واحة سيوة - الصورة: الأرشيف الخاص لأحمد المستكاوي

أحمد المستكاوي: "راعي بقر" الصحراء

هناك خيط يربط بين طفولة أحمد المستكاوي، وبقية حياته، حتى بعد أن قارب السبعين من عمره الآن. لا يزال حلم طفولته يحرك حياته، كان لحلمه صورة راعي البقر "كابوي"، المغامر، الذي شاهده في أفلام الويسترن. أهم مايميز "راعي البقر"، بجانب حب المغامرة والمخاطرة، "العيش حياة الوحدة بعيدًا عن المدن"، كما تصفه الويكييبديا.

كان أكثر مايستهويه في أفلام طرزان، وأفلام الكابوي، صورة تحلَّق الأبطال ليلا حول النار في الصحراء، يشربون القهوة، ويأكلون اللحم المشوي، بلذة ونهم، دون أي حيطة لدرجة سخونتها، ثم ينام كل منهم، وهو يضع السرج عند رأسه، وبجانب الحصان، وينظر للسماء المفتوحة، ليتابع مسارات النجوم. لم تفارق هذه الصورة ذاكرته، وربما نحتْ حياته كنسخة من هذه الصورة الأصلية: الجلوس حول النار في ليل الصحراء، ثم النوم على المرتبة على الرمال، بجوار فردة كاوتش العربة، ملتحفا بالجَرْد، وهو الغطاء المصنوع من وبر الجمل. مشهد بسيط في مكوناته، ولكن هذه البساطة أيضا أصعب شيء، لأنها تحتاج عمرًا لتحقيقها، لتنسلخ من جلد حياة، وتدخل في جلد حياة أخرى، للقفز والتأقلم على عالم مغاير تماما.

كان أول حضور لهذا العالم المغاير، وهو لا زال طفلًا، رغبته في النوم في البلكونة. أحب هواء الفجر الصاقع، والنقي. أيضا يتذكر لسعة هواء الفجر وهو في طريقه لرحلة صيد السمك في صحبة والده اللواء، وأصدقائه. هواء طازج غير مستعمل، ظلت له رائحة مميزة ومحببة، لم يجدها إلا في الصحراء. هذا المس الوجودي من الطبيعة، التي تعلِّم على أجسادنا بخرائطها الخفية وعلاماتها من الضوء والظل، وحركة الرياح، والأمطار. كانت هذه الصحراء، التي سيولع بها، مختبئة، في طفولته، داخل هذا الهواء الصاقع النقي.

عاش أحمد المستكاوي وسط عائلة تحب ممارسة الرياضة، بكل أشكالها، سباحة وسويدي وتنس. كان الجسم، في ذلك الوقت، هو الذي يقوده لإثبات نفسه: قدرة تحمله، وتطويعه ليكون مستعدًا، لأن هناك لحظة مواجهة قادمة يعد نفسه لها. كان يهوى المنافسة على حب البنات، وأحيانا يتعارك من أجلهن، بهذا الجسم الرياضي الذي سهر عليه، وسط محيط نخبوي من طلبة كلية سان مارك التي تخرج منها. ولكن نموذج راعي البقر كان مختفيا داخل نموذج الدون جوان، وسرعان ماسيعلن عن نفسه.

"راعي بقر" الصحراء

التحق أحمد المستكاوي بالجيش بحثا عن هذه الحياة المغايرة، ومتتبعًا لخطى والده العسكرية، وعُين كضابط في مخابرات حرس الحدود في السلوم، ليقوم هناك بمطاردة المهربين، على كافة تخصصاتهم، بين مصر وليبيا. كان يستخلص، من أي تجربة، الجزء المغامر فيها، وخلال رحلته مع المهربين، تنامى هذا الجزء المغامر، وبعدها عبْر مصادفات بحتة، سيتجه، بعد استقالته من الجيش على رتبة عقيد عام 1990، لتأسيس شركة سياحية، باسم زرزورة في عام 1994، على اسم الواحة المفقودة، وسيقوم بتنظيم رحلات لمنطقة الجلف الكبير، في الركن الجنوبي الغربي من مصر، عند الحدود مع السودان وليبيا.

أحمد المستكاوي وأخوه- الصورة: أرشيف أحمد المستكاوي

"راعي بقر" الصحراء، الذي سيضاف اسمه لقائمة من المصريين القلائل، من محبي الصحراء، الذين ذهبوا إلى هذه المنطقة البعيدة: الأمير كمال الدين حسين، أحمد حسنين باشا، وسمير لاما، وغيرهم، وأيضا الكونت المجري لازلو ألماسي، الذي ذهب لهذه المنطقة، لرسم خرائط لمصر، بأمر من الأمير كمال الدين حسين، الذي مول رحلته. اكتشف الكونت كهف السباحين عام 1929، وقد تم اقتباس قصته في فيلم المريض الإنجليزي، الذي تدور جزء من أحداثه في مصر، أثناء الحرب العالمية الثانية، في كهف السباحين الذي اكتشفه، في منطقة الجلف الكبير، حيث عاش فيه الإنسان الأول.

آدم الصحراء

عندما يحكي أحمد المستكاوي عن علاقته بالصحراء، التي قضى بها سنين خدمته في الجيش حتى استقالته (1971 - 1990)، كأنه في نزهة مصيف طويلة، رحلة استمتاع بالطبيعة، يستيقظ مبكرًا، ليمارس تمارينه الرياضية، ثم يدخل على فقرة ضرب النار، وربما يتبعها تتبع آثار المهربين الأشرار، ومطاردتهم، كأنها لعبة بلاي ستيشن حقيقية.

قضى 8 سنوات متواصلة على هضبة السلوم، لا يأخذ أجازة إلا كل 3 شهور. هناك تعلم قراءة الجُرَّة أو الأثر، بواسطة رجل بدوي يدعي غنيوة أبو بللوزة، يصفه بأنه أشهر دليل في الصحراء، علَّمه النجوم، وإشعال النار، وسكك المهربين، بجانب تاريخ القبائل وصراعاتهم.

كانت هوايته مطاردة المهربين البارعين في السياقة، يجري وراء آثارهم، بعربته، في هذه الصحراء المفتوحة، أحيانا يقترب منهم، ويطلق الرصاص على كاوتش عربتهم، حتى يجبرهم على التوقف. تشتعل المنافسة بينهما، وتتطاير سحب الرمال، كأنهم أصبحا أصدقاء مغامرة، فمن غيرهم يمكن أن يوفر له هذه المنافسة الممتعة؟

يشرح لي جغرافية الصحراء.الريح هي صاحبة الكلمة، فهي التي تغير شكل الصحراء، تكوِّن الكثبان، وتنقلها من مكان لآخر، كأنها تتحرك، وفي حركتها تنقل الحبوب، ويطلع بسببها الشجر.

بجانب مطاردة المهربين، أحيانا كان يطارد الغزلان، كي يؤمن لدوريته طعام العشاء، لا يصطاد إلا غزالة واحدة، وفي آخر اليوم يشعلون النار ويتحلقون حولها، يأكلون لحم الغزال المشوي، ويشربون القهوة. ذكَّرته بفيلم صائد الغزلان، عندما نظر الغزال في عين صياده، جفل الصياد، وطاشت الرصاصة. يبرر صيده للغزال لتوفير طعام العشاء، ولا يقوم بصيد الإناث، أو يطلق النار عليها في شهر الحمل، في مارس. في إحدى رحلات الصيد، زادت كمية الغزال التي تم اصطيادها، وملأت دماؤها صندوق العربة التويوتا البيك أب الأبيض. عندما شاهد الدماء، عافت نفسه أكل الغزال، وزادت صلة القربى بينه وبين الصحراء، وكائناتها. معيشته في الصحرا، كما يقول، غيرت من نظرته للطبيعة ككل. في البداية أخذ نظرة البدوي، للطبيعة، وعندما خرج من الجيش وبدأ العمل في السياحة، بدأ اهتمامه بالبيئة، وبدأ يتعلم نظرة أخرى بيئية، للحفاظ على الطبيعة وعدم العبث بهذا الكون النادر والنظيف الذي تشعر، على بساطته، باكتماله في ذاته.

يشرح لي جغرافية الصحراء.الريح هي صاحبة الكلمة، فهي التي تغير شكل الصحراء، تكوِّن الكثبان، وتنقلها من مكان لآخر، كأنها تتحرك، وفي حركتها تنقل الحبوب، ويطلع بسببها الشجر. الريح هي التي تمنحك الإحساس بأنك الإنسان الأول، أدم الصحراء، فعند هبوبها تزيل الأثر، وتحول الصحراء لصفحة بيضاء، كأنك الأول الذي يضع قدميه في المكان. في الوقت نفسه هي عدوة لزائر الصحراء، كونها تمحو الأثر، أو الدليل الذي يمكن أن يقودك للنجاة. الأثر بالنسبة للزائر، مثل مفتاح الباب، أو الدليل، الذي يربطه بالحياة، بمرور أحدهم، فهذه العلامات عبارة عن خيوط مشدودة لمكان ما خارجه. غياب الأثر، كما يمنح التفرد وإحساس الإنسان الأول، يمنح أيضا الموت، انقطاع الاتصال بمن حوله، أو التيه. قبل أي رحلة يقوم بها، يجهز دفاعاته كيف يواجه الريح. أحيانا يثبت الخيم على العربات ليمنع تأثرها بالرياح. هناك نظرية تعلمها من أحد البدو، أن عند هبوب الريح ما عليه سوى أن يضع مصدًا لها في أقوى مكان، لقطع الريح، وتفريقها. في هذا المكان، يكون الهواء ميتا، فيقوم بالتخييم فيه.

كهف الإنسان الأول الذي اكتشفه المستكاوي وفودجيني- الصورة: أرشيف أحمد المستكاوي

لايفقد متعته في الصحراء، في كل رحلة تتجدد شكل الصحراء في عينه، وتتخلق كل مرة صحراء جديدة، بتفاصيل وعلامات جديدة. كل رحلة يسير من طريق مختلف، لأن هذه الصحراء الواسعة لها شوارع وسكك وحواري، يصنعها الضوء والظل والجبال، والكثبان، التي تتحرك من مكان لمكان، فيتعير شكل الصحراء، فاختيارات الطريق متعددة، بالرغم من وضوح الهدف. أحيانا ينتقي الطريق حسب درجة الضوء والظل المنعكسة عليه، فصورة الصحراء، أمامه، مثل سوليت للحياة، صورة بالأبيض والأسود.

دائرة الخلق القريبة

خلال إحدى رحلات السفاري، في رأس السنة عام 1998، واجهته الصحراء بأحد أوجهها المأساوية. عثر، مع الفوج المصاحب له، على جثث متخشبة لأربعة سودانيين، كانوا يقومون بهجرة غير شرعية عبر صحراء الجلف الكبير، باتجاه الكفرة في ليبيا. كانت الجثث عارية، ويفسر أحمد المستكاوي سبب هذا العري، بأن التائه في الصحراء، يحدث له شلل في تفكيره، فيبدأ بالسير في دوائر حول نفسه، ثم يخلع ملابسه كاملة من فوق جسمه، ويرميها بعيدًا. قام هو والفوج المرافق له، بالصلاة عليهم ودفنهم، ووضع شواهد قبور، وبدون أن يتأكدوا من ديانتهم "في الصحراء لا توجد جنسية، أو ديانة، كل شيء بالنية، كل شيء لله".

في كهف "السباحين" القريب من المكان الذي عثروا فيه على الجثث، ماتت كاترين، حبيبة الكونت ألماسي في فيلم المريض الإنجليزي، بعد أن تعطلت طائرته بعد أن فرغ وقودها، وتأخر في طريق عودته لإنقاذها، غير أن البريطانيين قبضوا عليه، ما أن عرفوا اسمه، واقتادوه باعتباره جاسوسًا، ثم هرب، وعاد إلى الكهف، حيث ترك كاترين، ليجدها قد فارقت الحياة.

يقول، عندما سألته كيف يرى الله في الصحراء؟ إن قوة الخلق واضحة تماما، فالأرض الجرداء التي ينزل عليها المطر، فيطلع الزرع، فقوة الخلق تتجلى في فعل الإنبات، "الصحرا أكثر مكان يقربك، ويحدث اتصال بينك وبين الله، ويقصر المسافة، ليست الأرض فقط، ولكن الأرض والسماء، والريح والسكون، وتكوين الحجارة، وأنت موجود وسط كل هذا، يحدث اتصال بينك وبين ربك". يضيف أنه جزء من خلق الله، وعندما يكون داخل الصحراء، فهو داخل دائرة الخلق الإلهي في أوضح صورة لها، فتجذبه الدائرة، ويصبح قريبا من الله.

سمير لاما وقصته

يقول المستكاوي أن علاقته برحلات الجلف الكبير بدأت عند لقائه عام 1977 بـسمير لاما، المغامر والممثل، الذي تعلم منه السفر هناك. كان سمير لاما أول من نظم رحلات سفاري للجلف الكبير في مصر، فعلاقته به والسفر معه، جعل عنده حلم أن يكمل حياته في الصحراء، وربما هو النموذج الذي وضع حلم "راعي البقر" في مكانه الصحيح، وغير المتوقع، لأحمد المستكاوي، الشاب الباحث عن المغامرة والحياة المغايرة، وربما دفعته للاستقالة من الجيش، وتأسيس شركته السياحية الخاصة.

اسم عائلة لاما مهم جدًا في تاريخ السينما في مصر. عائلة فلسطينية هاجرت من بيت لحم، إلى شيلي. وفي رحلة عودتهم، من شيلي، عرجوا على الإسكندرية، بسبب مرض الأب، فاستهوتهم الحياة الفنية هناك، وكان عندهم ولع بالسينما، فأسسوا شركة كوندور لإنتاج الأفلام عام 1927.منحت الأم جنيهات ذهبية لولديها إبراهيم وبدر لاما، للعمل في إنتاج الأفلام، ثم انتقلوا للقاهرة، عام 1930 وأسسوا استديو بجوار سراي القبة. في تلك الفترة كانوا يذهبون في رحلات صيد في غابات السودان، التابعة لمصر آنذاك، وأيضًا رحلات لصيد الغزال في الصحراء الغربية. قامت الشركة بإنتاج العديد من أفلام المغامرات، التي كان يقوم ببطولتها بدر لاما، عم سمير، ويخرجها أبوه إبراهيم لاما. اشترك سمير في بطولة بعض الأفلام، خاصة بعد وفاة عمه بدر لاما، الممثل الأول للشركة، عام 1947، فحل سمير مكانه لسمته الرياضي، ونشأته في جو المغامرات، والغابات، والصحراء، وعربات الدفع الرباعي. وقام في فيلم طرزان، وكان عمره 16 سة، بإطلاق الرصاص على أسد حقيقي.

حب سمير لاما للصحراء له سبب آخر، ربما هروبا من مأساة عائلية. فقد مات أبوه منتحرًا، عام 1953، بالمسدس نفسه، الذي أطلق منه ثلاث رصاصات على زوجته، التي رفضت البقاء معه، بعد تعثر أحوال الشركة وتأميم الشركات الأجنبية بعد الثورة. عندها ضاقت الدنيا في عين سمير، سافر للعمل دوبليرا في لبنان، ثم سافر بعدها لانجلترا للعمل في سباق السيارات، "وكسب قرشين"، ولكنه لم يكمل، فسافر أخيرا إلى ألمانيا وتزوج.

قافلة المستكاوي في العوينات- الصورة: أرشيف أحمد المستكاوي

في هذا الوقت كانت شركات السياحة الفرنسية قد بدأت رحلات السفاري في صحراء الجزائر، فقفزت الفكرة في رأسه، وقرر أن ينافسهم في تنظيم رحلات لصحراء الجزائر، بخبرته المختزنة في طفولته، ونجح فيها، ثم نقل نشاطه للصحراء الغربية في مصر، وكان أول من قام تنظيم رحلات سفاري لمنطقة الجلف الكبير. وبدأ التعارف على أحمد المستكاوي، الضابط الشاب، الذي كان يرافق رحلاته، بأوامر من قادته في حرس الحدود، وكان وقتها عمره 25 عاما، وعمر سمير 44 عامًا.

كانت تطارده حياة مأساوية، فتزداد سرعته في الصحراء، هربا منها، فلم يبق أمامه شيئا سوى المستقبل المفروش أمامه على الرمال. كان الشاب المستكاوي يقود عربة مرسيدس ينيموك دفع رباعي مع الأفواج السياحية التي كان يأتي بها سمير من أوروبا، باتجاه الجلف الكبير وجبل العوينات المصري. كانت هذه الرحلة، التي استغرقت 15 يومًا، أكبر تحد يمكن أن يقوم به مغامر في هذه الصحراء الواسعة. كانت هذه المنطقة شهيرة برسومات الكهوف التي رسمها الإنسان الأول.

زار في رحلته الأولى وادي صورة، وكهف السباحين، وعثروا في الصحراء على أدوات الإنسان الأول التي كان يصيد بها، وشاهد النصب التذكاري للبرنس كمال الدين حسين. ثم تسلقوا جبل العوينات، وديان وشجر ورسومات ما قبل التاريخ. سألته هل شعر بالصدمة عندما رأى رسومات الإنسان الأول، وسار على خطواته، التي محتها رياح آلاف السنين؟ "في الرحلة دي ماحستش أوي بالرسومات، أو إحساس الإنسان الأول، مكنش عندي الصدمة، كنت شايفها شوية خربشات على الحيطة، كنت لسه "الكابوي" اللي دماغه في العربيات، ونلم الخشب، ونعمل نار بليل، ونضحك ونهزر، ونصيد. كان بيستهويني جزء المغامرات في الرحلة".

ولكن فتى الكابوي سيتغير اهتمامه فيما بعد، عندما بدأ العمل في سياحة السفاري، وفي تأسيس شركته الخاصة. خلال هذه الرحلات الطويلة، والمغامرات والإثارة التي تتخللها، تطورت الصداقة بينه وبين سمير لاما، كل شتاء عندما يبدأ موسم الرحلات، تتجدد هذه الصداقة. فقد كان الاهتمام كله منصبًا في هذا الاتجاه رسومات الكهوف، والبيئة، وهذا ما سيتيح له عام 2002، إلى اكتشاف أحد هذه الكهوف، وسيسمى باسمه، وسيكون إحدى علامات هذه الصحراء. كانت رغبته أن يضع اسم مكتشف مصري وسط أسماء الأجانب الذين اكتشفوا هذه الكهوف، بالرغم من أن المكتشف الحقيقي، كما يقول، هم البدو الذين دلوا الأجانب على هذه الكهوف. "في الصور القديمة لرحلات الاستكشاف، تشاهد رجل بدوي واقف بعيد في الصورة" هذا البدوي هو سبب هذه الصورة، فلم يشأ، المستكاوي، أن يقف بعيدًا، مثل هذا البدوي،عندما تؤخذ صورة تاريخية مكبرة للصحراء.

الخط غير المرئي بينه وبين الأجانب

دائما هناك "خط" يضعه بينه وبين الأجانب الذين يذهبون معه في رحلاته، عادة يكون عدد متوسط الرحلة 12 سائحًا، بجانب أربع سائقين على أربع عربات دفع رباعي، وطباخ. مجتمع صغير وخليط بين ثقافات ولغات وطبقات يتحرك وسط هذه الصحراء، يستدعي وضع حدود معينة. هذا الخط يقوى ويرق تبعا للزمن، ولا يجب تخطيه. يصف هذا الخط اللا مرئي بالاحترام المتبادل، وعدم زيادة الهزار، خاصة في بدايات الرحلة، ولكن بعدها "واحدة..واحدة" يزول هذا الخط، أو تخف حدته، وفي النهاية يُبلل الخط بالدموع، فجميع من في الرحلة يبكون من شدة التأثر، وهم يودعون الرحلة.

حكاية ماسيمو فودجيني

تعرف في رحلاته على رجل الأعمال الإيطالي ماسيمو فودجيني، وسيرتبط الاسمان، رغمًا عنهما، وسيصبحان أحد إحداثيات خريطة الصحراء لآلاف من السنوات القادمة. كان ماسيمو يملك 3 شركات بلاستيك كبيرة، للوازم السيارات، قام ببيعها، وتفرغ لاكتشاف كهوف الصحراء، ليخلد اسمه وسط أسماء الأجانب. طلب ماسيمو من أحمد المستكاوي أن يسافر في رحلات خاصة بدون شركاء آخرين، للجلف الكبير. كان فقط يصطحب ابنه وصديق ابنه المصور الفوتوغرافي. كان عنده هوس بأن يستكشف مناطق جديدة، ويضع عليها اسمه، وهي إحدى متنفسات حركة رأس المال الحديث، أن يضع اسمه وعصاته على خريطة التاريخ، رغبة في تأميمه.

في كل رحلة، كانوا يذهبون للبحث عن الكهوف والرسومات غير المسجلة، التي كان أغلبها معروفا ومسجلا. في إحداها أثناء بحث أحمد المستكاوي، بمفرده، عن مكان للمبيت، وجد قطعة أرض منبسطة "رملاية حلوة". بينما ماسيمو وابنه وصديقه بعيدا عنه يبحثون. عندها نزل أحمد من العربة وسار على قدميه، فوجد كهفًا عاليًا تنحدر الرمال من منتصفه تقريبا، وهناك جزء عال، مكشوف. أغراه هذا الشكل، وكان على مبعدة من الكهف الحجر الصوان الذي كان يستخدمه الإنسان الأول في طحن القمح. دله الحجر على أن كانت هناك حياة بهذا الكهف. صعد تلة الرمل، واقترب من قمة الكهف، وعثر على رسومات في سقفه، فتحدث سريعا مع فودجيني يخبره بالاكتشاف، وأن يأتي على عجل.

أحمد المستكاوي وماسيمو فودجيني- الصورة: أرشيف أحمد المستكاوي

لم يصدق أحمد المستكاوي، في البداية، أنه اكتشف كهفًا، لم يصل إليه أحد من قبل، وأن آخر من سار في هذا المكان هو الإنسان الأول، نظر حوله مرة وأخرى ليتأكد، فلم يجد أي "جُرر"، أو آثار حديثة، لأحد جاء هذا المكان. حضر فودجيني مسرعًا، وتسلق الرمال، وتأكد من الاكتشاف، فقام بوضع عصاه، وقال فلنسمه "كهف فودجيني". عندها شعر أحمد المستكاوي بغصة، وبأنها النهاية لعلاقته مع فودجيني. اكتشف فيه طمعًا وأنانية، ثم تدخل ابن فودجيني، مناصرًا أباه، وبدأ يلمح بأن أباه هو الذي يصرف على هذه الرحلات، فتعقدت الأمور أكثر، وأصبح الخط غير المرئي هشا للغاية، ودخلت فيه النقود والأنانية، وعبَّر أحمد المستكاوي عن غضبه، ولكن في النهاية حدث الاتفاق أن يسمى كهف"فودجيني- المستكاوي". ودعا بعضهما بعد عودتهما للقاهرة، وإثبات الاكتشاف، وكانت نهاية صداقتهما. في هذا اليوم وضعا زجاجة شمبانيا أسفل الكهف، كتبا فيها عن الاسم والاكتشاف وموعده ومن كان حاضرًا، وقال لي المستكاوي، إن في رحلة أخرى اكتشفوا اختفاء هذه الزجاجة، التي يرجح بأن ماسيمو فودجيني قد أخذها، ربما ليشيد نصبا تذكاريا في بيته حول الزجاجة، أو ليصادر الوثيقة الوحيدة للاكتشاف.

رسائل الصحراء

هناك العديد من هذه الزجاجات تنتشر في الصحراء، بدأ تاريخ هذه العلامات الحديثة مع الحربين العالميتين الأولي والثانية، قبلها كان البدو يختارون علاماتهم من الطبيعة. في دوريات الحدود كان أحمد المستكاوي، وجنوده، يضعون علبة فول بداخلها أوراق، بدلا من زجاجة الشمبانيا، لإثبات أنهم مروا من "هنا". أي تنقل في الصحراء، ولو بسيط، يجب توثيقه في هذا السجل المفتوح: الأسماء والموعد والمهمة، كأنها رسالة توضع في مكان يمكن أن يراها بسهولة من يعرف هذا المكان، مثل صندوق البريد. كان هناك مجتمع للصحراء يتبادل هذه الرسائل عبر أزمنة، فهذه العلامات رسالة لمن سيأتي. هناك نوع من التوثيق للحياة اليومية في الصحراء، الذي يكتب بهذه العلامات والرسائل ربما لإثبات أن هناك من قهر الموت، الذي يتوارى خلف كل رحلة، أو مرور هناك. هذه الوريقات الصغيرة داخل صفائح علب الفول، أو زجاجات الشمبانيا، أو إطارات العربات، لن تظهر إلا بضياع الأمل في النجاة.

بعض علامات الصحراء في الجلف الكبير- الصورة: أرشيف أحمد المستكاوي

عشت لحظات سعادة قصوى فوق قمة أحد الجبال في إحدى قرى اليونان عام 1998، أنا وسلوى زوجتي، وقبل أن نهبط وضعنا رسالة تحوي اسمينا ومدينتنا وعنواننا، داخل زجاجة نبيذ. كانت رسالة امتنان للحياة التي نرى عظمتها، من فوق جبل. وتركنا الزجاجة هناك، ولا نزال ننتظر، طوال هذه السنوات، من يرد عليها.