مشهد من فيلم المؤخرة السوداء لما ريني - الصورة من imdb

المؤخرة السوداء لما ريني: الفرار المستحيل من ذاكرة الوصم العنصري

"ليس للحياة قيمة. يمكنك أن تضعها في حقيبة ورقية وتتجول بها في الأنحاء. إنها تفتقد إلى الشجاعة. أما عندما يتعلق الأمر بالموت، ... الموت له شخصية! الموت سيركل مؤخرتك ويجعلك تتمنى لو لم تولد على الإطلاق! إلى هذا الحد هو سيئ. ولكن بإمكانك أن تسيطر على الحياة. الحياة ليست شيئًا".

- أوجست ويلسون، من المؤخرة السوداء لما ريني.


لدى السود في الولايات المتحدة الكثير مما يمكنهم قوله عن الموت. أما الحياة؛ حياتهم، فلا زالت بلا قيمة اليوم، تمامًا كما كانت قبل قرن من الآن. لا يزال السود في حاجة إلى النضال فقط للقول مجددًا إن حياتهم ينبغي أن تكون لها قيمة. بعد أكثر من قرن ونصف منذ ألغيت العبودية في أمريكا، لم يستعد السود لحياتهم القيمة التي فقدتها بتحررهم من الرق.

قبل ذلك كانت حياة العبد الأسود تساوي قيمته في السوق، وكان يمكن لسيده أن يفعل به ما يشاء، إلا أن يقتله أو يصيبه بعجز دائم، ليس لأن أحدًا سيمنعه من ذلك إن أراد، ولكن فقط لأنه بذلك سيخسر استثماره في شراء وإطعام وكسوة وإيواء آلته البشرية. في السنوات التالية للحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865)، وفي الفترة التي سميت "إعادة الإعمار" في الجنوب الأمريكي الذي مزقته الحرب، انسحب الجيش الفيدرالي إلى الشمال وترك السود تحت رحمة أسيادهم القدماء، وهذه المرة اكتشف هؤلاء أنه لم يعد عليهم الاهتمام بحياة أو موت عبيدهم السابقين، كما اكتشفوا أن بإمكانهم إعادتهم إلى العمل بالسخرة في مزارعهم، هذه المرة باستخدام القانون والنظام القضائي. وفي هذه الفترة مع بدء سن قوانين الفصل العنصري، بدأ نوع جديد من الحزن الممزوج بغضب مكبوت يشكل نفوس السود، ومنه خرجت موسيقى البلوز.

رافقت موسيقى البلوز المزارعين بالمشاركة وعمال الجسور في دلتا المسيسيبي ثم رافقت هجرة ملايين السود إلى ولايات الشمال، هربًا من العبودية الاقتصادية الجديدة، والقمع البوليسي والقضائي، وجماعات الإرهابيين التي كانت تقتلهم سحلًا وشنقًا دون محاكمات، بأي مبرر أو بدون مبرر في أحيان كثيرة. وفي الشمال وبينما اكتشف السود في حياة المدن ألوانًا جديدةً من التمييز العنصري والاستغلال الاقتصادي، ازدهرت موسيقى البلوز وأخذت أسطوانات الفينيل أصوات نجومها إلى كل مكان في أمريكا، ولاحقًا في العالم كله. أدخل الحزن الأزرق البهجة إلى قلوب ملايين البشر، وأتخم جيوب أصحاب شركات التسجيلات البيض بملايين الدولارات، ولكنه حتى بالنسبة لنجوم هذا اللون من الموسيقى أمثال ما ريني (أم البلوز)، كان حزنًا يعيشونه وأملًا في الشعور بقيمة لحياتهم حرموا منها في كل مرة ظنوا أنها عند أطراف أصابعهم.

ما ريني عام 1917 - صورة من ويكيميديا برخصة المشاع الإبداعي

فيلم المؤخرة السوداء لما ريني الذي أنتجته نتفليكس وأخرجه جورج وولف، هو تطويع لنص مسرحي بنفس الاسم للسينما. المسرحية هي واحدة من بين عشر مسرحيات أراد لها مؤلفها أوجست ويلسون أن تؤرخ لحياة السود الأمريكيين في القرن العشرين. في مجموعة تحمل اسم دائرة بيتسبرج أو دائرة القرن، تمثل كل مسرحية من مسرحياتها مشهدًا يختصر فيه ويلسون حياة السود في عقد من عقود القرن العشرين. اختار ويلسون أن يكون عنوان مسرحيته حول عشرينيات القرن الماضي هو المؤخرة السوداء لما ريني، وهو اسم إحدى أشهر أغنيات ما ريني. والاسم نفسه يشير إلى رقصة "المؤخرة السوداء"، وهي نمط من الرقص نشأ بين السود في الجنوب ولكنه في العشرينيات أصبح موضةً سائدةً جديدةً في أنحاء أمريكا كلها. لقد كان هذا العقد هو ذروة غزو السود الثقافي لأمريكا البيضاء، بموسيقاهم (الجاز والبلوز) وبأصوات مطربي هذه الموسيقى، والتي كانت ما ريني من أبرزهم، رغم أن التاريخ نسيها إلى حد بعيد واستبقى أسماء أقرانها وقريناتها.

مؤخرة ما ريني

ولدت ما ريني باسم جيرترود بريدجيت عام 1886 في مدينة كولومبوس بولاية جورجيا، وبدأت عملها في مسارح الخيام بالجنوب وهي في الرابعة عشر من عمرها، وغنت البلوز لأول مرة في عام 1902. اكتسبت جيرترود اسمها الأخير "ريني" بعد زواجها عام 1904 من فنان استعراضي هو ويليام ريني، واكتسبت اسم شهرتها "ما (ماما)" أيضًا من خلال زواجها وعملها مع ويليام الذي كان اسم شهرته هو "با (بابا) ريني".

غنت ما ريني ومثلت ورقصت في إطار عروض المينستريل، وهو نمط من العروض ازدهر لأول مرة في أربعينيات القرن التاسع عشر، وكان قاصرًا في البداية على مؤدين بيض رغم أن موضوعه الحصري كان تقديم أغانٍ واسكتشات ساخرة لشخصيات سوداء. كان المؤدون البيض يدهنون وجوههم باللون الأسود لأداء أدوارهم، والتي كانت تعكس الصور النمطية للسود كما رآهم البيض. دخل السود أنفسهم إلى مجال عروض المينستريل في خمسينيات القرن التاسع عشر وأصبح لهم فرقهم الخاصة. ومن المثير للاهتمام أن موسيقى السود قد ظهرت من خلال عروض هي في الأصل عنصرية إلى حد أن الاسم الشائع لقوانين الفصل العنصري في الجنوب "جيم كرو" هو في الحقيقة اسم شخصية خيالية شهيرة قدمت من خلال هذه العروض.

ملصق دعائي لإحدى عروض جيم كرو - الصورة من ويكيميديا برخصة المشاع الإبداعي

ازدهر عمل ما ريني الخاص في الجنوب، حيث قدمت الغالبية الساحقة من عروضها إلى حد أنه شاع عن طريق الخطأ أنها لم تقدم أية عروض بالشمال الأمريكي، وهو ما تنفيه ساندرا ليب في كتابها أم البلوز: دراسة لما ريني (1980)، وهو الكتاب الوحيد الذي تناول حصرًا سيرة حياة ما ريني وأعمالها الغنائية، ويؤكد أن ما ريني قدمت عروضها في شيكاغو وفي نيويورك أيضًا. العشرينيات شهدت نشاط ما ريني في تسجيل أغانيها على أسطوانات الفينيل، في الفترة من 1923 وحتى 1928 سجلت ما لا يقل عن 92 أغنية، كلها تقريبا من خلال شركة تسجيلات صغيرة ومحدودة الإمكانيات وهي باراماونت في شيكاغو. المستوى غير الجيد لتسجيلات الشركة، وإفلاسها في 1938 مما أدي إلى عدم إعادة طبع أسطواناتها، ربما يكونان السبب في أن ما ريني لم تحظَ بالشهرة التي تستحقها في الأعوام التالية، مقارنة بمغنيات أخريات ربما تتلمذن على يديها أو تأثرن كثيرًا بها، أشهرهن هي بيسي سميث.

يتخذ أوجست ويلسون من أستوديو تسجيلات باراماونت في شيكاغو مسرحًا لأحداث مسرحيته التي ترتكز على شخصية ما ريني وتتخذ منها نموذجًا رمزيًا لحياة السود في أمريكا في عشرينيات القرن العشرين. شيكاغو بالرغم من أنها لم تكن المكان الذي أمضت فيه ما ريني أغلب حياتها وإنما زارتها من وقت إلى آخر لتسجيل أسطواناتها، هي مع ذلك أحد المقاصد الرئيسية لهجرة سود الجنوب بحثًا عن حياة أفضل، حياة ذات قيمة في الشمال. ما ريني أيضًا قصدت شيكاغو بحثا عن قيمة أكبر لعملها من خلال تسجيل أغانيها. ومن ثم فمحور المسرحية والفيلم المأخوذ عنها هو قيمة الحياة السوداء في أمريكا.

ماريني وفرقتها - صورة من ويكيميديا برخصة المشاع الإبداعي

فيولا ديفيز، النجمة السوداء الأكثر لمعانًا في الوقت الحاضر هي من تؤدي دور ما ريني في الفيلم. فيولا، ابنة الجنوب أيضًا، حيث ولدت في كارولينا الجنوبية، ترتبط مسيرتها الفنية بشكل مثير للاهتمام بأعمال ويلسون. فقد بدأت مسيرتها كممثلة مسرح بعد تخرجها من معهد الفنون المرموق جوليارد، وكان أول أدوار بطولتها على مسارح برودواي في مسرحية جيتارات سبعة لويلسون. لاحقًا حصلت فيولا على جائزتي توني وهي الجائزة الموازية للأوسكار في عالم المسرح، عن دوري البطولة في مسرحيتي الملك هادلي الثاني (2001)، والأسوار (2010) وكلاهما من مسرحيات ويلسون.

وفي عام 2016 أدت فيولا دور البطولة في الفيلم المأخوذ عن نفس المسرحية الأسوار أمام دينزل واشنطن الذي أنتج وأخرج الفيلم، وحصلت على جائزة الأوسكار لأحسن ممثلة مساعدة. أداء فيولا في فيلم المؤخرة السوداء لما ريني، ربما يمنحها فرصة الترشح لأوسكار ثانية. فيولا بإضافتها لجائزة إيمي للأعمال التليفزيونية عن دورها في المسلسل الشهير كيف تنجو من العقاب على القتل، هي الأفريقية الأمريكية الأولى التي تجمع بين جوائز التمثيل الثلاث في أمريكا أو ما يسمى "التاج الثلاثي للتمثيل".

رغم اجتهاد فيولا ديفيز الكبير للاندماج إلى حد الغياب في الملامح الشكلية والسلوكية لما ريني الحقيقية، فالشخصية نفسها كما يقدمها ويلسون في مسرحيته وفي الفيلم هي نتاج أفكاره وما يرغب في تقديمه من خلالها. ما ريني التي وصلت إلى ذروة ما يمكن لامرأة سوداء أن تحققه في عصرها، الشهرة والمجد والثروة، لا يمكنها أن تفلت من الحدود التي يضعها الرجل الأبيض لوجودها كسوداء وامرأة. إنها في النهاية لا تحصل إلا على احترام زائف مصطنع، طالما كان الرجل الأبيض في حاجة إلى استغلالها لتحقيق مصالحه من خلالها. وعليها أن تتفاوض بشكل مستمر ومؤلم للحصول على أتفه الأمور التي تشعرها بالتقدير لقيمتها، وهي تنتزع هذه الأشياء بشق الأنفس حتى لو كانت مروحة أو زجاجة كوكاكولا تخففان من أثر حرارة الجو. ولكنها تحارب بشراسة حقيقية من أجل الحفاظ على ما يعنيها أكثر من أي شيء آخر، فنها كما تريد له أن يكون.

ما ريني الحقيقية كانت من بين مطربات البلوز الشهيرات في عصرها هي الأكثر حفاظًا على الجذور الأصيلة للبلوز كما نشأت في الجنوب، ولم تقبل دمج إيقاعات أو تركيبات لحنية جديدة في أغانيها، وهو الأمر الذي فعلته الأخريات وربما حقق لهن انتشارا أوسع لأعمالهن. الفيلم يقدم تلك الحقيقة من خلال إصرار ما ريني على أن تقدم أغنيتها التي يحمل الفيلم اسمها على طريقتها التقليدية رافضة التوزيع الجديد الذي قدمه عازف الترومبيت في فرقتها، ليفي جرين، الذي يمثل تطلع جيل جديد من الموسيقيين السود إلى إرضاء ذائقة جمهور أوسع بإدماج ألحان راقصة "تجعل الناس يشعرون بشكل أفضل". ما ريني ترى أن البيض لا يفهمون البلوز؛ "إنهم يسمعونها ولكنهم لا يعلمون كيف وصلت إلى هنا. إنهم لا يفهمون أنها طريقة الحياة في الكلام. إنك لا تغني البلوز لتشعر بشكل أفضل. إنما تغني لأن تلك طريقة لفهم الحياة".


حذاء ليفي

ربما يكون ليفي جرين هو الشخصية المحورية الحقيقية لمسرحية ويلسون. الشخصية التي يؤديها الراحل تشادويك بوزمان في آخر أعماله، تمثل الذات السوداء كصنيعة للعنصرية البيضاء. إنها تحمل آثار الاستعباد والفصل العنصري وسخرة السجون والتهميش، مطبوعة عليها، محفورة فيها، لا سبيل إلى محوها. إنها مثل حذاء ليفي، الذي كان فرحًا فخورًا باقتنائه حديثًا، ولكنه إذ يكتشف عليه الأثر المطبوع لحذاء من دهسه، يتيقن من أن هذا الأثر لن يزول بأي طريقة، فهو إن اختفى بمسحه سيظل محفورًا في ذاكرته، ذاكرة الدهس، الإذلال، الوصم بخاتم الرق. لا يلبس ليفي حذاءه الجديد سوى لساعات قليلة، بلغت أحلامه بالتحقق فيها ذروتها، ثم لا يلبسه مرة أخرى، فهو ليس له حتى وإن دفع ثمنًا له كل ما يملكه، ولكنه يقتل من دهس حذاءه. ليس الرجل الأبيض، بل صورة ليفي نفسه، "توليدو"، ذاته الأكبر سنًا، هذه التي يرغب في الفرار من أن يكونها، يتوق إلى التحرر من مصيرها، الذات/ الأب التي أورثته طابع الرق بدهسه، بوصمه، بإنجابه.

خلق ويلسون شخصية ليفي لتمثل المطالبة بهذا الوعد الذي حملته دعوات الهجرة إلى الشمال للسود في أقصى الجنوب الأمريكي، الوعد بأنك إن كنت موهوبًا ومجتهدًا فستحصل على الحياة والقيمة اللتين تستحقهما. ذهب ليفي إلى الشمال يحمل موسيقاه، التي لم يرد لها أن تكون كموسيقى ما ريني، بل أرادها أن ترضي الرجل الأبيض، وهذا ما حدث بالفعل، أعجبت موسيقى ليفي الرجل الأبيض إلى درجة أنه لم يرد له أن يعزفها بنفسه، إلى حد أنه قرر الاستيلاء عليها، ليعزفها ويغنيها البيض، وهو ما نراه يحدث فعلًا في المشهد الأخير للفيلم.


مع فقدان ليفي لموسيقاه التي استولى عليها الرجل الأبيض مقابل ثمنٍ بخس، يفقد حياته بقتله لتوليدو، نموذج الأسود نصف المتعلم من جيل سابق، الذي يعبر عن تطلعات عرقه دون أن يقوم بشيء لتحقيق أي منها، برغم أن ويلسون يقدم من خلاله التحليل الأكثر صراحة للحقيقة التي لا يمكن لأي أفريقي أمريكي أن يهرب منها وهي أن وجوده يشكله كونه أسود، حفيد أرقاء جلبوا رغم أنفهم من وطن اقتلعت أي جذور لهم منه. لقد أتى كل منهم من مكان مختلف في إفريقيا، إنهم كمكونات جُمعت معًا وخُلطت ثم طُهيت لتتحول إلى حساء، "والآن تأخذ هذ الحساء وتأكله، تأخذه وتصنع من هذا الحساء تاريخك. حسنا، الآن قد انتهى. تاريخك قد انتهى، وقد أنهيت أكل الحساء. ولكنك تنظر حولك فترى بعض الجزر هناك، وبعض البطاطا هنا، الحساء ما زال هناك. لقد انتهيت من صنع تاريخك وهو لا يزال هناك. لا يمكنك أن تأكله كله، فما الذي لديك؟ لديك بعض البقايا... نحن البقايا، الرجل الأسود هو البقايا".

تستخدم فيولا ديفيز في حديثها في فيلم تسجيلي حول المؤخرة السوداء لما ريني، صورة البقايا والحساء ولكن بطريقة ربما تناقض، عن غير قصد، تلك التي استخدمها أوجست ويلسون في مسرحيته على لسان عازف البيانو العجوز. ترى ديفيز أن وجود الأفارقة الأمريكيين يتمثل في أخذ هذه البقايا وصنع حساء جديد فريد منها. الذات السوداء لم تنته من صنع تاريخها بعد. الذات السوداء قادرة على إبداع فن مختلف يعكس طموحها إلى الإفلات من دائرة التمييز والعنصرية والقمع والموت. هذا ما فعلته ما ريني قبل قرن، ويعيد فعله مزيد من المبدعين السود مثل ديفيز ومثل دينزل واشنطن الذي أنتج هذا الفيلم في إطار مشروع لتقديم أعمال ويلسون من خلال شاشة السينما، لتخليدها ولتخليد صور حياة السود الأمريكيين عبر قرن من الزمان من خلالها. "حياة السود، ذات قيمة"، كانت كذلك دائما، وستظل، وسيكون على الرجل الأبيض، في يوم ما، أن يذعن للاعتراف بهذه الحقيقة ويحترمها.