تصميم: يوسف أيمن- المنصة

عن معاداة الإنجاب: الأفضل للبشر ألا يولدوا أبدًا

"بالنسبة للبشر فإن أفضل شيء لهم هو ألا يولدوا أبدًا، وألا يكونوا جزءًا من هذا العالم، وهذا هو الخيار الأول الذي ينبغي أن نختاره إذا كان متاحًا، أما الخيار التالي الأفضل لنا، إذا حدث ووُلِدنا، فهو أن نموت في أقرب وقتٍ ممكن".
- أرسطو، من كتاب أخلاق يوديمس.

رفض إنجاب طفل ليصبح شابًا بائسًا يشقى ويعاني في الحياة، ليموت شيخًا كرقم على هذا الكوكب، هو ضرب من الجنون في عرف هذا المجتمع، وهي وصمة اجتماعية من المحيط كله. فأنت إما مجنون، أو مريض غير قادر على الإنجاب، أو لعلك "مبتعرفش، مش شغال يعني" باللهجة الدارجة المصرية في إشارة لعدم القدرة الجنسية، أو أنك متخاذل لا تستطيع مجاراة الحياة وممارسة دورك الطبيعي فيها، كمجرد مورِّد نسل للبشرية، وقد يصفك البعض بأنك كافر بالدين والتاريخ البشري، وفي جميع الأحوال يبقى رفض الإنجاب وصمة عار اجتماعية كبيرة تعزلك وتجعلك تهرب من نظرات الجميع وتساؤلاتهم.

بعد بلوغي سن الثلاثين، قررت أن يكون ردي علي أي نقاش لا أحبه أو يكون سببًا في مضايقتي وزيادة توتري في الحياة هو "لا تتحدث معي في هذا الموضوع مرة أخرى.. وإلا قتلتك"، أحيانًا تخرج الجملة من فمي مع ابتسامة سخيفة مصطنعة ومرات أخرى مع ابتسامة حقيقية من القلب، وأحيانًا تكون حادة كسكين، ومرات كثيرة جدًا أرد بها في عقلي دون أن أتحدث، خوفًا من تداعيات الأمور.

حين كنت في مقتبل العشرينيات، كنت أتناقش وأخوض الأحاديث ومعارك الجدل، ولكن الأمر أصبح مرهقًا للغاية، وأظن أن السبب في ذلك قد يكون التقدم في العمر وتراكم التجارب. ولذلك، ابتكر عقلي جملة قوية لردع محاولات الغير للتدخل فيما لا يعنيه، وأصبحت وسيلة دفاع تهدئ من أفكاري ومشاعري، ولا تجعلني أنخرط فيما قد يؤدي للسب والضرب أحيانًا، خاصة تلك الأحاديث عن إنجاب الأطفال والذرية الصالحة التي سأتركها للعالم بعد مماتي؛ لتخليد ذاتي وذكراي على كوكب الأرض الكبير.

تسألني أمي، ويتساءل أصدقائي ومعارفي، ولا يتورع الغرباء عن طرح أسئلة مشابهة. أمي "عمرك 30 سنة الآن ماذا تنتظر؟ غدًا ستصبح أكبر ولن تستطيع الإنجاب، استغل فترة الشباب هي الأفضل لتنجب طفلًا يكبر بين أحضانك ويرعاك عند التقدم بالسن، متزوج منذ خمس سنوات وأكثر، فماذا تنتظر؟". آخرون "إيه مفيش نونه قريب؟ إيه مفيش حاجة جاية في السكة؟ مش ناوي بقى؟ يابني مش تبطل قلة عقل وتخلف حتة عيل؟ ده المال والبنون زينة الحياة. كده كتير خمس سنين، صح؟ كل عيل بييجي برزقه وربك مبينساش حد. هو انتوا تعبانين أو حاجة لاقدر الله؟ خلّفت ولا لسه؟".

سؤال أراه خبيثًا بعض الشيء وأحيانا كثيرة لا أعرف المقصد منه هل هو السخرية أم الاطمئنان على حياتي، أشعر به أحيانًا كنوع من أنواع الوصم الاجتماعي، وكأنني مغتصِب أو شاهد زور أو مجرم حرب، هل خذلت نفسي والبشرية وسأكون سببًا في انقراضها، لأنني لم أقم بدوري في الحياة كما فعل الجميع؟ لم أنجب صغيرًا يصارع العالم ويُهزَم بروح رياضية ويصبح مجرد رقم في القطيع، ويموت في رضا وسعادة زائفين.

"ربنا هيديك عيل إن شاء الله"

تعرضت لمشكلة بسيطة في شبكة السباكة والصرف المنزلية منذ شهر تقريبًا، وأغرقت المياه جزءًا من المنزل، فسارعت للاتصال بسبَّاك، حتى يصلح ما فسد ويعم السلام مرة أخرى أرجاء منزلي الصغير.

جاءني رجل يدعى سلطان، صاحب وجه بشوش في الأربعينيات من عمره، ولد في محافظة سوهاج، جنوب مصر، وانتقل للعمل في القاهرة والمدن الجديدة المحيطة بها، لقلة فرص العمل في بلدته الصغيرة كحال معظم أبناء الجنوب.

أثناء عمله بدأت محادثة تعارف بيننا، كعادة المصريين، بدأها سلطان، "اسمك إيه يا باشمهندس؟ شغال إيه؟ من فين؟" أجبت عن الأسئلة دون تردد أو ضيق، وسألت مثلها بالطبع وأجاب.

وبعد بضع ثوانٍ من العمل أكمل سلطان الحديث "متجوز؟ شكلك صغير؟".

بعد المزاح والابتسامة أجبته أخبرته أنني متزوج منذ خمس سنوات ونصف تقريبًا، ولست صغيرًا كما تبدو ملامح وجهي فأنا تخطيت الثلاثين الآن. بعدها جاء سلطان بالسؤال الخبيث الذي لطالما كرهته منذ أول شهور الزواج "وخلفت بقى، معاك أطفال؟". وقع عليَّ السؤال كمطرقة من السماء، هل أجيب بالجملة الرادعة أم أكذب وأقول له نعم، وينتهي الأمر والنقاش الذي لطالما كرهته ويتسبب في غضبي وتوتري؟

صورة برخصة المشاع الإبداعي: Wally Gobetz- فليكر

بعد دقيقة وربما أكثر من الصمت ونظرات التعجب من سلطان أجبته "لا ليس لدي، لم ننجب أطفالًا" نظر لي سلطان نظرة عطف وشفقة، قائلًا "ليه كده؟ لعل المانع خير، كله بأمر ربنا، ربنا يديك الذرية الصالحة إن شاء الله". وكان ردي ابتسامة بسيطة ثم الصمت لعدة دقائق، ولكن لم يصمت أو يكتف، وأكمل حديثه عن الموضوع المعقَّد.

سلطان "وليه مخلفتش بقى، مستني إيه؟"، لم أجب، فسأل سلطان مرة أخرى "إنتوا عايزين كده يعني، ولا في تعب ولا حاجة لقدر الله؟".

لم أُجِب للمرة الثانية، وهنا شعر سلطان ببعض الحرج والعطف من عدم إجابتي له ولكنه أكمل حديثه "أنت عارف دي حاجة بإيد ربنا، ماتستعجلش، ربنا هيديك عيل إن شاء الله، طيب وأنت رحت لدكتور ولا حاجة؟ كشفت أقصد؟ ولم يعطني سلطان فرصة للإجابة تلك المرة واستفاض "أنا كان عندي ابن عمي مخلفش لمدة 8 سنين، وكشف وراح لكل الدنيا دكاترة وشيوخ، وبعدين ربنا اداله 3 عيال الحمد لله، أوعي تزعل وربك كريم". أبتسم فقط ولا أجيب أو أجاريه في الحديث.

سكت سلطان أخيرًا وحاولت أن أنشغل بأي شيء حتى ينهي عمله وينتهي هذا الموقف المحرِج، بعدها عاد سلطان لمناداتي والحديث مجددًا، ولكن تلك المرة كان الحديث متناقضًا تمامًا "انت عارف العيال دول هم وقرف حاجة صعب والله، مصاريف وتعب وعلاج وتعليم وهم ما يتلم، والله انا تعبان مع عيالي وقرفان، ده أنت كده رايق، وأعرف واحد عندنا في الصعيد مخلف 9 عيال والله ما يعرفهم من بعض، وقاعد في بيت أوضتين وصالة بالمنافع هو مراته وعياله وأمه، كان شغال نقاش وقع من الدور التاني واتكسر ورجله مركب فيها شرايح ومسامير ومبيشتغلش دلوقت، حاجة صعب والله يا أستاذ، والعيال سارحين في الشارع كده اللي ياكل ياكل واللي يحصله حاجة يحصله زي المواشي، والله بكلمك بجد الوضع عندنا في الصعيد صعب، العيال عندنا في الصعيد زي الأرانب، العدد في الليمون، ساعات الناس بينسوا عيالهم أصلًا وأشكالهم من كترهم".

هل أنا أحمق فعلًا وخذلت العالم كله بموقفي هذا؟ هل حقًا سأندم على هذا الوقت الضائع، وسأنتظر أي فرصة لتصحيح الخطأ بعد فوات الأوان؟

لم أستجب لحديثه مرة أخرى وتظاهرت بالانشغال بمكالمة هاتفية حتى إشعار آخر، وبعد دقائق أنهى سلطان عمله وبدأ في ترتيب المعدات والحديث عن الأجر، وذهب مسرعًا من أمامي في حيرة من أمره قائلًا "أنا آسف يا أستاذ لو ضايقتك"، ابتسمت له ولم أرد، وأعلم أنه شعر بالحرج لأنه أعتقد أنني شعرت به أيضًا لكوني رجل مريض لا أنجب، ولذلك ذهب مسرعًا دون أي محاولات أخرى للحديث أو الشرح.

أدرك أيضًا تعمده الحديث عن الأطفال بشكل سيئ لرفع الحرج عني كرجل مريض، ولكنني أعلم جيدًا أيضًا أن كل ما قاله حقيقي وواقع أليم نعيشه، وليس مجرد مواساة لمرضي المزعوم في عقله، وأن حال صعيد مصر في كارثة بسبب الزيادة السكانية وكثرة الإنجاب، وهذا ما جاء به هو نفسه للعاصمة، ليعمل ويعيش ويجد فرصة للنجاة، وهو أمر غير متوفر في مسقط رأسه نتيجة الزيادة السكانية والفقر وانعدام الفرص.

لم أغلق الباب بعد خروج سلطان، وقفت أنظر على الطريق الطويل الذي يمشي فيه مبتعدًا عن منزلي، وأنا في قرارة نفسي وعقلي أتحدث لذاتي "لا تنجب، لا تنجب، لا تنجب، ثم وبصوت عال قلت لسلطان غير الموجود "لا تتحدث معي مرة أخرى في هذا الموضوع، وإلا قتلتك".

رحلة معاناة مع المحيط

النسبة الأكبر من البشر ضعيفة المشاعر وسط المحيط، وتتأثر بطرق مختلفة بأحاديث وملاحظات القطيع في كل تفاصيل الحياة، فقد يجعلك المجتمع مجرمًا أو غبيًا أو كاذبًا أو شريرًا، إذا كان وصمهم لك على طول الطريق أنك هذا الشخص، ضغط كبير يضعك فيه المحيط باستمرار في كل كبيرة وصغيرة وقد يؤدي إلى الانفجار في أي لحظة ولن تحمد عقباه أبدًا، مهما حاولت أو حاول هذا المجتمع، وأي حديث عن فلسفة معاداة الإنجاب تصنَّف نوعًا من أنواع الكفر في مجتمع شرقي متدين يعشق فعل الأمور في الخفاء من باب الستر وعدم الفضيحة، تبنّى أي فلسفة وأي أفكار ولكن لا تتحدث عنها في العلن، وإلا ستوصَم في الحال، هذا هو النظام.

أفكر لساعات طويلة في تلك الاسئلة والمحادثات من محيطي عن الإنجاب؛ ماذا لو حدث شيء ما؟ ماذا سيتغير؟ ما الغاية والهدف؟ لماذا يتحدث معي هؤلاء حول هذا الموضوع بتلك الدرجة من الاهتمام؟ ما الفائدة التي ستعم عليهم من إنجابي؟ هل نواياهم طيبة وإن تبدو الأسئلة غير مريحة، كما يرتكب الجميع الحماقات بنية حسنة ودون قصد أو إدراك؟

تلك الأسئلة الصعبة ذات الوجهين أو أكثر، تجعلني في غضب وتوتر مستمرين، وكيف لا، وهي تحمل في طياتها عدة أفكار لا تبدو لي جيدة على الإطلاق؟ حتى جعلوني أشك في منطقي وطريقة تفكيري ونفسي أحيانًا، متناسيًا تلك الحوادث التي كان فيها شبح الإنجاب يخيِّم على حياتي الزوجية وحاولت بشتى الطرق منعه، وكان آخرها التدخل الجراحي لمنع حدوثه. هل أنا أحمق فعلًا وخذلت العالم كله بموقفي هذا؟ هل حقًا سأندم على هذا الوقت الضائع، وسأنتظر أي فرصة لتصحيح الخطأ بعد فوات الأوان؟ هل إنجاب الأطفال هو الهدف الأول للبشر على هذا الكوكب؟ هل أنا مريض بالفعل وغير قادر على الإنجاب حقًا؟

في النهاية قررت أن أثق بنفسي وما حدث معي من تجارب، وأثق في مشاعر خوفي من هذا الطفل البريء الوافد للحياة دون رغبته، وتوصلت لحل سحري دائم، جملة تترك من يسأل في حيرة من أمره من تكرار السؤال مرة أخرى، مع ابتسامة غير مبرَّرة أو تعابير وجه تدل على الخوف والاشمئزاز تجاهي أحياًنا، وأصبح الشعار " لا تتحدث معي في هذا الموضوع مرة أخرى.. وإلا قتلتك".

رحلة معاناة مع النفس

قد يكون التعرض لمناقشات وأسئلة المحيط أمرًا صعبًا ومحبطًا للغاية، ولكن الأصعب هي الجلسات مع النفس والتي تنتهي بعشرات الأفكار والأسئلة التشاؤمية، التي تجعل السقوط في الاكتئاب أمرًا سهلًا، خاصة في تلك الجلسات التي أقع فيها فريسة معضلة أن الأطفال هم في الوقت نفسه "أفضل شيء في الحياة الأسرية وربما الحياة بأكملها، وأنهم أيضًا سبب كل مشاكل الحياة وضغوطها، ومحور العلاقة الزوجية".

عشت أيامًا عديدة مكتئبًا وكارهًا لكل شيء في هذا العالم غير العادل بطبيعته. هل سيعاني طفلي كما يحدث معي الآن؟ كيف أتركه في هذا العالم الصعب غير المنطقي بالمرة؟ لماذا أنجبني أبواي من الأساس، ومن أين لهما بتلك القوة والجرأة على توريط شخص في الحياة دون إرادته، وتركه يلقى مصيره هكذا؟

صورة برخصة المشاع الإبداعي من حرب فيتنام. manhhai- فليكر

ماذا سيحدث إن جاء طفلي وكان لا ديني أو مثلي الجنس في مجتمع عربي متدين، هل سيقتله المجتمع؟ ماذا إن ذهب إلى أحد المدارس طلبًا للعلم وتعرَّض للضرب وسال دمه على يد طفل آخر ابن لأسرة من أصحاب السلطة أو المال أو من أصحاب اليد القوية والعين الحمراء؟ كيف سأعيد له حقه ودمه وثقته في نفسه والأهم ثقته في والده؟

ماذا إن كان يفكر بطريقة مختلفة عن محيطه، هل سيكرهه الجميع ويصبح منبوذًا مجتمعيًا؟ ماذا أفعل له حينها؟ ماذا سيحدث إن لم يقوَ على العالم الخارجي ولم يستطع التعايش معه؟ ماذا سأقول له عن الخطأ والصواب والخير والشر والحق والعدل والظلم، وأنا لا أعرف في حقيقة الأمر ما هو صواب وما هو خطأ بشكل قاطع من الأساس؟ ماذا سأقول له عن أي شيء في العموم؟

كيف أنجب طفلًا وأتركه في تلك الدائرة المغلقة التي لن ينجح في مغادرتها أو الوصول إلى أي طريق فيها؟

هل أكذب عليه كما كذب علينا آباؤنا بأن الدين الذي ولدنا عليه هو الصواب والحق، وباقي مليارات البشر حول العالم حمقى سيعاقبهم الله في النار؟ هل أقول له لا تدخِن ولا تتعاطى المخدرات ولا تنغمس في الملذات، لأنها أفعال سيئة، وأنا أفعل ذلك في الخفاء عنه، ويكبر فيعرف أن والده كان كاذبًا؟

ماذا إن تعرض للتحرش أو الاعتداء الجنسي أو الاستقطاب العقلي في صغره، كيف سأعرف وما أثر ذلك على حياته في المستقبل؟ هل أتركه ليصبح مريضًا نفسيًا أو قاتلًا متسلسلًا؟

هل سيكون ردي على أي تساؤل منه في الحقيقة لا أعرف يا صغيري، كل شيء وارد، وكل شيء ممكن، وكل شيء يحمل الصواب والخطأ، وكل شيء نسبي، ويتوقف الأمر فقط على مكان ولادتك على هذا الكوكب ومحيطك وأفعاله وعاداته وتقاليده، التي قد لا تكون جيدة من الأساس؟

هل أنا فقير بسبب الحالة الاقتصادية السيئة للدولة، أم أنا فاشل لا أستطيع جني المال؟ كيف سأحقق متطلباته إن لم أكن غنيًا؟ ماذا لو حدث لي مكروه أو انتهى أجلي بشكل مفاجئ قبل أن ينضج، هل سأتركه دون رفيق أو سند يتحدث إليه وقت الصعاب؟

كيف أنجب طفلًا وأتركه في تلك الدائرة المغلقة التي لن ينجح في مغادرتها أو الوصول إلى أي طريق فيها؟ في الحقيقة معاناتي مع أصحاب السؤال السخيف من محيطي أمر أسهل بكثير من محاولاتي إجابة أي سؤال من مئات الأسئلة التي يطرحها عقلي، والتي لا أملك أي إجابة قاطعة عنها، فجميعها أسئلة دون إجابات، ألف "ماذا" ولا جواب واحد صريح حقيقي.

تذهب أغلب جلساتي مع الذات لمعضلة أخرى ليس لها حل؛ هل سننقرض كجنس على الأرض، إن لم ننجب؟ هل سأبقى دون طفل مدى الحياة؟ أشتاق كثيرًا للإنجاب في لحظات بعينها، وتغمر قلبي مشاعر الفرح والبهجة التي يدخلها الأطفال على الحياة بمجرد التفكير في وجودهم، تلك الحياة الجديدة التي تلوح في الأفق مع وجودهم داخل عالمنا، وأتمنى لو كنت ولدت في مكان آخر، في دولة أكثر حرية، بها مساحة شخصية للأفراد وأكثر جودة في التعليم والصحة، وغيرها من الأمور الإنسانية التي تسمح لي بإنجاب طفل وأستطيع رعايته وتقديم ما يلزم له في الحياة، ولكن سريعًا ما تغمرني مشاعر الخوف والخوف فقط من الغد في ظل وجودهم، ويخرج صوت من عقلي "كل مكان خطر على الأرض، لا توجد بيئة مثالية تصلح لإنجاب الأطفال على هذا الكوكب".

وفي النهاية تدفعني مخاوفي لإلقاء اللوم على هؤلاء الحمقى الذين أنجبوا أطفالًا ليرضوا غرورهم فحسب، ولكي يشعروا بوجودهم في الحياة من خلال إنجاب كيان صغير يتحكمون به ويرسمون شخصيته ومستقبله وحياته، ويمارسون عليه أمراضهم وتشوهاتهم الاجتماعية ومعاناتهم في العالم، فقط ليشعروا بالإنجاز وتحقيق الذات من خلال هذا البائس الصغير، أم هل أنا الأحمق حقًا؟

في الحقيقة لا أعرف على الإطلاق، ولكنني لن أنجب طفلًا ليري ما أراه في هذا العالم المجنون، لن أرتكب جريمة اُرتكبت في حقي، لن أميل لفعل نفس الأمر لطفلي غير الموجود، وأعتقد أن أفضل شيء له على كل تقدير هو عدم وجوده من الأساس، وتلك هديتي له ولي بالفعل.

فلسفة معاداة الإنجاب والواقع

قد يبدو الأمر شخصي بشكل كبير ويمكن تصنيفه بأنه مشاعر خوف وقلق ربما لمريض نفسي أو مشاعر متضاربة في عالم متخبط غير واضح بطبعه، أو اختيار شخصي بحت للتنازل عن شيء مقابل آخر، ولكن على الجانب الآخر والذي قد يبدو علمي أو منطقي من وجهة نظري، هل تساءلت يومًا عزيزي صاحب السؤال الخبيث عن الإنجاب؛ هل يحتاج العالم حقًا لأطفال أو بشر جُدد لكي يصبح عدد البشر فيه 7.8 مليار نسمة، وشخص إضافي مثلًا؟

في الحقيقة، لست وحدي في هذا العالم أرفض الإنجاب، وأخاف الغد وأخشى إنجاب أطفال فيه؟ فهناك دعوات ومبادرات وكتب، وحتى أعمال درامية حول العالم، تدعو لتبني فلسفة معاداة الإنجاب حتى لا نفعل أكثر مما فعلناه بهذا الكوكب البائس، وجنسنا البشري أيضًا.

الكثير من المواد متاحة على الإنترنت عن فلسفة معاداة الإنجاب أو اللاإنجاب، تلك الفلسفة التي بدأت في وقت مبكر من تاريخ البشرية، وعُرفت للمرة الأولى في الحضارة اليونانية القديمة وذُكرت في كتابات الفيلسوف والعالم ديموقريطس، والفيلسوف سقراط"، وهي تتخلص في الدعوة للامتناع عن الإنجاب باعتباره فعل غير أخلاقي، وتحدث عنها أيضًا الأديب العربي أبو العلاء المعري، الذي أوصي بنقش جملة على قبره تقول "هذا ما جناه أبي عليَّ، وما جنيت على أحد" في إشارة منه لارتكاب والده جريمة بحقه حين أنجبه، وعدم ارتكابه هو نفس الجريمة بحق أحد، فقد عاش حياته دون زواج أو إنجاب أطفال.

وظهرت اللاإنجاب كمدرسة فلسفية حديثة على يد الفيلسوف الألماني شوبنهاور فهو أول مَن نظَّر لفلسفة عدم الإنجاب باعتبارها ضرورة أخلاقية يحتاج لها العالم، ومن بعده ناقش الكثير من الفلاسفة والمفكرين فكرة عدم الإنجاب في العديد من الكتب والأفكار، منهم الفيلسوف الأرجنتيني الأرجنتيني خوليو كابريرا، والفيلسوف البلجيكي ثيوفيل دي جيرو، ومن أهم فلاسفة عدم الإنجاب في العصر الحديث دكتور الفلسفة بجامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا الدكتور ديفيد بينتار، صاحب الكتاب الأشهر في فلسفة عدم الإنجاب "الأفضل ألا تأتي مطلقًا، ضرر القدوم إلى الوجود"، وهناك العديد من المنظّرين الآخرين لتلك المدرسة الفلسفية حول العالم، منهم عالم الفيزياء الأمريكي هنري واي كيندل، ويقال أيضًا إنها ذُكرت قديمًا في تعاليم بوذا، في كتاب روح البوذية للسير هاري سينج عام 1930.

وودي ألن صورة برخصة المشاع الإبداعي- ويكيميديا

تأثر العديد من الكتاب والفنانين حول العالم بفلسفة معاداة الإنجاب، مثل المخرج الأمريكي وودي ألان، والكاتب الأيرلندي الحاصل على جائزة نوبل صامويل بيكيت، وغيرهم الكثير، ويزداد تأثر العديد من البشر حول العالم بتلك الفلسفة وقد يصل العدد بالآلاف حول العالم، والآن توجد العشرات من الحركات العالمية والمجموعات الافتراضية على شبكات التواصل الاجتماعي، تتبنى فكرة معاداة الإنجاب، وهي تنمو يومًا بعد يوم، ويزداد عدد مناصريها في العالم.

من أهم تلك الحركات التي يمكن أن تطلع عن نشاطها مجموعتي R/antinatalism وJust one على الفضاء الإلكتروني، وحركة VHMET والتي تعد اختصار لجملة The Voluntary Human Extinction Movement أو "حركة الانقراض الطوعي"، ووصل انتشار فلسفة معاداة الإنجاب للدراما أيضًا، فنوقشت الفكرة في المسلسل الأمريكي المعروف True Detective الذي أثار جدلًا واسعًا حول مدى صحة الفكرة من الأساس.

ويعتمد أغلب منظري فلسفة عدم الإنجاب على مخاطبة المنطق والعقل البشري لا الغريزة، من خلال الارتكاز على عدة جوانب ملموسة ونراها كل يوم في الحياة ولا يمكن التغافل عنها، فعلى سبيل المثال يعتمد أتباع النظرية على فكرة قنبلة الزيادة السكانية في العالم وعلاقتها بوقف الإنجاب، وكذلك يعتمدون على مسألة التدهور البيئي بسبب البشر وأفعالهم وفلسفة معاداة الإنجاب، وكذلك اقتصاديات الدول حول العالم وميزانيات التربية الباهظة، وأيضًا فكرة أن الجيل الموجود حاليًا هو الأولى بالرعاية والاهتمام من إنجاب بشر جُدد للعالم.

في الحقيقة لا أعرف كيف تبدأ يومك يا عزيزي وما تتعرض له من خبرات وتجارب، ولكنني أدعوك لمشاهدة منصات وقنوات الأخبار يوميًا، لترى الاحتجاجات والثورات على الأوضاع السيئة للبشر والتي لا تتغير أبدًا ولا سيما في محيطنا العربي. هل رأيت الحروب والنزاعات على الثروات والموارد والمجاعات والقتل والدمار ومعاناة البشر المستمرة على هذا الكوكب، وأثر ذلك علي موت وتشرِّد الأطفال وضياع مستقبلهم في مناطق النزاعات؟

أدعوك لمشاهدة حجم الدمار والخراب الذي يُلحقه البشر بالكوكب نفسه حتى جعلوه مكانًا مهددًا بالضياع والانهيار والفناء، وفكرنا في احتلال كوكب آخر للنجاة عليه من الكارثة التي فعلناها بكوكب الأرض، وأيضًا لتدميره واستنزافه هو الآخر، متغافلين عن حقوق الأطفال والأجيال القادمة في فرصة أفضل للحياة.

هل ترى كيف نعامل الطبيعة وباقي الفصائل والكائنات الحية التي تعيش معنا؟ نقتلها ونستبيح بيئتها فقط لفرض السيطرة والشعور بالتفوق والإنجاز. هل فكرت يومًا أننا جنس شرير بطبعه، يلحِق الأذى والضر بنفسه ومحيطه رغم التقدم والتطور والتفوق العقلي المزعوم على سائر المخلوقات؟

تنفق البشرية أموالًا طائلة على الأسلحة والحروب أكثر مما تنفقه على التعليم والصحة ومحاولة القضاء على الأمراض، وهناك عدة تقارير عن مدى تعاسة الأطفال وفقرهم حتى في الدول الكبيرة ذات الاقتصادات العظيمة كأمريكا وبريطانيا.


اقرأ أيضًا: لترضى عنك حماتك والمجتمع: أمومة حتمية لكل النساء


أدعوك أيضًا لتصفح كتب أو مقالات عن حزن واكتئاب الآباء غير القادرين على مجاراة أحلام أطفالهم أو تلبية معظمها، حتى في الدول الغنية، وعن ارتفاع تكلفة إنجاب وتربية الأطفال يوم عن يوم، فما بالك بدول الشرق الأوسط الفقيرة كحال بلدنا. وأن تقرأ أيضًا عن حوادث التحرش واغتصاب الأطفال في كل مكان في العالم؟

يبقى إنجاب الأطفال من أكثر أسباب القلق والاضطراب للزوجين وأحيانًا كثيرة يؤدي إلى فشل الحياة الزوجية وتشرد الأطفال وضياعهم، كما أن الزيادة السكانية هي من أكبر وأخطر مشاكل منطقتا العربية المتوترة دائمًا، وهي مشكلة صعبة تعاني منها بلد مثل مصر حاليًا وتحاول إيقافها بشتى الطرق. تلك الزيادة التي تسبب كثير من الفقر والجهل والمرض وندرة الفرص والموارد، وغيرها الكثير من المعضلات اليومية في منطقتنا العربية.

هل كان العالم بحاجة لإنجاب أطفال جدد ليزيدوا الطين بلة في عالم محترق مستنزف بالفعل؟ أخذت قراري بالفعل، لن أنجب طفلًا أبدًا على هذا الكوكب، فنحن نكره جنسنا وأعتقد أن الكوكب يكرهنا أيضًا، وكيف لا ونحن ندمره فقط، كل تلك الأشياء وأكثر تجعلنا في أشد الحاجة لتبني فلسفة عدم الإنجاب والتوقف عن تصدير كائنات شريرة جديدة للكوكب، وإعطاء الفرصة كاملة للأجيال والأطفال الموجودة بالفعل بالحق في الحياة الكريمة متساوية الفرص والظروف، ولن ننقرض إذا توقفنا بشكل مؤقت عن الإنجاب وحتى إصلاح ما أفسدته البشرية.

وأخيرا، إن وجدت السعادة يا صديقي في إنجاب طفل أو اثنين أو ثلاثة، فأنا سعيد من أجلك للغاية، أما أنا فقررت التخلي عن هذا الشعور بالسعادة مقابل الحصول على مشاعر سعادة أخرى أراها أفضل بالنسبة لي، ربما أنانية ولكن هذا ما عليه الأمر، تقبل، و"لا تتحدث معي في هذا الموضوع مرة أخرى ، وإلا قتلتك".