تصميم: يوسف أيمن- المنصة

أوجه أخرى للدِس الذي لا ينتهي: صراع طبقي وأوجه متعددة للمدينة

لم يكن التراب في قائمة تفضيلاتي، كنت كباحثة في الموسيقى المصرية أتابع معظم محاولات تمصير الراب التي فشلت في توسيع قاعدته الجماهيرية، وكنت أنحاز إلى المهرجانات التي وجدت طريقها إلى قلوب الناس، فاستخدَمت طريقة الراب مع الإيقاع المقسوم ونجحت في إضافة لون جديد على الساحة الموسيقية المعاصرة، ولكن بابلو فتح لي طريق الوقوع في حب الراب، كما كتبت في مقال سابق.

وعلى الرغم من أن المهرجانات بإدخالها الإيقاع الصاخب للذائقة الموسيقية المصرية، ومهدت الطريق أمام التراب ونجومه، فهناك ملاحظات فارقة بينهما على مستوى ممارسة الغناء كفعل اجتماعي؛ الأولى هي أن المهرجان قدم نفسه باعتباره فن غناء جماعي يقدمه ثلاثة مغنين وربما أكثر، يصاحبهم عازف درامز ونبطشي، يؤدون محتوى واحدًا وكأن موضوع الأغنية يمسسهم جميعًا، أما التراب فطرح نفسه كغناء فردي يحاول المطرب فيه اصطياد لون إيقاعي متفرد يبعده عمّن حوله، متمركزًا حول ذاته مفاخرًا بقدراته مهددًا أعداءه، وعليه نجد أن المطربين يستحسنون الغناء فرادى ويوزعون على قنواتهم الفردية على مواقع توزيع الموسيقي، إلا في حالات محدودة جرى فيها التعاون بين مطربين لأداء أغنية واحدة.

الملحوظة الثانية وثيقة الصلة بالأولى؛ وهي أن المهرجانات حافظت في إنتاجها الهجائي على روح العصبية والقبلية، فبعد تفاخر الفرق بمنطقتهم وحيهم وعشيرتهم ، يتم هجاء العدو باعتباره فرد من جماعة أخرى، كالصراع الذي اشتعل بين أوكا وأورتيجا من المطرية في مقابل السادات وفيفتي من مدينة السلام، في بداية المهرجانات بين عامي 2011 و2013، أما الدِس (Disrespect) الذي يظهر في التراب والمعني بإظهار غضب رابر من رفيقه، واستعراض قواه وقدراته الفنية والتحقير من عدوه، فهو يمثل حالة مختلفة تستدعي عند الجمهور متعة لا تتعلق بجمال الأغنية أو التأثر بحالتها، وإنما بترقب العنف والاحتشاد للتشجيع، كما يحدث في برامج المصارعة ومباريات كرة القدم.

هنا نستعرض بعض أبرز مبارزات الرابرز الكلامية أو الدِسّات، التي دخل فيها الصراع الطبقي وأوجه مختلفة للمدينة حسبما يراها كل واحد منهم.

بهذا القدر من الإمتاع ودون خطابية فجة، وككثيرين دخلت كلمة "باظت خالص" لقاموسي اليومي.

ويجز .. 21 ولسانه سكين

في مارس/ أذار 2020 أصدر ويجز أغنيته دورك جاي، التي حققت نجاحًا مبهرًا، وكانت دِس (Disrespecting) من ويجز لمحمد رمضان، والسبب أن شركة ما أنتجت مشروبًا للطاقة، واتفقت مع الأول على إنتاج تراك له يكون بمثابة أغنية دعائية للمنتج، وبعد أن وضع ويجز تصورًا كامل للكليب أوقفت الشركة التعامل معه وغيرت اسم المنتج، واتفقت مع رمضان على إنتاج الأغنية بنفس تصورات الأول وأفكاره، بحسب ويجز.

كُتبت دورك جاي برطانة خاصة، محملة بعدة جُمل كان مفادها التقليل من رمضان "لو أنت بابا طب أنا مين؟" و"وارث كافكا قائد مافيا" و"على قفاك اللوجو وجسمك ولا يغر" وهي جُمل بنيت للسخرية من أغاني رمضان مافيا وبابا ووضعه لوجو الشركة جسده. تعمَّد ويجز إحداث عدة تشابهات في الإنتاج البصري بين أغنيته وأغنية رمضان ستينج، وكأنه يؤكد قدرته على استخدام نفس الديكور والملابس والإضاءة لينتج عملًا فنيًا يفوق ما قدمه رمضان بمراحل، محافظًا على حضور مفرداته البصرية التي تنم عن طبقته الاجتماعية، كابن المنطقة الحرة بالإسكندرية؛ التوكتوك وفرح الشارع والمنازل متواضعة العمارة وغيرها.

في اعتقادي، أدرَكت دورك جاي ما أنتجت من أجله وأكثر، "أغنية حلوة مفيش كلام وعلمت على رمضان بصحيح"، استطاع ويجز من خلالها الرد بها على تلاعب شركة الإنتاج، واستغلالها لحلمه في الانتشار، وانحيازها لفنان مشهور، تضمن به إقبال جماهيره على منتجها بدلًا من تعرضها لمخاطرة مع مطرب جديد في السوق، بذكاء وسهولة انتقد ويجز أسطورة رمضان المصنّعة بأيدى منتجيه، الذين حركوه من مساحة التمثيل وحصروه في أدوار البلطجي والمجرم، لمساحة غناء المهرجانات متسلقًا مجهود المدفعجية في أغنية أنا أصلًا جامد إلى شيء لا يشبه الراب ولا حتى المهرجانات، أنتج به إعلاناته وأغانيه بابا ومافيا ونمبر وان والملك، مستخدمًا نفس الموتيفات؛ الأسود، والنمور، والتيجان، والأسلحة، والسيارات الفارهة، والموديلز من النساء، والرجال ضعاف البنية.

كنت سمعت ويجز من حوالي عام، انبهرت بأغنيته 21 التي يقول فيها "إسكندرية متجيبش غير أباطرة.. الحرام ف أكياس الحلال بالقطرة.. الله يحميني من الموالاة والمناصرة.. 21 ولساني 60 ولساني سكين". صُورت الأغنية على شاطئ الإسكندرية وفي باراتها الضيقة، وعبَّرت عن أزمات جيل ويجز وقضاياه، كالفقر والهجرة غير الشرعية وفقدان الأمان، بهذا القدر من الإمتاع ودون خطابية فجة، وككثيرين دخلت كلمة "باظت خالص" لقاموسي اليومي، أدركت أن لديه ما يقدم وأنه دم جديد بروح حاضرة ستتمكن من احتلال مساحة ليست بالقليلة في المشهد الموسيقي.

ذاع صيت ويجز وأصبح نجمًا، وأجاد لغة السوشيال ميديا، وصار لديه ملايين من المتابعين كما اعتاد بذكائه أن ينكش رفقاءه ومنافسيه بلغة متوارية من خلال الصور والكلمات والـstories، كان آخرها وضع فيديو لشخص يشبه مروان موسى يجلس في سيارته يستمع لأغاني ويجز، وآخر له وهو يستمع لأغنية أطفال رتيبة تقول "الفواكه حلوة كتير.. موز وخوخ ومانجا وتين"ساخرًا من كلمات أغنية مروان موسى "شيراتون" التي قال فيها "قعدة حلوة جوة الشيراتون.. معايا موزة، معايا خوخة".


مروان موسى.. ابن الناس الكويسين

ينظر إلى الراب عالميًا باعتباره فن الفقراء والسود الذي استدعى رقصات الهيب هوب والايقاعات الصاخبة، متمردًا على قواعد الرقص والغناء المنظمَّة في الموسيقى السائدة، لكن المشهد في مصر حمل تناقضاته، وشاهدنا تفاوتًا طبقيًا واضحًا بين المطربين وانعكاسات لهذه التراتبية الطبقية في كلمات الأغاني والعناصر البصرية في الكليبات.

كرجل أبيض يظهر مروان موسى، ذو الملامح الأوروبية التي ورثها عن والدته الألمانية. تجوَّل مروان في عدة دول، درس السينما والصوت في إيطاليا، وعاد إلى مصر ليحترف الراب، لإعجابه بتجربة التراب الجديدة فيها وافتتانه بتجربة أبيوسف.

وحسب حواره مع موقع معازف يقول موسى عن علاقته بالمدينة إن الحكي مع الناس هو مصدر إلهامه الأساسي، وإنه يسكن بمدينة الرحاب ولا يطيق البقاء بمنزله فيطير على المعادى والزمالك ومصر الجديدة.

حافظ مروان موسى على السمة العولمية فيما يقدمه، فبعيدًا عن اللغة لا يمكن أن تدرك جنسية الكليب، فمنذ بدايته في كليب شطائر الصادر في مارس 2019 يتحدث عن معاناته من العَظَمة وأكله التورتينو في مطعم إيطالي، ومن بعده كليب نهاية العالم الذي يصور حرب عصابات تجري في فيلا، وكليب البوصلة ضاعت، الذي يصور مروان نفسه وهو يتأمل أزماته في بيته الكبير ذو الأثاث الكلاسيكي، مستعينًا بمقاطع من حفلاته يقول "عايز أحس إن في شخص اتكون.. عايز ألعبها تاني من الأول.. مصيبة لو فضلنا زي ما احنا.. قضينا وقت طويل ليلاتي بنحرق.. بدأت أتغير وأنا في نص الرحلة.. فهمت نفسي وأنا في قلب الوحدة"، وحتى شيراتون الذي صُور في ملهى ليلي يتحدث فيه مروان عن سهرة مع نساء كثيرات وحضور فرقة وحوله العشرات يؤدون استعراضات من البريك دانس، وينهي بوعده للجمهور أنه بعد الكورونا سيقلب القاهرة فلوريدا"، يظهر مروان مستلبًا لمدينة عالمية تعج بالشباب التائه في البحث عن الذات في حياة مرفهة.

التزم موسى بعادة الدِس للرد على ويجز بإطلاق أغنية كله في السليم، التي قال فيها "عيل حساس فكـ* أم إحساسك .. عيل حساس ف بتتمرمغ ف دراما.. أنت منحوس ف هنجيبلك حظاظه"، وفيها يسخر موسى من مضامين تراكات ويجز التي تتمحور حول سوداوية الحياة والنحس وضيق الحال وصعوبة العيش والبحث عن الأموال، ويسخر من فكرة أنه ينكش في Story وليس تراك ويؤكد على عودته من دبي التي جعلته "رايق وفايق".


عداوة أخرى يعبر عنها موسى مع أبيوسف الذي كان يعتبره أستاذه، بدأت بجملة نشرها موسى "بعمل راس مال يا برو" فكان رد أبيوسف "يا برو اعمل يا برو حد حيشك اجى أشجعك طب" وكان رد موسى بجملة "لو كنت زعلان منى في حاجة كنت كلمني على BOTIM" باعتباره تطبيق مجاني يسهّل الاتصال بين مصر ودبي حيث كان موسى يقيم حينها، بعدها أصدر تراك مش أوكيه الذي شرح فيه خلافه مع أبيوسف متأسفًا على ما وصل له الأخير قائلًا "بس فانزك مش عارفين المزبلة اللي إنت عايشها.. كل دوة علشان محموق إني مشيت وسيبتك..كان معاك البي إم، دلوقتي راكب الفيسبا.. بعمل "رأس مال"، مش عايزك تشجعني.. نفسيتك الضعفانة المكسورة مش هتنفعني".

أبيوسف مش بيقدر حد

شق طريقه عام 2009 براب مختلف عن الشائع، بعيد عن كافة المحاولات التي بذلها أحمد الفيشاوي وأحمد مكي وMTM وقتها، وحقق نجاحًا مبهرًا من خلال لون مستقل أنتج به خلال 12عامًا ما يقرب من 500 تراك ربما أكثر، اهتم أبيوسف بالذات كموضوع مركزي في أغانيه، مختارًا أن يبعد عن أغاني نقد المجتمع أو الظواهر الاجتماعية أوالوضع السياسي كما مال بعض الرابرز في جيله.

مع غزارة موهبة أبيوسف في الكتابة، وزخم إنتاجه على الإنترنت، يصعب علينا استخراج تيمة مكررة في مضامين أغانيه، ولكن يمكننا ملاحظة الجرأة فيما يخص تصريحاته المشار إليها في أكثر من أغنية، حول سعيه لجمع المال من خلال الراب، فمع إدراك أبيوسف أن كليب مش هقدَّر حد مرحلة مختلفة ستقربه من جمهور غير معنٍ بحركة الراب والتراب في مصر، لكنه قال "براب عشان عليا ديون أسددها".

كذلك قال في أغنية السيستم "قبل ما بقبض بقبَّض الباند.. أصلًا بحس إني بقبّض البنك..صفقة ع الشجر ولا صفقة في الهاند"، حتى في بداياته كانت أغنية سلبي معبرة عن الخط الذي لا زال يدور حوله؛ قال فيها "عزيزي القارئ تأليفي هابط خبط فيا براحتك أنا إيزي تارجت.. شاب سطحي كتاتكيتي باضت وطارت.. بتعلم من اللي فات.. مش طايق أكلم نفسي فبكلم الدشات.. سلبي.. سلبي.. ملكوش مكان ف قلبي.. مش عايز رأي حد أنا بغني لنفسي.. مليش عزيز المهم الوقت يعدي.. علامة النقص واضحة فيا لأني سلبي". هذا طبعًا غير تاريخه في دِس ونقد رفقائه في الراب وفي المشهد الموسيقي عامة.


أبيوسف وجه مختلف للمدينة، يقول عن نفسه في تراك مدينة "قلبي مات أنا ماكينة.. أنا مدينة.. جوايا حتت كتيرة.. أنا نفسي ماعرفش إزاي أخفيها" كما اختار بلكونات وأسطح عدة مبانى متواضعة لتصوير أغنية عزرائيل، التي غنى فيها "شهير باسم مازن عندليب شمال الدقي" وهو ما أكده في أغنية أنا مش هقدَّر حد التي قال فيها "نجم أبو الفدا صور وكده، اللي يكلمك أنا مش هنا". يبدو من تلك الكلمات أن أبيوسف ينتمي للطبقة الوسطى المتوسطة، أدار رزقه ككاتب إعلانات، ثم اكتشف قدرته على كتابة الراب فتحرك إليه عدوًا، ليعبِّر عن نفسه وطبقته وإدمانه واحتياجاته المادية وموهبته الفذة في الكتابة، مما شكَّل مضمونه المختلف كمًا وكيفًا، الذي سمح باعتباره الأب الروحي للتراب، الذي شجَّع كثيرين للانطلاق في طريقهم من نقطة بدأها هو، ومنهم مروان موسى.

ميجاترون كان دِس أبيوسف بحق مروان موسى؛ تراك يتباهى فيه بقدراته على الراب مقللًا من شأن موسى كرابر، "‎ماتتكلمش.. ماتتفلسفش.. ده مش لقاء.. متأفلمش.. لو رد فعلي كان شديد.. ماتستسلمش.. ممكن تكون عليك العين بس أنا الرمش.. فاضل كام برسينت.. اعمل م الهند".

عفروتو.. صاحب صاحبه

أعلن عفروتو دعمه لمروان موسى بإصداره أغنية جو صعب، التي انتقد فيها أبيوسف "500 تراك وOG ده كلام حقيقي.. بس بقالنا سنين مستنيينك وأنت مش بتيجي.. تراكك اللى لسه نازل أكبر دليل أزميلي.. كنت جامد بيا أنا دلوقتي أجمد منك مش بإيدي" كما سخر من إنتاج أبيوسف لتراكات تناول فيها مشكلاته العاطفية "يا مان آسفلك لو زعلان روح عاتبها.. مش تعمل 7 أغاني تحكيلنا فيها خيبتك".

يبدو أن عفروتو لديه قناعة أن طريقه إلى النجاح مرتبط بمصادقة الرابرز المهمين، وليس أدل على ذلك من البار (البيت) الذي قال فيه"مش هيشوفوك غير وأنت حد جامد.. هيلوشوك لو أنت مش حابب تجامل" في تراك متفقين، فهو مبدأ يتبعه عفروتو في حياته، فهو بدأ التراب منذ خمس سنين تأثرًا بأبيوسف، بعدها انتقل من الإسكندرية إلى القاهرة، وأصدر في بدايات 2020 كليب مظلات بالتعاون مع باتيستوتا، الذي أعلن أن هذا التعاون سيدوم، فقالت كلمات الأغنية "ما شاء الله خاربين مجرات.. إحنا فوق، إحنا فريق مظلات..مظلات، إحنا فريق مظلات.. صاحبي إحنا فوق، إحنا فريق مظلات".

حققت الأغنية نجاحًا وأصبح عفروتو معروفًا لدى جماهير القاهرة التي كانت تعرف باتيستوتا، ولكن لأسباب غير معروفة توقف الفريق، وظهر عفروتو في عدة أغانٍ وحيدًا، ثم ظهر في تعاون مع مروان موسى في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، في تراك اسمه على بعضي الذي أُخرج بنفس الموتيفات البصرية المعتادة في تراكات أغاني موسى، والتزم بمضمون أقرب لموسى منها لمضامين عفروتو فيبدأ بـ"لو الغلطة دي مش غلطتي أنسب لمين أخطائي.. فكرت كتير هو العيب فيهم ولا العيب في راسي.. دول بيبيعوا ودول بيساعدوا .. في لحظة نشقلب الأوضاع دي.. ناس بتمثل ناس بتخون وأنا مش على بعضي".


الإسكندرية كانت حاضرة بقوة في بدايات عفروتو ، بشكل يفوق رفيقيه السكندريّين ويجز وبابلو، ونرى ذلك في تراك ابن السيوف أي منطقة السيوف بالإسكندرية، قال فيه "والناس عارفة إني ابن السيوف.. نجم الجيهه بوب الغرور" كما بدأ عفروتو كليب أنتو أعدائي المصور في سبتمبر / أيلول 2020 بجملة مكتوبة "إهداء إلى منطقة السيوف بحري إسكندرية ومنطقة المطرية" وتدور دراما الكليب حول حفل زواج في حي شعبي، يقتحمه عفروتو ويفسده ليخطف العروس التي هي حبيبته السابقة وغير راغبة في الزواج من غيره.

حافظ عفروتو على لهجته السكندرية الشعبية في معظم إنتاجه الفني، واعتمد الحارات والشوارع الضيقة والمباني المهملة، تيمة بصرية في معظم أغانيه حتى المشهورة منها مثل سيجارة، وأحمد على اسم جدو، التي لم تخرج مضامينها عن التهديد والوعيد والدِس وكأنه يستحضر حالة "ردح" دائمة.

من هامش المدينة

الراب وليد هامش المدينة، يشبه إيقاعاتها المتداخلة والمتراصة، حَمَل منذ بدايته أوجاع الفقراء والتائهين والمختلفين، نقل تمرد الأذن على الموسيقى المنتظمة، وثورة الجسد على خطوات الرقص المتوقعة والمكررة والمحسوبة، برقصات الهيب هوب القوية المرتجَلة، أخرج الفن من قاعاته المغلقة إلى الشوارع، ليصبح الفن الموجود والمرتبط بالشارع وسط حضور محدود وملتف حول الفنان والراقصين، ثم أكمل طريقه ليصير الفن الذي تستهلكه بضغطة زر باحثة عن مطربك على الإنترنت.

بدأ التراب كفرع من الراب متمردًا على المدارس القديمة، وتزامن ذلك في مصر مع تحولات في مضمونه، فارتحل من الحديث عن الجماعة والمجتمع وقضاياه، إلى استغراق في الذاتية والهموم الفردية واستعراض القدرات الخاصة، وربما كان مناسبًا للحظة السياسية والاجتماعية في مصر، بعد خفوت صوت ثورة يناير واليأس من الحلول الجماعية، وارتفاع نداءات الفردية التي تملأ خطابات الدولة النيوليبرالية، متأثرًا بالتطور الهائل في صنع الموسيقى الإلكترونية الذي مكَّن الأفراد من صنع موسيقاهم فرادى ومن منازلهم، والتمكن من توزيعها إلكترونيًا على مواقع التواصل الاجتماعي وشق طريقها فيما بعد لوسيلة النشر الاجتماعية الأولى؛ التوكتوك ومنها إلى العربات الفارهة.

انطلق التراب من مدينتين مصريتين طاحنتين؛ القاهرة والإسكندرية، ولم تظهر فقط روح كل مدينة في أغاني مطربيها بل وطغت روح أحيائها وثقافة سكانها على أفكارهم وتصوراتهم عن الحياة، كسر التراب مركزية القاهرة كمدينة بمؤسساتها الرسمية ودوائر إنتاجها العملاقة، ليضع أمامنا وجوهًا مختلفة للمدينة وأصوات لم تكن موجودة من قبل، وهذا يعنى كسر لنمطية ثنائية "الغني الشرير والفقير المثالي ابن البلد" لتتفتح أعيننا أمام نماذج متعددة لأولاد وبنات البلد والبلاد الأخرى.

ليست هناك علاقة بين كون الراب فن ارتبط بأزمات المطرب الحياتية، وبين كونه تقدمي أو تحرري، فبالعودة إلى معظم نصوص أغاني التراب المصرية نجد أن أشهرها أُنتج بأيدي رجال، ومع تعبيرها عن أزمات نفسية ووجودية واقتصادية لمطربيها، حافظت على سمات الراب التي تمحورت حول الذاتية والاستعراض والحضور الذكوري الفحل، في مقابل حضور أنثوي محدود ملتزم بسمات الضعف أو الشرّ أو التلاعب، وفي ممارسة لتشييء النساء واعتبارهن أملاك الرجال الخاصة، ومساحة تهديد من المطرب لأعدائه، كأن يهدد غريمه بخطف أو اغتصاب أو إغواء شريكته.


اقرأ أيضًا: "رِجع الغابة": أن تُشرِّح بابلو فتقع في حبه

وهنا أؤكد أنه ليس على الأغنية إحداث تغيير مجتمعي ما، وليست ملزَمة بحمل رسالة تتضافر مع الحركات الاجتماعية المختلفة، ولكنني أعتبر التغيير الذي أحدثه التراب في المشهد الموسيقي المعاصر في مصر، باستقدام نماذج شكلية للمطربين ومضامين مختلفة عن السائد في الموسيقى الجماهيرية، من شأنه إحداث تغيير في علاقات القوى الاجتماعية وزحزحة في تسيد الاتجاه المحافظ الذي ينتج ويعيد إنتاج أيديولوجيته الاجتماعية وفق تراتبيته الأبوية بمفهوم ميشيل فوكو، حول ممارسة الخطاب كمقاومة للخطاب السائد.

لا يمكن التغاضي عن الصراع الطبقي الذي شكَّل فن الراب والتراب في العالم وفي مصر، فالمسألة من البداية كانت هتاف الجماعات المهمَّشة والفقيرة في وجه الكتل الاقتصادية المستغلة، ورغم أن المهرجانات خرجت بنفس الدافعية،فإن التراب كان صوتًا جديدًا، معبرًا عن أفراد جاوروا مطربي المهرجانات في مناطقهم السكنية، ولكنهم كانوا أكثر حظًا في اقتناص فرص للتعليم والعمل، مما شكل وعيًا طبقيًا خاصًا لديهم "المتعلمين بتوع المدارس"، فصاروا مختلفين عن جيرانهم باختلاف رأس المال الاجتماعي، على حد قول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، وتشكلوا كطبقة داخل الطبقة، مصرين على وضع أسماء كتاب ورسامين وفنانين مشهورين في كلمات أغانيهم مثال كافكا وسيناترا، أو يطلقون على أنفسهم أسماء مَن تأثروا بهم، كمروان بابلو الذي أخد اسمه من بابلو بيكاسو، أو ربما بابلو سكوبار.

في النهاية، الدِس فن دعائي سلطوي، ومحاولة من مغنيه لاستعراض قدراته و"الحط" على نظرائه في المجال، وهو أيضًا مساحة لسلب الجمهور ليكون ضمن فريق معجبي المطرب ومتابع لكل أغانيه، حتى يفهم الشفرات التى يُبنى عليها الدس، الأمر الذي كان ملهمًا وتسبَّب في انطلاق عشرات البرامج على يوتيوب لشرح وتحليل الأغاني وفك شفراتها، أرى أن الدس وإن بدى هجائيًا وانتقاميًا إلا أن التزامه بشكله الغنائي يمنحه فرصًا ليكون أغنية بمستوى فني يسمح لها بالبقاء.