جان لوك ميلانشون. الصورة: صفحته الرسمية على فيسبوك

كيف مهد اليسار الفرنسي الطريق لليمين المتطرف نحو الإليزيه؟

في ربيع 2012 كنت وسط الجموع المحتشدة بساحة الجمهورية وسط العاصمة الفرنسية باريس، لإطلاق الجمهورية السادسة. تلك الحركة التي يتوسطها جان لوك ميلانشون والتي كانت تهدف إلى إنهاء الجمهورية الخامسة، والإعلان عن جمهورية جديدة أكثر تجذرًا في تبني الديمقراطية التشاركية والسياسات الاشتراكية. بعد عشر سنوات، وفي ربيع 2022، سيخوض الرجل الانتخابات الرئاسية الفرنسية للمرة الثالثة على التوالي، بعد عشر سنوات شهدت تحولات كبيرة من بينها انهيار الحزب الاشتراكي وصعود اليمين المتطرف.

ميلانشون الذي يتزعم حركة "فرنسا العصية" أعلن ترشحه للوصول إلى الإليزيه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020. كانت مارين لوبن مرشحة حزب التجمع الوطني (اليمين المتطرف) أعلنت ترشحها في بداية العام الماضي، بينما لا يزال الحزب الاشتراكي الذي كان في سدة الحكم من 2012 إلى 2017 يتخبَّط بلا مرشح. كما أن جميع المؤشرات تشير إلى ترشح إيمانويل ماكرون لجولة رئاسية ثانية، ليصبح الثلاثة مرشحين شبه المؤكدين قبل عام من الانتخابات الرئاسية هم ماكرون ولوبن وميلانشون.

قبل عشر سنوات، مثلت الحركة الاجتماعية في فرنسا بارقة أمل لإحداث تغيرات جذرية في الحياة السياسة الفرنسية، وارتبطت دون شك برياح التغيير التي تهب في جنوب المتوسط (مصر وتونس وليبيا وأيضًا سوريا). كذلك لا يمكن فصلها عن الحركة الاحتجاجات الإسبانية عامي 2011 و2012 التي كان يطلق عليها حركة 15-م، وبدأت عبر سلسلة من الاحتجاجات والاعتصامات، انتهت بتاسيس حزب بوديموس الذي يشارك السُلطة الآن مع الحزب الاشتراكي في إسبانيا منذ 2019.

مظاهرات جبهة اليسار، نحو الجمهورية السادسة، ساحة الجمهورية 18 مارس 2012. الصورة: صقر النور

ميلانشون الشخصية المحورية لهذا الحراك إلى اليسار كان عضوًا على مدى عقدين في الحزب الاشتراكي (PS)، منذ عام 1976 وحتى 2008، خلال وجوده بالحزب تدرج في المناصب من مستشار بلدية إلى عضو بمجلس الشيوخ، وصولاً الى وزير في حكومة ليونيل جوسبان (1997 إلى 2002). لكنه قرر مغادرة الحزب في 2008، بعد عدة محاولات لتوجيهه "يسارًا"، تأكد فشلها بعد المؤتمر العام للحزب عام 2008، لذلك أعلن تركه وفي نفس العام اسس حزب اليسار (PG)، فأصبح أولًا رئيسًا لمكتبه الوطني، ثم رئيسًا مشاركًا، وهو منصب احتفظ به حتى عام 2014، بعد أن خاض الانتخابات الرئاسية عام 2012 باسم الحزب، وحلَّ فيها رابعًا بعد حصده 11.2 %. وقد عُدَّ ذلك فشلًا كبيرًا، حيث كانت التوقعات تشير إلى احتمال حصوله على ما بين 15% و20% من الأصوات. وفي جولة الاعادة اصطف مع الحزب الاشتراكي فرنسوا أولاند، ضد اليمين وممثله القوي نيكولاي ساركوزي الذي كان يسعى للفوز بولاية ثانية، وسمح تجمع اليسار وحيادية اليمين المتطرف بوصول أولاند إلى السلطة بأغلبية مريحة.

خاض ميلانشون انتخابات 2012 بشكل مباشر ضد تصاعد اليمين المتطرف، مراهنًا على جذب أطراف جديدة من الناخبين على خلفية الحركة الاجتماعية الشبابية التي تجتاح ضفتي المتوسط، وأيضًا عجز الحزب الاشتراكي عن حصد أصوات العمال والمهمشين، لذلك فإن تحالفه الانتخابي مع الحزب الشيوعي وجبهة اليسار كان يهدف إلى تأطير هذه الأصوات، والدخول بهم جولة الإعادة خاصة أن اليمين التقليدي أو "الساركوزية السياسية" وصلت مداها، سواء عبر تقاربها في قضايا الأمن والموقف من الإسلام مع اليمين المتطرف، أو استشراء الفساد وتدهور أوضاع الاقتصاد للفئات الفقيرة والطبقات الوسطي.

كانت اللحظة ثورية بامتياز، وكان الشعار ينحاز يسارًا لمحاولة تحجيم فرص الحزب الاشتراكي أيضًا، لكن هذه الاستراتيجية لم تحقق نجاحًا، ولم يستطع ميلانشون أن يحوّل الحركة الاجتماعية الناشطة إلى حركة انتخاباتية ناجعة، وتقدَّم اليمين المتطرف في ترتيب الأصوات ليحصل ميلانشون علي المركز الرابع.

بعد هذه الخسارة انسحب ميلانشون من حزب اليسار، واختفى جزئيًا من المشهد لكنه ظهر بعدها بأربعة أعوام ليؤسس حركة جديدة للاحتجاجات المتعلقة بالسياسات النيوليبرالية للحزب الاشتراكي والخطاب اليميني لرئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، مما أدى إلى صراعات داخل الحزب الاشتراكي نفسه، تمثلت في انسحاب يسار الحزب من الحكومة (بنوا آمون ورفاقه). فقد شهدت السنة الأخيرة من حكم فرنسوا أولاند، أي عام 2016، إضرابات ومظاهرات حاشدة معارضة لتغيير قانون العمل، حيث شارك الملايين بالمظاهرات والإضراب عن العمل للتنديد بهذا القانون، ومع ذلك قررت الحكومة تمريره عبر الأمر المباشر، بموجب المادة 49 من الدستور في مايو/ أيار 2016 دون تصويت برلماني.

بالتوازي مع الحركة الاحتجاجية النقابية والمهنية ضد قانون العمل، ظهرت حركة اجتماعية تسمى Night Standing وهي تجوب الأحياء وترتكز على طرح الديمقراطية التشاركية، واجتذبت هذه الحركة العديد من الشباب المحبَط من اليسار التقليدي وخزلان الحزب الاشتراكي وانخراطه في المشروع النيوليبرالي.

على خلفية كل هذا استعاد ميلانشون الظهور عام 2016 مؤسسًا لحركة "فرنسا العصية"، وترشح عبرها إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2017.

كان الغضب شديدًا في أوساط اليسار والمنظمات النقابية والعمالية الفرنسي من تبني الحزب الاشتراكي سياسات نيوليبرالية متوحشة، وحدثت انشقاقات داخل الحزب دفعت فرنسوا أولاند إلى إعلان عدم ترشحه للانتخابات الرئاسية، وربما هي المرة الأولى التي لا يرشح فيها الرئيس الفرنسي الموجود في الحكم نفسه في الانتخابات الرئاسية، دون أسباب صحية أو ثبوت تورطه في قضايا فساد، ويوضح هذا حجم الخلاف داخل أروقة الحزب، الذي أجرى انتخابات داخلية أسفرت عن فوز أحد أعضاء المعسكر اليساري الجذري داخل الحزب ببطاقة الترشيح، وهو بنوا آمون.

كان مشروع بنوا آمون هو إعادة بوصلة الحزب الاشتراكي إلى اليسار والتخلي عن المسار النيوليبرالي لصالح المسار الاجتماعي الديمقراطي، مع طرح تجديد بيئي للحزب، ونجح آمون في عقد تحالف مع أنصار البيئة، فتنازل مرشح الخُضر وقرر دعم مرشح الحزب الاشتراكي في الانتخابات.

حاول المرشح الجديد للحزب الاشتراكي إذن أن يجمع حوله قوى اليسار وأنصار البيئة حول مشروع جديد للحزب الاشتراكي أكثر جذرية اجتماعيًا وبيئيًا، لكن استراتيجية ميلانشون كانت عكس هذا الجمع لليسار تمامًا، فعلى عكس انتخابات 2012 لم يخض ميلانشون والمتمردون انتخاباتهم ضد اليمين المتطرف ولكن ضد الحزب الاشتراكي، رافضًا أي فرصة للتجمع مع الحزب الاشتراكي، وقاطعًا كذلك تحالفه السابق مع الحزب الشيوعي.

خاض ميلانشون هذه الانتخابات وحده، طارحًا نفسه ممثلًا أوحد لليسار ويهدف بشكل أساسي إلى "كسر الحزب الاشتراكي وحل محله". كما تشير المطبوعات التي رأيتها معلقة بشوارع مارسيليا خلال الحملة الانتخابية عام 2017، وكذلك خطاب حركة "فرنسا العصية" العدائي ضد الحزب الاشتراكي. وبدا واضحًا أن ميلانشون لم يرغب في طرح نفسه ممثلًا لليسار الراديكالي كما هو الحال في 2012 ولكن كبديل للحزب الاشتراكي وككمثل لليسار بالكامل. لم يظهر التحول على مستوى الخطاب فحسب، ولكن أيضًا على مستوى الصورة الرئيسية للانتخابات، فاختفاء أو تقلص اللون الأحمر من الصورة كان له دلالة.

على اليسار ملصق دعائي لميلانشون في 2017 مقابل ملصق 2012 

أتت حملة ميلانشون ورفاقه بثمارها في كسر الحزب الاشتراكي الذي نال أقل نسبة أصوات ممكنة، 7%، ولكن هذه النتيجة ليست السبب فيها حملة ميلانشون وحدها، ولكن أيضًا انسحاب المعسكر اليميني من الحزب لدعم إيمانويل ماكرون، الفتى الذهبي الذي سيحصد نتائج الأزمات يسارًا ويمينًا ليصل إلى الرئاسة، دون طرح مشروع واضح، وبدعم كبير من النخب الإعلامية، والرغبة في تجديد النخب الحاكمة من الداخل دون فرض أي تغيير من الخارج.

لم يخض ملانشون معركته ضد مارين لوبن هذه المرة، وكسب العديد من أصوات اليسار الذي يأس من الحزب الاشتراكي، واستطاع أن يكسر شوكته في اللحظة التي سيطر فيها الجناح الاكثر جذرية على الحزب. كان ميلانشون يحاول أن يصل في عام 2008 لما وصل اليه بنوا آمون بالحزب عام 2017 أي سيطرة الشق اليساري الجذري على قرار الحزب وطرح مشروع يساري جذري، وإعلان القطيعة مع السياسات النيوليبرالية، مع طرح حزمة سياسات اجتماعية تجديدة (علاقة جديدة مع أوروربا– طرح الدخل الأساسي المعمَّم). وبدلًا من أن يستغل ميلانشون هذا التحول الإيجابي داخل الحزب الاشتراكي ليؤسس جبهة يسار واسعة، اختار أن يضرب الحزب الاشتراكي بقوة، مرتكزًا على أخطاء دورة رئاسة فرانسوا أولاند الكبيرة.

ومع ذلك حل ميلانشون مرة أخرى رابعًا، بنسبة 19.58% من الأصوات، أي مرة أخرى بعد مارين لوبن، لكنه كسب الكثير من الأصوات، معظمها أصوات الحزب الاشتراكي، وفي المقابل احتلت لوبن المركز الثاني ودخلت جولة الإعادة ضد إيمانويل ماكرون الذي فاز بأغلبية مريحة دون دعم صريح من ميلانشون، الذي قرر عدم دعوة مرشحيه لإقامة جبهة جمهورية ضد اليمين المتطرف.

يمكن القول إن حملة هجوم ميلانشون وحركته لعبت دورا رئيسيًا في انهيار الحزب الاشتراكي، لكن لا يمكن تجاهل زيادة الخلافات والتناقضات داخل جسد الحزب الاشتراكي الضخم إلى درجة لم يعد ممكنًا التعايش معها.

رغم هذا التقدم النسبي لميلانشون من 11% في انتخابات 2012 إلى 19% في انتخابات 2017 وهو تقدم كبير دون شك، فإن وصول ماكرون إلى السلطة وتقدم اليمين المتطرف واختفاء الحزب الاشتراكي من المشهد لم يكن بالشيء الجيد لملايين المهمَّشين والملونين في فرنسا، فحجم التسارع النيوليبرالي وحدة الخطاب المعادي للأجانب والمسلمين، وصلت إلى مستوى كبيرة جدًا لم تستطع حركة ميلانشون أنتواجهها وكانت هي هدف سهل للحملة الجديدة ضد اليسار والتي أخذت شعار "اليسار الاسلامي".

في انتخابات الإعادة عام 2017 رفض ميلانشون الانضمام إلى جبهة جمهورية للدعوة للتصويت ضد اليمين المتطرف، ويشير استطلاع للرأي أجرته صحيفة ليبراسيون مؤخرًا أن الإعادة بين ماكرون ولوبن في 2022 إن حدثت لن تدفع المعارضين لليمين المتطرف بالضرورة لإعادة التصويت لماكرون، وهذا يطرح مزيدًا من الضغط علي اليسار الفرنسي للتكتل لتقديم مرشح صلب يستطيع قطع الطريق علي هذه الثنائية بين سياسات ماكرون النيوليبرالية وانزلاقه الي الخطاب اليميني المتطرف في القضايا الثقافية والاجتماعية، وبين النسخة الاصلية من اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبن.

قبل أن تحدث مراجعات حول مستقبل اليسار في انتخابات 2022 ومع استمرار تشرذم اليسار الفرنسي، حيث تولدت حركات عديدة علي خلفية انهيار الحزب الاشتراكي، مثل حركة "جيل" التي يقودها بنوا آمون وحركة الفضاء العام التي يقودها أعضاء سابقين بالحزب الاشتراكي، يقدم ميلانشون نفسه مرة ثالثة للانتخابات الرئاسية بعد استفتاء رأي إلكتروني قاده في الغالب أعضاء حركته فرنسا العصية، ليعلن ترشحه، بعد موافقة 100 ألف شخص على ترشحه إلكترونيًا. ليقطع عبر هذا التحرك المنفرد فرصة حدوث تكتلات جديدة في اليسار، داعيًا الجميع للالتفاف حوله دون نقاش، خاصة مع صعوبة أن يلتف اليسار خلف ميلانشون بعدما حدث منه من الانفراد بالقرار والتصميم على الهروب من العمل المشترك، داعيًا الجميع إلى الالتفاف خلفه في انتخابات 2017 دون نقاش.


اقرأ أيضًا: الكاميرا تهزم البندقية: متواليات العنف والعنصرية في فرنسا


يمكن القول إن حملة ميلانشون وحركته لعبت دورا رئيسيًا في انهيار الحزب الاشتراكي، لكن لا يمكن تجاهل زيادة الخلافات والتناقضات داخل جسد الحزب الاشتراكي الضخم إلى درجة لم يعد ممكنًا التعايش معها، فكان الانفجار حتميًا لكن تاريخه مؤجلًا. وكذلك مهدت سياسات فرنسوا أولاند النيوليبرالية الطريق لهذا الحل الحتمي وليس هجمة ميلانشون وحدها.

اليسار الفرنسي اليوم في أكثر حالاته تشرذمًا، واليمين التقليدي يعاني من تغلغل الفساد والحكم علي ساركوزي بالسجن ثلاث سنوات، منها سنة مع الشغل يربك المعسكر الساركوزي الأقوى داخل حزب الجمهوريين اليميني، مما يقوِّض فرص اليميني المحافظ في المنافسة الحقيقية في انتخابات 2022. بالإضافة إلى أن الباب مفتوح لأصوات شعبوية يمينية متطرفة، تعيد طرح نفسها كبديل "من خارج السيستم" على الطريقة الترامبية، لكن في حال حدوث إعادة بين إيمانويل ماكرون ومارين لوبن، فإن النتائج لن تكون مؤكدة مثل الانتخابات السابقة.