تصميم: يوسف أيمن- المنصة

الشراء القهري: كيف أورثت ابنتي حب التسوق؟

يلقبني زوجي بأنني صاحبة "يد مخرومة"، تعبيرًا عن الإسراف، أتفق معه في الرأي، وأحاول ترشيد الأمر، لكن محاولاتي فشلت مرات عدة، حتى وجدت ابنتي التي لم تكمل عامها الرابع تنسحب معي لهذا العالم؛ عالم الشراء والهوس به، بدلًا من طلبها الخروج لمنطقة الألعاب، أصبحت تطلب مني الخروج "للف على المحلات".

انتقلتُ من المنصورة إلى القاهرة في 2016 بعد زواجي، كانت الحياة في تلك المدينة حلمًا لي، فمنذ تخرجي وأنا أحاول جاهدة البحث عن فرص عمل للعيش بها، لكن محاولاتي كانت تُقابل بالرفض من أسرتي، حتى تخيلت أن حلمي تحقق بعد زواجي وانتقالي لمدينة قاهرة في تفاصيلها الكثيرة.

تخرجت عام 2007 في كلية الآداب قسم الإعلام، وبدأت العمل بالصحافة في 2012 مع المناخ الذي انتشر عقب الثورة وأصبح يستوعب عددًا أكبر من الشباب، وأيضًا انتشار العديد من المواقع الإلكترونية والصحف الورقية، بداية عملي كانت مراسلة لجريدة المشهد بمحافظة الدقهلية، ثم أصبحت مراسلة للعديد من المواقع الإخبارية حينها، لكنني كنت أرى دومًا أن الفرصة الحقيقة في الانتقال للقاهرة، فالقارئ لا يهمه معرفة بيان وزارة الداخلية الذي ترسله للصحفيين في المحافظات عن الإنجازات وعدد الحوادث، ولا عدد الحوادث المرورية في المحافظة، وكذلك تصنّف الصحف المركزية أخبار المحافظات بأنها أقل أهمية، فتضع أخبار العاصمة في الصفحات الأولى، بينما يختفي مراسلو المحافظات في سطور.

ومع هذا الافتقاد كنت أقع فريسة للإعلانات المحيطة بي، فأعود المنزل بحقائب محمَّلة بأشياء مختلفة، لأكرر الأمر في اليوم التالي.

ملل في القاهرة

لكن محاولاتي للانتقال للمدينة التي انبهرت بها فشلت بسبب رفض أسرتي، ورغم حصولي على فرص عمل بالفعل في القاهرة، بات اعتراض أسرتي مانعًا لم يمكنني اجتيازه سوى بعد الزواج، حيث التحقت بموقع الحكاية، ليبدأ حلمي في العمل من داخل القاهرة في مكتب خاص بي، بعيدًا عن قسم المراسلين. كنت أعمل من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، لأعود منزلي منهكة بعد مشوار طويل في الذهاب والإياب من التجمع الخامس لحدائق الأهرام، حتى فوجئت بحَمل غير مرتَّب له، لأقرر ترك العمل بعد خمسة أشهر، وأصبحت أقضي اليوم كله في المنزل، زوجي يذهب لعيادته في الرابعة مساءً عندما استيقظ من النوم، ويعود في منتصف الليل، لأقضى ساعات بين جدران المنزل، مللت خلالها مشاهدة التلفزيون، وقراءة المقالات الطبية عن الأمومة والأطفال.

اقترح علي زوجي التعرف أكثر على المنطقة المحيطة بي، لكسر الممل و"وصلات النكد والعياط" غير المبرَّرة للرجال، لكنها مفهومة جيدًا للنساء، التي تصدر من سيدة حامل، وحيدة في مدينة جديدة لا تعرف بها أحدًا سوى "حارس العقار ومراته"، حتى نفذت النصيحة وبدأت باستكشاف المنطقة المحيطة بي، تعرَّفت على أماكن المحلات والمطاعم والكافيهات، من خلال رحلة يومية، ووجدت محلات لملابس الأطفال، بدأت بها دخول عالم الشراء.

بدأت الرحلة مع محلات ملابس حديثي الولادة وملابس الحمل، كانت رحلتي لتلك المتاجر تفتقر للدعم النفسي والعاطفي في المدينة الجديدة باردة المشاعر، فأشتري ملابس ابنتي دون مرافقة صديقة قريبة أو أحد أفراد العائلة، ومع هذا الافتقاد كنت أقع فريسة للإعلانات المحيطة بي، فأعود المنزل بحقائب محمَّلة بأشياء مختلفة، لأكرر الأمر في اليوم التالي.

كنت أيضًا أحاول ملء فراغ غيابي عن العمل، بعد اضطراري لتركه بعد الحمل، كل ما كنت آراه في المرآة هو سيدة دون عمل أو دخل، تحمل في بطنها جنينًا، وتكبر بطنها يومًا عن يوم، دون إنجازات أو نجاحات، ربما سأتحول بعد الولادة لسيدة سمينة، تجلس على الأريكة في المنزل طوال اليوم، أم فقط دون أي ألقاب أخرى في الحياة.

لم أنزعج في البداية من الأمر، ولم يعلِّق زوجي عليه، ربما لأن نفقاتنا كانت تذهب لشخصين فقط، لكن الأزمة بدأت مع ولادة ابنتي، حينها شعر زوجي بالمسؤولية، فهناك شخص جديد علينا الإدخار من أجله، لكنني كنت ما زلت في هذا العالم الذي يجذبني بإعلاناته، وعروضه، وتخفيضاته الوهمية.

نعم أنا مريضة بحب الشراء وعليَّ العلاج، وعليَّ أيضًا حماية ابنتي من هذا العالم.

بعد ولادة نور انقطعت عن العمل سنة أخرى لرعاية ابنتي الرضيعة، وحينها تحول الهوس من الشراء الفعلي بالمحلات، للشراء أونلاين، أهرب من صراخ ابنتي في تصفح أحد ماركات الملابس والشراء منها، فتعاود البكاء والصراخ مجددًا لأكون قد أنهيت شراء حذاء وحقيبة، فينفذ رصيد بطاقتي البنكية فاستخدم بطاقة زوجي، لتصله رسالة على هاتفه المحمول فيعود للمنزل ونتشاجر، فأتهمه بأنه يتحكَّم بي لأنني لا دخل لي، فيحاول إقناعي أن ما أفعله بداية لطريق إدمان.

بعد سنة من الإنجاب التحقت للعمل بأحد الصحف في الدقي، كبرت نور وذهبت للحضانة ووجب عليَّ البحث عمَّا أجلته لما يقرب من عام ونصف، حينها بدأت الإحساس مجددًا أنني سأعود من جديد، لن ينتهي دوري كزوجة وأم فقط، سأعود للصحافة، سأكتب من جديد، سأحصل على دخل شهري، ومع أول راتب ذهبت للتسوق، لأجد نفسي عائدة للمنزل دون أي مبلغ يكفيني لنهاية الأسبوع، فعدت للشجار مع زوجي ولنفس الدائرة المغلقة.

لماذا أنفقت تلك الأموال؟

بعد شهرين من العمل ألقي القبض على زوجي، لأجد نفسي وحيدة في المدينة نفسها التي سبق وأن عانيت الوحدة منها، لتصبح وحدتي مركبة، لا أهل ولا أصدقاء، ولا زوج، وحيدة مع ابنة تبلغ من العمر سنة وشهرين، أمامي مسؤوليات لا أعرف عنها شيئًا، ولا أعرف كيف كان يدبرها زوجي، إيجار للشقة، وإيجار للعيادة، ومصاريف للحضانة، فوجدت نفسي أهرب مجددًا من تلك المسؤوليات لعالم الشراء، أدخل وأملأ السلة بالمشتريات التي تصلني، وأجد نفس الألوان والخامات عندي بالفعل، فأشعر بمزيد من التعاسة والقلق، ليزداد عليهما إحساس جديد وهو الشعور بالذنب، لماذا أنفقت تلك الأموال؟ لماذا اشتريت ملابس موجودة لدي بالفعل؟ فخزانة ملابسي أصبحت مكدَّسة بملابس مكررة وأكياس من نفس المحلات.

خزانة ملابس ابنتي أيضًا تكدست بملابس غالية الثمن تجذبني ماركاتها العالمية، لكنها لم ترتدِها فالأطفال تنمو أجسامهم سريعًا في سنواتهم الأولى، وهو ما كانت تنصحني به أمي ولكني لم ألتفت إليه، فللتغلب على إحساسي بالذنب كنت أشتري لابنتي ملابس أيضًا من داخل مصر وخارجها، تصل فترتديها مرة واحدة، وفي التالية يصبح المقاس صغيرًا عليها، فتصير حبيسة الخزانة.


اقرأ أيضًا: مُفكرة العام الجديد: ذاكرتنا التي تبقى إلى الأبد


كبرت نور، وأصبحت تجيد الكلام، وصرت أصطحبها معي لرحلات الشراء، لأستطلع رأيها وأشركها معي في الأمر، الذي أصبح محببًا لقلبها، نذهب للمحلات، ثم غرفة تبديل الملابس، لآخذ رأيها في المقاسات والألوان، وفي النهاية تحصل هي أيضًا على قطعة ملابس جديدة، أو حذاء من المحل نفسه.

في كل مرة كنت أواجه الأمر بتعنيف من والدتي التي أصبحت تحل محل زوجي؛ لا يعجبها الأمر، وتطالبني بالسيطرة عليه، وهي النصائح نفسها التي جاءتني من أصدقائي أيضًا، حتى نشرت صورة بصحبة نور في أحد المحلات، وعلق عليها أحد الأصدقاء "هتعلّميها الشوبنج من دلوقتي؟" كدعابة منه، لكنني وقفت طويلًا أمام التعليق، لماذا لا أشتري لابنتي لعبة بدلًا من الملابس؟ ولماذا لا أصطحبها لمنطقة الألعاب وليس لمتاجر الملابس؟

تأكدت من أنني على خطى توريث ابنتي عادة حب الشراء، عندما استيقظتْ ذات يوم وطلبت مني الخروج، فسألتها "تحبي تروحي فين؟"، لترد "نلف على المحلات"، فأخبرتها أنه علينا اليوم الذهاب لشراء لعبة جديدة، فجاء ردها "وبعدين هنروح المحلات؟"، وهنا أيقنت أنني بالفعل انسحبت لعالم مخيف، أخذت ابنتي معي إليه، أنا لا أشعر بالسعادة عند التسوق بل بمزيد من مشاعر الغضب والقلق، نعم أنا مريضة بحب الشراء وعليَّ العلاج، وعليَّ أيضًا حماية ابنتي من هذا العالم.

شراء قهري

دخلت على الإنترنت وبحثت عن مصطلح إدمان الشراء، فوجدت تقريرًا نشرته دويتشه فيله بعنوان "الشراء القهري .. إدمان على التسوق قد يصعب التخلص منه"، فالأمر قد يؤدي بالبعض إلى الإنفاق المتهور الذي يخرج عن السيطرة، فيشترون أشياءَ لن يستخدمونها وينتهي بهم المطاف إلى جمع كميات هائلة من مقتنيات ليست ذات فائدة، وتحدث مشكلة أكثر خطورة عندما تتراكم عليهم الديون وينتهي بهم الحال بالانكفاء على أنفسهم، دون وظيفة، أو شريك، أو أصدقاء، وقد يجرهم إلى ما هو أسوأ. نعم، هذا التقرير يتحدث عني، نعم، عليَّ الآن البحث عن العلاج.

اتصلت بصديقي الطبيب النفسي، وأخبرته أنني أعمل على موضوع صحفي حول إدمان الشراء ليرد على الأمر بحيادية تامة، فأخبرني أن ما أمر به يطلق عليه الشراء القهري، الذي يدفع الفرد للاتجاه بقوة نحو التخلُّص من الأموال، وبعد إنفاقها يشعر بالسعادة المؤقتة.

رحلة البحث على الإنترنت قادتني لفتاة كندية تعاني نفس الأعراض، نشرت تجربتها عبر قناتها الخاصة، ووضعت بها نصائحها للتخلص من هذا النوع من الإدمان، قررت البدء في تطبيق تلك النصائح، للخروج من هذا العالم، والبحث عن طريق آخر للهروب، من الضغوط والإحباطات، أو مواجهتها والعيش معها، وأظن أنه الحل الأقرب والأسهل للتنفيذ، عاهدت نفسي أيضا ووالدتي وأصدقائي أنني لن أعود لهذا العالم مجدد، ولن أسحب له ابنتي، لا أريدها أن تنجر له وتصبح أسيرة للإعلانات تتحكم بها، ليس عليها أن تفعل إلا ما تحبه.

ربما محنة غياب زوجي، أنجبت منحة قربي من ابنتي، بعد عام وشهرين من عمرها كنت لا أعرف عنها الكثير، الآن أصبحتْ صديقتي وابنتي، أذهب إليها للشكوى والبكاء كما تفعل هي معي، وأتعلم منها لأصبح أفضل، وأعلم أنني سأواجهه كبوات، أظن أنني قادرة على تجاوزها بصحبة نور.