تصميم: المنصة

تلك الأحداث| الموسيقى من دوائر الإنتاج الثلاث إلى السيطرة على "المجال"

نشرت نسخة من هذا المقال على موقع معهد التحرير عبر هذا الرابط.


منذ سبعة عشر عامًا، بدأت عملي لأول مرّة في الصحافة. وفي سلسلةٍ من الصدف غير المخطّط لها، انتهى بي المطاف إلى التخصّص في تغطية الفعاليات الموسيقيّة ومشهد الفنّ المعاصر.

في عالم ما قبل 2011، كان هناك قواعد وحدود واسعة تحكم إنتاج الموسيقى في مصر. وثلاث دوائر متجاورة لا تتقاطع فيما بينها.

الدائرة الأولى: الإنتاج الموسيقي الرسمي، ويشمل ذلك الذي تموله الدولة، أو شركات الإنتاج الكبيرة المصريّة والعربيّة المسموح لها بالعمل في هذا المجال مثل شركة روتانا السعودية والمملوكة لروبرت مردوخ والوليد بن طلال، وشركتي مزيكا وفري ميوزيك المصريتين.

ينتج هذا التجمع الموسيقى التجارية الأقرب لـ البوب/ pop وحتى تنويعات على الموسيقى الكلاسيكية مثل حفلات أم كلثوم والأغانى المستلهمة من تقاليد التراث العربي، ويستحوذ على النسبة الأكبر من السوق ومعها موسيقى غالبيّة الفنانين العرب الكبار من عمرو دياب ونانسي عجرم لمحمد عبده وحتى سميرة سعيد.

الدائرة الثانية: وتضم عددًا صغيرًا من مؤسسات العمل الثقافي المموّلة أهليًا أو من قبل الاتحاد الأوروبي والتي تعمل في إطار برنامج الشراكة الثقافي لدول البحر المتوسط، وبدورها تمول تجارب موسيقية لعدد من الفنانين الشباب التجريبين الذين اصطُلح على وصف إنتاجهم بموسيقى الـ أندرجراوند. وهؤلاء حصتهم من السوق ضئيلة جدًا، والوسيلة الوحيدة للاستماع لموسيقاهم حضور حفلاتهم التي تقام في مسارح صغيرة، سعة أكبرها لا تتجاوز الألف كرسي. أغانيهم لا تذاع على محطات التلفزيون ولا تسمعها في محطات الراديو، لكنها الأكثر تماسًا مع ثقافة أبناء الطبقة الوسطى. نتحدث عن فنانين وفرق موسيقية مثل كايروكي، ووسط البلد، وياسمين حمدان وغيرهم.

الدائرة الثالثة: وهي دائرة الغناء الشعبي، وهي الأكثر انتشارًا وكذلك الأفقر. إذ لم تكن متاحة لفنّاني هذه الفئة مسارحُ الدولة ولا مسارحُ القطاع الخاص، بل كانوا يغنّون غالبًا في الأفراح ومسارح الشارع. وعلى الرغم من شعبيّة أغانيهم فإنّها لم تكن تذاع في التلفزيون، ولكنّها ظلت متاحة بكثافة على شرائط كاسيت رخيصة مسجّلة في استديوهات متواضعة، ومع ذلك فقد كانت موجودة في كل مكان.

غلاف ألبوم ميلي للمطرب الشعبي رمضان البرنس. الصورة: صفحة أرشيف الكاسيت المصري- انستجرام

.. وجاءت يناير

ثم قامت ثورة 25 يناير، وبدا الميدان كبوتقة انصهرت فيها الدوائر الثلاث. في كل زاوية رُفعت مكبّرات الصوت، وكل فريق نصب منصته، ومن على المنصة يُدعى الفنانين للغناء وتصدح الأغاني في مكبرات الصوت. كنت أسير في الميدان وألاحظ الأغاني الوطنية القديمة من السّتينيات وقد عادت للحياة. ثمّ غزا فنّانو الأندر جراوند الميدان وبدأوا على الفور بإنتاج الأغاني التي تبنّت خطاب الثورة، بينما كان فنّانو البوب متردّدين في الدخول، بل إنّ بعضهم تورّط في تأييد مبارك والهجوم على الثورة.

ثم أتذكر جيدًا الأسبوع الأخير قبل الثورة، حين نزلت إلى ميدان التحرير فوجدت هذه الأغنية المجهولة الجديدة تصدح في كل مكان وهى ما سيعرف بعد ذلك بمهرجان يا حسنى سيبنا حرام عليك.


بعد تنحّي مبارك، وأثناء الاحتفالات في الشوارع، شاهدت دوائر من الشباب يرقصون على تلك الأغنية. لم تكن هذه الموسيقى مثل أي موسيقى سمعتها قبل ذلك، ولم يكن الرقص مثل أيّ شيء شاهدته سابقًا.

وُلدت موسيقى المهرجان في خضمّ ثورة يناير، وهى إفراز من فائض طاقة الثورة. لكن الآن تلاحق القضايا مغنيّ المهرجانات، كما تُرسل نقابة الموسيقيين، أحيانًا، مندوبيها بصحبة الشرطة لفضِّ حفلاتهم.

هدمت ثورة يناير القواعد القديمة لعالم الإنتاج الموسيقيّ في مصر، فالغناء التجاري المسيطر على السوق انهارت منظومته بانهيار حسنى مبارك، لعنت الجماهير الفنانين التجاريين على مواقفهم المنحازة لمبارك، وأغانيهم العاطفية الممحونة بدت بعيدة عن مشاعر الناس وقتها. وبدلًا من ذلك، صعدت موسيقى الـ أندرجراوند وذلك لعدّة أسباب. فقد ضاعف الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الغربية من تمويلها الثقافي لتلك المؤسسات، كما أن المجال العام فُتح لهذا النوع من الموسيقى. وبدلًا من الانحصار في المسارح الصغيرة؛ انتشرت الفعاليات الفنيّة في كل مكان، كما أصبحت تقام سلسلة حفلات الفن ميدان في ميدان عام مختلف في كل شهر، حيث يُنصب المسرح ويأتي فنّانو الـأندرجراوند للغناء في حفلاتٍ مجانيّة مفتوحة.

الشعبي الجديد

أمّا عالم الغناء الشعبي فمر بأعنف فترة تحول، إذ أخذت موجةٌ موسيقيةٌ جديدة تنمو في الأحياء الهامشيّة على أطراف القاهرة، مُزيحةً في طريقها تقاليد الغناء الشعبي القديم. وبعدما كانت الأفراح الشعبية تعتمد على فرقة موسيقية بصحبة مغنٍّ يغنّي المواويل وأغاني الأفراح، اختفت الفرقة وحلّ محلها الـ دي جي، وولدٌ صغيرٌ خلف جهاز الكمبيوتر يولِّف الموسيقى بالإضافة إلى مغنٍّ يمسك المايك ويغنّي في إيقاع سريع عنيف، وذلك في أسلوب يمزج بين تقاليد موسيقى الراب وغناء الأفراح المصرية.

الآلة الموسيقية الأساسية في موسيقى المهرجان هي الكمبيوتر، ولوحة المفاتيح هي أوتار العزف. وهي بذلك تندرج تحت بند الموسيقى الإلكترونية. لكنّها لا تكتفي بتراث الموسيقى الإلكترونية الغربي، بل تولّف إيقاعاتها وجملها اللحنيّة بالإيقاعات الشرقية.

في 2012 سنسمع على ألسنة مغنى المهرجانات جملًا من نوع: إحنا مزيكا الشارع. وأثناء حوارات متفرقة مع السادات في ذلك الوقت، كثيرًا ما كان يقول لي "إحنا صوت الغلابة والحواري الشعبية". بدا هذا الخطاب متجانسًا مع لحظة الحماس الثوري، إذ هتفت أغاني المهرجانات وقتها ضد العسكر، ورثت شهداء المذابح المختلفة.

مع وصول الإخوان للحكم، شهد الوسط الفني المصري حالة من الخوف والتململ من القيود التي سعوا لفرضها على الممارسات الفنية. وحين بدأ السيسي في الظهور بصفته وزيرًا للدفاع، كان من اللافت للنظر أن يصحب معه كوكبةً من المغنيين والفنانين أينما سار في مشهدٍ غير معتاد. ولا نعرف إن كان ذلك لاستغلال شهرتهم أم للظهور بمظهر راعي الهويّة المصريّة المدنيّة والفنّ والثقافة والأخلاق. ومع بداية تأزُّم المشهد السياسي في 2013، كانت الشوارع تعجُّ بالمظاهرات ضدّ الإخوان ومحمد مرسي، لكن يبث التلفزيون فيديو للسيسي وهو يتفقّد إحدى الوحدات العسكرية وبصحبته مغنّون مثل محمد فؤاد وهاني شاكر وغيرهم من الأصوات القديمة من عالم الموسيقى التجارية.


السيسي مسيطرًا على "المجال"

حين وصل السيسي إلى سدّة الحكم، كانت السيطرة على الخطاب الإعلامي بكل أوجهه أهمّ الأهداف التي سعى فورًا لتحقيقها. وكانت السيطرة على المجال الموسيقي من أهم المستهدفات حيث جرى ذلك في شكل خطوات تدريجية قانونية وأمنية، مباشرة أحيانًا وغير مباشرة أحيانًا أخرى.

كانت البداية بإحكام السيطرة على المجال العام ومنع حفلات الفن ميدان وإجبار أيّ مكان يسعى إلى استضافة حدث موسيقيّ على طلب مجموعة من التصريحات والموافقات تبدأ من إدارة المطافئ وحتى الأمن الوطني، الأمر الذي دفع عددًا من تلك المنظمّات الفنّيّة، مثل مؤسسة المورد الثقافي التي كانت تدير مسرح الجنينة، إلى مغادرة مصر للعمل في لبنان والأردن.

تعرضت موسيقى الأندر جراوند لضربات متتالية، وتم التعامل معها كامتداد لثورة يناير. دفع هذا الوضع عددًا من موسيقيّ ومغنّي هذا النوع إلى مغادرة مصر بعد تهديدهم بشكلٍ مباشر بسبب ما قدّموه من أغانٍ، مثل رامي عصام وحمزة نمرة وعبد الله المنياوي. فكلّ هؤلاء كانوا أصواتًا بارزةً في عالم ما بعد 25 يناير، وبسبب انحيازاتهم السياسية وأغانيهم أصبحوا مهددّين فخرجوا إلى المنفى.

من لم يستطع الخروج لأسباب مختلفة توقّف عن الغناء واعتزله مثل علي طالباب. أمّا من استمرّوا فاضطُّروا إلى التخلّي أحيانًا عن أغانيهم القديمة وإعادة صياغة شخصيتهم الفنيّة بما تسمح به رقابة السيسي، مثل "أبّو" الذي كان يغنّي في ميدان التحرير للثوار ثم تحوّل إلى المغنّي الرسميّ للمليونيرات في الجونة.


مع إقرار دستور 2014، تمّ تعديل قانون النقابات الفنية والتي تغيّرت بموجبها الكثير من لوائح عمل تلك النقابات. كما منح وزير العدل وقتها، المستشار أحمد الزند، الضبطيّة القضائيّة لنقيب الموسيقيّين ومجموعة معه في 2015، والذين أعلنوا بدورهم الحرب على كل ما هو جديد في الساحة الموسيقية. بموجب الضبطية القضائية أصبح لنقيب الموسيقيّين، أو لمن ينوبه، سلطة المرور على المطاعم والفنادق وطلب الاطّلاع على تصريح الغناء أو العزف لأيّ مُغنٍّ أو موسيقيّ. وقد تحوّل هاني شاكر ومن معه ليصبحوا شرطة الغناء والموسيقى ويستهدفوا بشكلٍ خاصٍّ موسيقى وأغاني المهرجان بدعوى أنّها تُفسد الذوق العام.

لكى تحصل على عضوية نقابة الموسيقيين يمر صاحب الطلب باختبار أمام لجنة من النقابة. المشكلة أنّ اللجنة تختبره طِبقًا لمعاييرها وبمرجعيّة الموسيقى العربيّة. فمثلًا لا تعترف اللجنة بموسيقى الراب والهيب هوب وكذلك موسيقى المهرجانات. وبالتالي يواجه هؤلاء المغنّون صعوباتٍ في الحصول على عضويّة النقابة أو تصريح الغناء.

بعض مغنّي المهرجان نجحوا في الحصول على عضويّة نقابة المهن الموسيقيّة من خلال التسجيل بصفتهم دى جى لا كمغنين. وآخرون يعملون ويغنون بشكل غير رسمي عبر نظام "كل سنة وأنت طيب يا باشا"، يذهب إلى الحفل في المطعم ويغني وإذا ما ظهر مندوب من النقابة، يتم التعامل معه بالطريقة المعتادة. طبعًا بشرط ألا تتجاوز في غنائك أو تقترب من أيّ خطوطٍ حمراء.

ومع ذلك، استمرّت شعبيّة موسيقى المهرجانات في النموّ، حيث يحتلّ حمو بيكا مثلًا المرتبة الأولى كأكثر مغنٍّ تُستمع أغانيه، لكنّه ممنوعٌ من الغناء في الحفلات العامة بأمرٍ من هاني شاكر.

لابتوب يواجه القبضة الدامية

يُحكِم نظام السيسي قبضَته على عالم الإنتاج الموسيقيّ. فللغناء في مصر تحتاج إلى تصريح وموافقة نقابة الموسيقيّين، وبدون هذا التصريح فلن يُسمح لك بالغناء. كما تمّ تحديد المواضيع المسموح بالغناء فيها، فأيّ اقتراب من المواضيع السياسية يُعتبر خطًّا أحمر قد يودي بحياة صاحبه في السجن، مثلما حدث مع المخرج الشاب شادي حبش والذي أُلقي القبض عليه وتُوفّي في السجن لمجرد مشاركته في تصوير أغنية سياسيّة لرامي عصام، والشاعر جلال البحيري الذي يقضي عقوبة في السجن بتهمة كتابة أغنية بلحة.

أمّا شركات الإنتاج الكبرى المسموح لها بالعمل في مصر والتي تصنع النجوم فهي إمّا الشركات المموّلة من الخليج أو شركات الإنتاج الفنيّ الممولة والمدارة من قبل المخابرات المصريّة مثل شبكة إعلام المصريين ومجموعة قنوات DMC، وغالبًا ما تتولّى هذه الهيئات إنتاج الأغاني الوطنيّة وتنظيم الاحتفالات الموسيقية التي تقام في افتتاح مشاريع البنية التحتيّة التي يفخر بها السيسي.

لكن، ورغم إحكام القبضة الأمنيّة والإنتاجيّة، لا يزال هناك ثغرةٌ في ذلك الجدار تسمح بانتعاش الموسيقى المصريّة ونموّ المغامرات الفنيّة التجريبيّة. فقد شهدت الخمس سنواتٍ الأخيرة انتشارًا واسعًا لشبكات ومنصّات البث الموسيقيّ في مصر مثل يوتيوب وسبوتيفاي وأنغامي.


وبالتالي، أصبح بإمكان أيّ شابٍّ مصريٍّ إنتاج الموسيقى باستخدام جهاز اللابتوب والتسجيل في استديو مُعَدٍّ في المنزل ثم رفع الأغاني على تلك المنصات، وبناءً على أرقام المشاهدة وعدد مرات الاستماع يجني العائد المادي. وقد خلق نمط الإنتاج الجديد هذا ثورةً في عالم الموسيقى المصريّة، وهو ما بات يعرف بـ الموجة الجديدة، وهي مزيج بين موسيقى الراب والمهرجانات قدّمت أسماء مثل ويجز ومروان بابلو، وأبيوسف، والسادات، وعنبة، ودبل زوكش ومولوتوف ودي جى تيتو.

كلّ هؤلاء مغنّون ومنتجون للموسيقى يعملون خارج قبضة الشركات الخليجيّة وشركة المخابرات المصرية، ومعظمهم ليس لديه حتى عضوية نقابة الموسيقيّين. ومع ذلك فقد تصدّروا المشهد الموسيقيّ العام الماضي وأصبحت موسيقاهم يصدحُ صوتها في وسائل المواصلات، كما أنّهم الأعلى استماعًا علي الانترنت، وشعبيتهم وتأثيرهم خصوصًا على الأجيال الجديدة باستمرار.

أعادت الموجة الجديدة من موسيقى الراب والمهرجان المصريّة الحياة في المشهد الموسيقيّ المصري، وحتّى الآن لم تلتفت الدولة بتشريعاتها أو مؤسّساتها إليهم، وإن بدأت منصات الإعلام المقربة من النظام في الحديث عن مصادر دخل هؤلاء الفنّانين الشباب والأرقام التي يتلقونها من بيع الموسيقى على الإنترنت. وعاجلًا أو آجلًا ستحاول الدولة حصار هذا المشهد الموسيقيّ، أو على الأقل السيطرة على الأموال التي تدخل إلى هؤلاء الفنانين عبر منصّات الموسيقى العالميّة بعيدًا عن رقابة الدولة ويدها.


قراءة ملف "تلك الأحداث" على هذا الرابط