم أين أذهب في مثل هذه الأوقات، بعد أن وجدت فيها معنى أن يكون العلاج النفسي هو المداواة بالحب. ربما كنت سأحاول تجميع أصدقائي ريم وعمر وأحمد وعاصم وكريم ومروان في مطعم تبولة، ونترك المجال لأحمد ليختار لنا أطباق العشاء ثم الحلوى، كنا نعتمد دائمًا عليه في ذلك، ودائما ما أمتع بطوننا في العشاء الذي كنا نلتف حوله بشيء من السعادة بأصناف لذيذة. ربما كنت سأطلب من مصطفى أن يعزمني على فنجان قهوة، ثم أسأله متى سيتزوج وأنني أريد أن أحضر حفل زفافه وعليه أن يحقق لي هذه الأمنية وأن يكون عريسًا يومًا ما. تحققت أمنيتي في الوقت الذي لم أكن موجودةً فيه، كنت هناك ولكنني سأظل وحدي هنا دون كل هؤلاء، ودون نفسي أيضًا التي أعرفها، أيُّ قسوة هذه التي تحملها لي الحياة الجديدة؟

الليلة الأخيرة لي كانت موحشة ومفزعة مثل كل الليالي التي أعيشها الآن، أتذكرها وأنا أنظر إلى كل قطعة أثاث في بيتي؛ بصمت وعيون دامعة. وودت لو كنت أستطيع ضم هذا البيت كما أضم أصدقائي حين أودعهم، أمسكت بهاتفي والتقطت بعض الصور ومقاطع الفيديو، مثلما كنت أفعل دائمًا لتوثيق الذكريات داخله، ولكن هذه المرة ستكون الذكرى الأخيرة لي، ليس فقط داخل بيتي، كانت الذكرى الأخيرة لي في كل ما انتمي إليه.

أنظر الآن إلى المنزل الآن الذي أسكن فيه واتذكر أن بيتي في المعادي كان أول مكان أشعر فيه بأن لي بيت، والآن عدت مجددًا بلا بيت استطيع أن أضع عليه ياء ملكيتي. يحملني كل هذا رغمًا عني إلى الخواء، رفيقي الوحيد، بلا أرض ثابتة أقف عليها، والآن عليّ البحث مجددًا لأجد أرضًا اقف عليها ولا تتركني. ما زالت أود أن تكون هذه الأرض هي مصر؛ المعنى الكبير الذي قامت من أجله الثورة، وقتها وجَدَت بسمة أرضها مع اكتشاف معنى الوطن منذ عشرة سنوات، عندما كانت الثورة.

أنا لست غاضبة، أقول ذلك لنفسي، أنتِ حرة اختياراتك كما كنتِ ترغبين، والآن تدفعين ثمن ذلك، ثم ترد عليا نفسي "لم أكن أعلم أن الثمن سيكون باهظًا موجعًا بهذا القدر، أن أنسلخ للمرة الثانية ولكن هذه المرة انسلاخ عما أحب، وعما أنتمي إليه".